التفاسير

< >
عرض

قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ ٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ عِندَ ٱللَّهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ ٱلنَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ
٩٤
وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّالِمينَ
٩٥
وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ ٱلنَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ ٱلْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ
٩٦
-البقرة

جواهر التفسير

كان ما تقدم نقضا لدعواهم الإِيمان بذكر فظائع أعمالهم المنافية له فيما سلف من أمرهم، وفي هذه الآيات رد لهذه الدعوى بمطالبتهم بأمر يأتونه في الحال يستلزمه رسوخ الإِيمان والاستقامة على هديه والاطمئنان إلى نتيجته وهي حسن العاقبة وسلامة المنقلب، وذلك أن الحياة الدنيا تزخر جوانبها بضروب المحن وصنوف الأكدار، فمن كان على ثقة من ربه بأنه سيبوئه مبوأ خير وسعادة بجواره في الدار الآخرة، لا يتردد - إذا خُير - في إيثار الانتقال عنها إلى تلك الدار المجردة من المحن الصافية من الأكدار، فما عليهم - وهم يدعون أنهم أولى الناس بربهم وبرضوانه ودار كلامته - إلا ان يفتحوا لقلوبهم هذا الباب من التمني ويترجموا ذلك بقول صريح يكون لهم حجة عند الناس إن كانوا صادقين في دعواهم.
ويبدو أنهم كانوا يدعون بأفواههم في أوساط المؤمنين أن لهم الدار الآخرة دون الناس، يفهم ذلك من هذا الإِلزام الذي أُلزموه في هذه الآيات، ويؤيده ما حكاه الله عنهم من قولهم:
{ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ } [البقرة: 111]، فإنها مقولة أهل الكتابين طويت في إجمال إسنادها إليهما، مع أن كل طائفة منها تدعى أنها وحدها على جادة الحق دون الأخرى، كما ينص عليه قوله: { وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ لَيْسَتِ ٱلنَّصَارَىٰ عَلَىٰ شَيْءٍ وَقَالَتِ ٱلنَّصَارَىٰ لَيْسَتِ ٱلْيَهُودُ عَلَىٰ شَيْءٍ } [البقرة: 113]، فكل واحد من الطائفتين إذن تدعي أنها وحدها هي الحقيقة بالسعادة في العقبى، كما أنها وحدها على صراط الهداية في الدنيا، ومؤدى ذلك أن كل من سواها ما له في الآخرة من نصيب.
والمراد بالدار الآخرة الجنة ونعيهما، فإن من حرمها لم يكن له في تلك الدار نصيب من راحة أو لذة أو نعمة، ولذلك وصف الله الذين يريدون حرث الدنيا بأنهم لا نصيب لهم في الآخرة، حيث قال
{ مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ } [الشورى: 20]، وبين تعالى بأن حظ أولئك فيها العذاب والعياذ بالله، حيث قال: { أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ إِلاَّ ٱلنَّارُ } [هود: 16]، وقال: { مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَّدْحُوراً } [الإِسراء: 18]، ومن صلي النار لم يكن له نصيب في الآخرة لحرمانه من كل خير، والمراد بالناس غير هؤلاء المدعين أو المؤمنون خاصة؛ وعلى الأول فأل للجنس الدال على الاستغراق، وعلى الثاني للعهد، وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما أن المراد بالناس محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وهو لا ينافي أنهم المؤمنون، كما أخرجه عنه البيهقي في دلائله لأن الإِيمان يومئذ كان محصورا فيه صلى الله عليه وسلم وفي أصحابه رضوان الله عليهم.
وخلوصها من دون الناس خصوصيتها بهم، وقد مرّ معنى (دون)، والجار والمجرور متعلقان بخالصة.
والتمني تفعل من المنية واحدة المنى، وجملة: {فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ} جزاء للشرط، وإنما كان تمنيه آية صدقهم، لو كانوا حقا صادقين أن الدار الآخرة لهم خالصة من دون الناس، لأنه طريق نقلتهم إلى تلك الدار، وباب مولج أهل الحق إلى مقعد الصدق، فلا غرو إذا عشقه من تعلق قلبه بالله واليوم الآخر، ولأجل ذلك كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتسابقون إلى موارد الموت تسابق الصادئين إلى الماء الفرات، وكم صاغوا أمانيهم في عقود من الأدب ازدان بها الكلام، كقول عمير بن الحمام رضي الله عنه:

