التفاسير

< >
عرض

يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُواْ فِي ٱلأَرْضِ أَوْ كَانُواْ غُزًّى لَّوْ كَانُواْ عِنْدَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ لِيَجْعَلَ ٱللَّهُ ذٰلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَٱللَّهُ يُحْيِـي وَيُمِيتُ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
١٥٦
-آل عمران

روح المعاني

{يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} وهم المنافقون كعبد الله بن أبـيّ وأصحابه قاله السدي ومجاهد ـ وإنما ذكر في صدر الجملة كفرهم تصريحاً بمباينة حالهم لحال المؤمنين وتنفيراً عن مماثلتهم وهم هم، وفيه دليل على أن الإيمان ليس عبارة عن مجرد الإقرار باللسان ـ كما يقوله الكرامية ـ وإلا لما سمي المنافق كافراً، وقيل: المراد بالذين كفروا سائر الكفار على العموم أي لا تكونوا كالكفرة في نفس الأمر {وَقَالُواْ لإِخْوٰنِهِمْ } في المذهب أو النسب، واللام تعليلية أي قالوا لأجلهم، وجعلها ابن الحاجب بمعنى عن، ولا يجوز أن يكون المراد مخاطبة الإِخوان كما هو المتبادر لدلالة ما بعد على أنهم كانوا غائبين حين هذا القول، وقول بعضهم: يصح أن يكون جعل القول لإخوانهم باعتبار البعض الحاضرين والضرب الآتي لضرب آخر تكلف لا حاجة إليه سوى كثرة الفضول.

{إِذَا ضَرَبُواْ فِى ٱلأَرْضِ } أي سافروا فيها لتجارة، أو طلب معاش فماتوا ـ قاله السدي ـ وأصل الضرب إيقاع شيء على شيء، واستعمل في السير لما فيه من ضرب الأرض بالرجل، ثم صار حقيقة فيه، وقيل: أصل الضرب في الأرض الإبعاد في السير وهو ممنوع وخص الأرض بالذكر لأن أكثر أسفارهم كان في البر، وقيل: اكتفى بذكر الأرض مراداً بها البر عن ذكر البحر، وقيل: المراد من الأرض ما يشمل البر والبحر وليس بالبعيد، وجىء ـ بإذا ـ وحق الكلام إذ كما قالوا لقالوا الدال بهيئته على الزمان المنافي للزمان الدالة عليه / {إِذَا } مراعاة لحكاية الحال الماضية، ومعنى ذلك أن تقدر نفسك كأنك موجود في ذلك الزمان الماضي أو تقدر ذلك الزمان كأنه موجود الآن وهذا كقولك: قالوا ذلك حين يضربون والمعنى حين ضربوا إلا أنك جئت بلفظ المضارع استحضاراً لصورة ضربهم في الأرض، واعترض بوجهين: الأول: أن حكاية الحال إنما تكون حيث يؤتى بصيغة الحال وهذه صيغة استقبال لأن معنى {إِذَا ضَرَبُواْ } حين يضربون فيما يستقبل، الثاني: أن قولهم: لو كانوا عندنا إنما هو بعد موتهم فكيف يتقيد بالضرب في الأرض. وأجيب عن الأول: بأن {إِذَا ضَرَبُواْ } في معنى الاستمرار كما في { وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } [البقرة: 14] فيفسد الاستحضار نظراً للحال، وعن الثاني: بأن {قَالُواْ لإِخْوٰنِهِمْ } في موقع جزاء الشرط من جهة المعنى فيكون المعنى لا تكونوا كالذين كفروا، وإذا ضرب إخوانهم فماتوا أو كانوا غزا فقتلوا قالوا لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا فالضرب والقتل كلاهما في معنى الاستقبال، وتقييد القول بالضرب إنما هو باعتبار الجزء الأخير وهو الموت، والقتل فإنه وإن لم يذكر لفظاً لدلالة ما في القول عليه فهو مراد معنى والمعتبر المقارنة عرفاً كما في قوله تعالى: { فَإِذَا أَفَضْتُم مّنْ عَرَفَـٰتٍ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ عِندَ ٱلْمَشْعَرِ ٱلْحَرَامِ } [البقرة: 198] وكقولك إذا طلع هلال المحرم: أتيتك في منتصفه. وقال الزجاج: {إِذَا } هنا تنوب عما مضى من الزمان وما يستقبل يعني أنها لمجرد الوقت أو لقصد الاستمرار والذي يقتضيه النظر الصائب أن لا يجعل {إِذَا ضَرَبُواْ } ظرفاً لقالوا بل ظرف لما يحصل للأَخوان حين يقال لأجلهم وفي حقهم ذلك كأنه قيل: قالوا لأجل الأحوال العارضة للأخوان إذا ضربوا بمعنى حين كانوا يضربون قاله العلامة الثاني، وأنت تعلم أن تجريد {إِذَا } عن معنى الاستقبال وجعلها بمعنى الوقت مطلقاً كاف في توجيه الآية مزيل لإشكالها، وقصد الاستمرار منها لا يدفع الاعتراض عن ذلك التوجيه لأنها إذا كانت للاستمرار تشمل الماضي فلا تكون لحكاية الحال وكذا إذا كان قالوا جواباً إذ يصير مستقبلاً فلا تتأتى فيه الحكاية المذكورة أيضاً ويرد على ما اقتضاه النظر الصائب أن دون إثبات صحة مثله في العربية خرط القتاد، وأقعد منه ـ وإن كان بعيداً ـ ما قاله أبو حيان من أنه ((يمكن إقرار {إِذَا } على [ما استقر لها من] الاستقبال بأن يقدر العامل فيها مضاف مستقبل [محذوف] على أن ضمير {لَّوْ كَانُواْ } عائداً على إخوانهم لفظاً (لا) معنى على حد عندي درهم ونصفه، والتقدير وقالوا مخافة هلاك إخوانهم إذا ضربوا أو كانوا غزاً لو كانوا أي إخواننا الآخرون الذين تقدم موتهم وقتلهم عندنا ما ماتوا وما قتلوا فتكون هذه المقالة تثبيطاً لإخوانهم الباقين عن السفر والغزو لئلا يصيبهم ما أصاب الأولين)) وإنما لم يحملوا {إِذَا } هنا على الحال كما قيل بحملها عليه بعد القسم نحو { وَٱلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ } [الليل: 1] لتصفو لهم دعوى حكاية الحال عن الكدر لأن ذلك غير مسلم عند المحققين هناك فقد صححوا فيه بقاءها على الاستقبال من غير محذور، وجوز في الآية كون قالوا بمعنى يقولون؛ وقد جاء في كلامهم استعمال الماضي بمعنى المستقبل ومنه قوله:

