التفاسير

< >
عرض

مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ
٨٣
-هود

روح المعاني

{مُّسَوَّمَةً} أي عليها سيما يعلم بها أنها ليست من حجارة الأرض قاله ابن جريح، وقيل: معلمة ببياض وحمرة، وروي ذلك عن ابن عباس والحسن، وجاء في رواية أخرى عن ابن عباس أنه كان بعضها أسود فيه نقطة بيضاء وبعضها أبيض فيه نقطة سوداء. وعن الربيع أنها كانت معلمة باسم من يرمي بها، وكان بعضها كما قيل: مثل رؤوس الإبل وبعضها مثل مباركها وبعضها مثل قبضة الرجل {عِندَ رَبّكَ} أي في خزائنه التي لا يملكها غيره سبحانه ولا يتصرف بها سواه عز وجل، والظرف قيل: منصوب ـ بمسومة ـ أو متعلق بمحذوف وقع صفة له، والمروي عن مقاتل / أن المعنى أنها جاءت من عند ربك، وعن أبـي بكر الهذلي أنها معدة عنده سبحانه. وقال ابن الأنباري: المراد ألزم هذا التسويم للحجارة عنده تعالى إيذاناً بقدرته وشدة عذابه فليفهم.

{وَمَا هِيَ} أي الحجارة الموصوفة بما ذكر {مِنَ ٱلْظَّـٰلِمِينَ} من كل ظالم {بِبَعِيدٍ} فانهم بسبب ظلمهم مستحقون لها، وفيه وعيد لأهل الظلم كافة، وروي هذا عن الربيع. وأخرج ابن جرير وغيره عن قتادة أن المراد من الظالمين ظالمو هذه الأمة، وجاء في خبر ذكره الثعلبي، وقال فيه العراقي: لم أقف له على إسناد أنه صلى الله عليه وسلم سأل جبريل عليه السلام عن ذلك فقال: يعني ظالمي أمتك ما من ظالم منهم إلا وهو بعرض حجر يسقط عليه من ساعة إلى ساعة. وقيل: المراد بالظالمين قوم لوط عليه السلام، والمعنى لم تكن الحجارة لتخطئهم. وعن ابن عباس أن المعنى وما عقوبتهم ممن يعمل عملهم ببعيد، وظاهره أن الضمير للعقوبة المفهومة من الكلام، و {ٱلْظَّـٰلِمِينَ} من يشبههم من الناس، ويمكن أن يقال: إن مراده بيان حاصل المعنى لا مرجع الضمير. وذهب أبو حيان إلى أن الظاهر أن يكون ضمير {هِيَ} للقرى التي جعل عاليها سافلها والمراد من {ٱلْظَّـٰلِمِينَ} ظالمو مكة، وقد كانت قريبة إليهم يمرون عليها في أسفارهم إلى الشام. وتذكير ـ البعيد ـ يحتمل أن يكون على تأويل الحجارة بالحجر المراد به الجنس، أو إجرائه على موصوف مذكر أي بشيء بعيد، أو بمكان بعيد فإنها وإن كانت في السماء وهي في غاية البعد من الأرض إلا أنها إذا هوت منها فهي أسرع شيء لحوقاً بهم فكأنها بمكان قريب منهم، أو لأنه على زنة المصدر ـ كالزفير والصهيل ـ والمصادر يستوي في الوصف بها المذكر والمؤنث.