جريا إلى الله بغير زاد إلا التقى وعمل المعاد

وقول عبد الله بن رواحة عندما خرج إلى غزوة مؤتة ودعا المسلمون له ولمن معه أن يردهم الله سالمين، فقال رضي الله عنه:

لكنني أسأل الرحمن مغفرة وضربة ذات فرع تقذف الزبدا
أو طعنة من يدي حران مجهزةبحربة تنفذ الأحشاء والكبدا
حتى يقولوا اذا مروا على جدثي أرشدك الله من غاز وقد رشدا

وقوله عندما واجه زحوف الروم ومن معهم من نصارى العرب:

يا حبذا الجنة واقترابها طيبة وبارد شرابها
والروم روم قد دنا عذابها بعيدة تقطعت أنسابها
عليّ إن لاقيتها ضرابها

وقد مضى على طريقهم أبطال أهل الحق والاستقامة، الذين كانت أناجيلهم في صدورهم، وكانت قرابينهم أرواحهم، وخاضوا في نصرة الحق بحار المنون، لم تثنهم الأخطار عن قصدهم، ولم تفتنهم الدنيا بزهرتها فتحول بينهم وبين مبادئهم، وقد تدفق أدبهم الرفيع بمشاعرهم التي تجيش بها صدروهم، كما نشهد ذلك في قول أحد شعرائهم البارزين في عهد الإِمام طالب الحق عبد الله بن يحيى الكندي الحضرميرحمه الله ، وهو عمرو بن الحصين العنبري القائل:

ما بال همك ليس عنك بعازب يمى سوابق دمعك المتساكب
وتبيت تكتلئ النجوم بمقلة عبري تُسر بكل نجم دائب
حذر المنية أن تجيء بداهة لم أقض من تبع الشراة مآربي
فأقود فيهم للعدا شنج النسا عبل الشوى أسوان ضمر الحالب
متحدرا كالسيد أخلص لونه ماء الحسيك مع الجلال اللاتب
أرمي به من جمع قومي معشرا بورا إلى جبريه ومعايب
في فتية صبر ألفهم به لف القداح يد المفيض الضارب
فندور نحن وهم وفيما بيننا كأس المنون تقول هل من شارب
فنظل نسقيهم ونشرب من قنا سمر ومرهفة النصول قواضب
بينا كذلك نحن جالت طعنة نجلاء بين رها وبين ترائب
جوفاء منهرة ترى تامورها ظبتا سنان كالشهاب الثاقب
أهوى لها شق الشمال كأنني خفض لقا تحت العجاج العاصب
يا رب أوجبها ولا تتعلقن نفسي المنون لدى أكف قرائب

وقال -رحمه الله -:

لا شيء يلقاه أسر له من طعنة في ثغرة النحر
نجلاء منهرة تجيش بما كانت عواصي جوفه تجري

وقد نحا هذا المنحى في المتأخرين الإِمام المحقق الشهيد سعيد ابن خلفان الخليلي -رحمه الله تعالى - في قصائده الاستنهاضية، ومن أمثلة ذلك قوله:

كأن المنايا منية لقلوبهم فما كاد يثني القوم بالحتف مصرع
يخوضون دأماء المنايا بواسما كأنهم في جنة الخلد رتع
قد اطرحوا لبس الدروع لأنهم لهم من زكيات المناصب أدرع

وكذلك علم الشعراء الإِسلامين في العصر الحديث الإِمام الفقيه والشاعر البليغ أبو مسلم ناصر بن سالم البهلاني الرواحي في كثير من قصائده الداعية إلى نصرة الدين نحو قوله:

ولولا المقادير التي عزت القوى وما اكتسبت مني الخطوب الغواشم
نذرت حياتي تحت ظل لوائه وأحرزت خصلى إذ تحز الغلاصم
ولم يك قسمي غير ضربة قاضب إذا قسمت فوق الفروق الصوارم
أو الطعنة النجلاء ترمي نجيعها تفوز بها مني الطلى واللهازم
وتلك لعمر الله أبخس قيمة لرضوان ربي يوم تعطي المقاسم

والتمني وإن كان من أفعال القلب فإن القول يكشف عنه، والمطلوب منهم هنا التصريح بألسنتهم أنهم يتمنون الموت، ويروون عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا ورأوا مقاعدهم في النار، ولو خرج الذين يباهلون رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجعوا لا يجدون أهلا ولا مالا" وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما موقوفا ومرفوعا "لو تمنوا الموت شرق أحدهم بريقه"، وأخرج عنه موقوفا: "لو تمنوه يوم قال لهم ذلك ما بقى على الأرض يهودي إلا مات".
وقيل: بأن تمني الموت الذي دعوا إليه في الآية هو المباهلة أن الدعاء على الكاذب من الفريقين به، أخرجه ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما، ورواه عنه ابن اسحاق وابن أبي حاتم، ومال إليه الحافظ ابن كثير، وقيل: هو أن يقولوا ذلك بألسنتهم ولو كانت قلوبهم منطوية على خلافه.
وفي قوله: {إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ} تعريض بتكذيبهم، والمراد بصدقهم هنا صدقهم فيما ادعوه من كون الدار الآخرة خالصة من دون الناس.
وهذا التحدي قيل خاص باليهود المعاصرين له صلى الله عليه وسلم، وقيل عام فيهم وفيمن يأتي من بعدهم من أبناء ملتهم، واستدل له بتأييد النفي في قوله عز وجل: {وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً}، وفي هذا النفي المؤبد منه تعالى لما تحداهم به حكم منه سبحانه بنقض دعواهم، وإبطال حجتهم، مثله مثل قوله تعالى:
{ وَلَن تَفْعَلُواْ } [البقرة: 24]، بعد تحدي المشركين بأن يأتوا بسورة مثل القرآن، وفيه علم من أعلام النبوة، فإنه خبر عن غيب مطوي عن إدارك البشر إلا بوحي ممن يعلم السر وأخفى، وقد نزل في مقام التحدي، فلو انتقض بما يعارضه لسجل ذلك التأريخ وحفظته الأجيال لاسيما الأجيال اليهودية لِلَددهم في الخصومة والتماسهم أي ثغرة كانت ينفذون من خلالها إلى الطعن في الوحي وتكذيب الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام.
وقد سبق أن لن تقتضي تأيد النفي، أو تأكيده أو هما معا، والتأكيد هنا ظاهر، والتأيد وإن لم يظهر من لن فإن لفظة (أبدا) تدل عليه، ولا ريب أنه تأيد خاص بالحياة الدنيا لأنهم بكفرهم متوعدون بعذاب الدار الآخرة، وقد قال عز من قائل:
{ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ وَٱلْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ } [البينة: 6]، وقد أخبرا لله عن تمني أهل النار للموت إذ قال: { وَنَادَوْاْ يٰمَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ } [الزخرف: 77]، على أنه مما يقتضي حصر هذا التأيد بالحياة الدنيا ما ذكر في الآية من كون عدم التمني ناشئا عن سوء ما عملوا المؤدي إلى التباب في الآخرة، فلا جرم أنهم إذا حاق بهم التباب تمنوا ما كانوا لا يتمنونه في الدنيا.
واختلاف أداة النفي في هذه السورة عنها في سورة الجمعة مع اتحاد المنفي واتحاد المتحدي به يرجع - كما قال الفخر الرازي في تفسيره - الى اختلاف مدعاهم في الموضعين، وذلك أنهم ادعو في هذه السورة خلوص الدار الآخرة لهم من دون الناس، وادعوا ي سورة الجمعة أنهم أولياء لله من دون الناس، وقد أبطل الله مدعاهم في السورتين بأن دعاهم إلى تمني الموت لينقلبوا إلى من اختصهم بالولاية ولينتقلوا إلى ما أعد لهم في الدار الآخرة، ثم نفى حصول ذلك منهم، وبما أن مدعاهم في هذه الآية أعظم كان نفي تمنيهم بالأداة الأقوى، لأن غاية ما يسعى إليه العاملون هو الفوز بالسعادة في دار الثواب، ولما كان مدعاهم في سورة الجمعة وسيلة إلى ما ادعوه هنا كان النفي بأداته الأخرى فإن ولاية الله وإن كانت جديرة بأن تطلب لذاتها، فإنها وسيلة العاملين للوصول الى مقامات المقربين.
وعزا أبو حيان توجيه هذا الاختلاف في التعبير إلى صاحب المنتخب، وعزاه القاسمي إلى الغزالي.
وكون عدم تمنيهم الموت مسببا عن سوء ما قدمت أيديهم يدل على أنهم عالمون بفحش ما يرتكبون، وموقنون بشر المصير الذي إليه ينقلبون.
وإسناد التقديم إلى الأيدي - مع أن المراد كل ما قدموه من الأعمال سواء ما زاولوه بالأيدي أو بغيرها - لأن الأيدي هي أداة المزاولة غالبا في الإِنسان، وقيل: أراد بما قدمت أيديهم تحريفهم الكتاب بحذف ما هو منه وزيادة ما ليس منه، وقد باشروا ذلك بأيديهم حقيقة، والأول أظهر وأصح.
وقوله: {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّالِمينَ} خبر يتضمن الوعيد، والتسجيل عليهم بالظلم، ومقتضى الوعيد أن يقول والله عليم بهم، ولكن عدل عنه إلى إقامة المظهر مقام المضمر لأجل ما ذكر، ولتعميم الوعيد في كل من ظلم.
ثم أتبع ذلك وصفهم بما ينشأ عنه ما ذكره عنهم من قبل، وهو حبهم الملح في الحياة الدنيا وشغفهم بنعيمها وإخلادهم إليها، حيث قال: {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ ٱلنَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ}، وفعل تجد هنا مشتق من الوجدان القلبي، وهو متعد إلى مفعولين، أولهما الضمير وثانيهما (أحرص)، والمراد بالناس جميع الجنس البشري، فإن اليهود يفوقونهم في الحرص على الدنيا وإن كان ذلك من عادات البشر المشتركة، وذلك أن الناس إما مؤمن وفيَّ، وإما فاجر، والفجار صنفان، إما مصدق بالمعاد، أو غير مصدق به؛ فالمؤمن الوفي - بما يرجوه من رحمة الله وتتعلق به نفسه من ثوابه - لا يكره الموت وإن كان يخشاه بسبب خوفه من سيئات أعماله وإشفاقه من سوء الخاتمة فهو إن التفت الى جانب الرجاء استأنس بروح الله، واستبشر بكرمه، وإن التفت إلى جانب الخوف استوحش من شعوره بالتفريط في جنبه وهو في كلا الحالين لا يكره لقاء الله، والفاجر غير المؤمن بالمعاد - وإن كره الموت لأنه يفوته لذته في الحياة الدنيا - فهو لا يحذر من خلفه أمرا، أما الفاجر المؤمن بالمعاد والموقن بشر ما قدم ما يترتب عليه العقاب في اعتقاده - كاليهود الذين اتخذوا العجل وأسرفوا على أنفسهم في ارتكاب الموبقات وكفروا بخاتم النبيين الذي يجدون نعته في التوارة والإِنجيل - فهو أشد كراهة للموت وأحرص على استمرار الحياة من الصنفين السابقين لأنهم يعلمون أن مصيرهم إلى العذاب وأنهم ليس بينهم وبينه إلا الموت وأل في (الناس) للاستغراق فهو يعم جميع الناس، وقوله: {وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ} عطف خاص على عام لأن المشركين أضن من المؤمنين بالحياة الدنيا كما تقدم.
والتنكير في (حياة) للإِطلاق، فهو ينطبق على أي حياة كانت مهما كانت خستها، ومهما عانوا من الذل والهوان فيها فإنهم يفضلونها على الموت؛ وذهب كثير إلى أن التنكير للتنويع وأن الحياة التي يحرصون عليها هي الحياة المديدة، وذلك من عشقهم للدنيا وإخلادهم إليها، والأول أبلغ في الذم وأكثر تطابقا مع الواقع.
وقوله: {يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ} استئناف وصف لليهود تأكدا لما سبق ذكره عنهم وبيان لحرصهم المتناهي على التعمير، وقيل هو مرتبط بقوله: {وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ} وعليه فالوقف على (حياة) والواو وللاستئناف، والمراد بالذين أشركوا اليهود أنفسهم لقولهم:
{ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ } [التوبة: 30]، أو المجوس لأنهم دعون للعاطس منهم بالعيش ألف سنة أو عشرة آلاف سنة، وهو مروي عن ابن عباس وسعيد ابن جبير، أو جميع المشركين لاشتراكهم جميعا في حب الحياة الدنيا، ويتجه لي على القولين الأخيرين أن تكون الواو في قوله: {وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ} للحال، أي هؤلاء اليهود أحرص على الحياة من كل الناس، والحال أن من المشركين - وهم من جملة الناس - من يود أن يعمر ألف سنة غير أن أسلوب النظم لا ينسجم مع شيء من هذه الأقوال، فالصحيح عطف {وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ} على ما قبله، والاستئناف من قوله: {يَوَدُّ} وهو استئناف بياني أجيب به عن سؤال مقدر عن مبلغ حرصهم على الحياة.
وإنما قلت بأن ما عدا هذا التأويل لا ينسجم مع أسلوب النظم لأن الضمير في أحدهم لا يجد بحسبها معادا إلا إذا قدر محذوف يرجع إليه نحو "أناس"، والأصل عدم الحذف.
والضمير المسند إليه في قوله: {وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ ٱلْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ} عائد إلى أحد المضاف إلى ضمير الجمع في الجملة التي قبله، أي ليس ذلك المعمر بمبعده تعميره من العذاب.
والزحزحة الإِبعاد اليسير، وأصلها من زح يزح زحا، وصيغته للمبالغة نحو كبكبه وزعزعة، ومفاده أن هذا التعمير الذي يتمنونه حبا في الحياة الدنيا وإشفاقا من الموت لا يبعدهم ولو إبعادا يسيرا عن العذاب، لأنه وإن طال في نظر المخلوقين بادئ ذي بدء فهو قصير الأمد سريع الانتهاء لأن كل منقطع قصير فضلا عن كون التعمير مدعاة لسوء الحال، فإنه ينتهي بصاحبه إلى أرذل العمر والهوان على الأهل والأقارب وثقله على نفوسهم غير أنهم مع معرفتهم بهذا كله حراص على هذه الحياة مهما انطوت على الهون والمشقة وسوء الحال.
وقيل الضمير في: {وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ} كناية عن التعمير، وقوله: {أَن يُعَمَّرَ} المؤول بمصدر - وهو التعمير - بدل منه، والبدلية هنا التفسير، والمشهور تفسير الضمير بالظاهر في حالين:
أولاهما: أن يكون الضمير للشأن وتفسره الجملة بعده كالمضمير المقدر بعد (أن) المخففة من الثقيلة نحو قوله تعالى:
{ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُمْ مَّرْضَىٰ } [المزمل: 20].
ثانيتهما: أن يدخل الضمير على رب ويفسره التمييز نحو ربه رجلا.
وقيل: هو ضمير شأن وعليه أبو علي الفارسي، وهو مبني على مذهب الكوفيين، في جواز تفسير ضمير الشأن بغير الجملة إذا انتظم إسنادا معنويا ولا يجوز ذلك عند البصريين لاشتراطهم تفسير ضمير الشأن بجملة مصرح بجزأيها سالمة من حرف الجر.
وذهب ابن جرير إلى أنه عماد - وهو مصطلح كوفي فيما يسميه البصريون ضمير الفصل - وهو مبني أيضا على رأي الكوفيين في جواز تقديم العماد مع الخبر على المبتدأ، فيقال ما هو القائم زيد بدلا من ما زيد هو القائم، ولا يجوز ذلك عند البصريين لاشتراطهم أن يكون فاصلا بين المبتدأ والخبر سواء بقيا على أصلهما أو دخلتهما النواسخ كأنت في قوله تعالى:
{ كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ } [المائدة: 117]، ولذلك يسمونه فصلا.
وقوله: {وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} تذييل للآية بوصفه تعالى بعلم ما يعملون لأن البصير هنا بمعنى العليم، ومناسبته لما تقدم من حيث إن إنساء آجالهم الذي يطمحون إليه ليس مما يجديهم شيئا وإن فكروا في ذلك لتأخيره العذاب عنهم إذ هم فيما ينسأ لهم من الآجال لا يأتون إلا الفظائع، ولا يتزودون إلا الآثام، فيضاعف لهم العذاب يوم القيامة مضاعفتهم لما ارتكبوه من أسبابه، ففيه وعيد شديد وتحذير بالغ ضمن هذا الوصف له تعالى.
وقرئ تعلمون - بالتاء - على سبيل الالتفات والخروج من الغيبية إلى الخطاب.
و(ما) موصولة والعائد محذوف، أي يعملونه، وجُوِّز أن تكون مصدرية، أي بعملهم.