وإني لآتيكم تشكر ما مضى من الأمر واستيجاب ما كان في غد

وكذا جوز بقاؤه على معناه وحمل {إِذَا } على الماضي فإنها تجىء له كما جاءت إذ للمستقبل في قول البعض وذلك كقوله تعالى: { وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَـارَةً أَوْ لَهْواً ٱنفَضُّواْ إِلَيْهَا } [الجمعة: 11]، وقوله:

وندمان يزيد الكاس طيباً سقيت إذا تغورت النجوم

وحينئذٍ لا منافاة بين زماني القيد والمقيد فتدبر ذلك كله.

والجملة المعينة لوجه الشبه والمماثلة التي نهوا عنها هي الجملة المعطوفة على جملة الصلة والمعنى لا تتشبهوا بالكفار في قولهم لإخوانهم إذا سافروا {أَوْ كَانُواْ غُزًّى } / جمع غاز كعاف وعفى وهو من نوادر الجمع في المعتل، واستشهد عليه بعضهم بقول امرىء القيس:

ومغبرة الآفاق خاشعة الصوى لها قلب (عفى) الحياض أجون

ويجمع على غزاة كقاض وقضاة، وعلى غزى مثل حاج وحجيج وقاطن وقطين، وعلى غزاء مثل فاسق وفساق، وأنشدوا له قول تأبط شراً:

فيوماً (بغزاء) ويوماً بسرية ويوماً بخشخاش من الرجل هيضل

وعلى غازون مثل ضارب وضاربون، وهو منصوب بفتحة مقدرة على الألف المنقلبة عن الواو المحذوفة لالتقاء الساكنين إذ أصله غزوا تحركت الواو وانفتح ما قبلها فقلبت ألفاً ثم حذفت، وقرىء بتخفيف الزاي قال أبو البقاء: وفيه وجهان، الأول: أن أصله غزاة فحذفت الهاء تخفيفاً لأن التاء دليل الجمع، وقد حصل من نفس الصيغة. والثاني: إنه أريد قراءة الجمهور فحذفت إحدى الزاءين كراهية التضعيف وذكر هذا الشق مع دخوله فيما قبله لأنه المقصود في المقام وما قبله توطئة له على أنه قيل: قد يوجد بدون الضرب في الأرض بناءاً على أن المراد به السفر البعيد فبين الضرب على هذا وكونهم غزاة عموم من وجه وإنما لم يقل أو غزواً للإيذان باستمرار اتصافهم بعنوان كونهم غزاة أو لانقضاء ذلك أي كانوا غزاة فيما مضى.

{لَّوْ كَانُواْ} مقيمين {عندَنَا} بأن لم يسافروا أو يغزوا {مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ } بل كانوا يبقون زيادة على ما بقوا، والجملة الامتناعية في محل النصب مفعول لقالوا ودليل على أن في الكلام السابق مضمراً قد حذف أي إذا ضربوا في الأرض فماتوا {أَوْ كَانُواْ غُزًّى} فقتلوا، وتقدير فماتوا أو قتلوا في كل من الشقين خلاف الظاهر { لِيَجْعَلَ ٱللَّهُ ذٰلِكَ حَسْرَةً فِى قُلُوبِهِمْ } متعلق بقالوا داخل في حيز الصلة ومن جملة المشبه به، والإشارة إلى القول لكن باعتبار ما فيه من الاعتقاد واللام لام العاقبة والمعنى لا تكونوا مثلهم في القول الباطل والمعتقد الفاسد المؤديين إلى الحسرة والندامة والدمار في العاقبة، وإلى هذا يشير كلام الزجاج وأبـي علي، وقيل: متعلق ـ بلا تكونوا ـ على أنه علة للنهي فهو خارج عن جملة المشبه به لكن القول والمعتقد داخلان فيه أي لا تكونوا مثلهم في النطق بذلك القول واعتقاده ليجعل انتفاء كونكم معهم في ذلك القول والاعتقاد حسرة في قلوبهم خاصة، واعترضه أبو حيان ((بأنه قول لا تحقيق فيه لأن جعل الحسرة لا يكون سبباً للنهي إنما يكون سبباً لحصول امتثال النهي وهو انتفاء المماثلة فحصول ذلك الانتفاء والمخالفة فيما يقولون ويعتقدون يحصل عنه ما يغيظهم ويغمهم إذ لم يوافقوهم فيما قالوه واعتقدوه (فيترك الضرب في الأرض والغزو)، وكأن القائل التبس عليه استدعاء انتفاء المماثلة بحصول الانتفاء وفهم هذا فيه خفاء ودقة)).

وتعقبه السفاقسي بأنه يلزم على هذا الاعتراض أن لا يجوز نحو لا تعص لتدخل الجنة لأن النهي ليس سبباً لدخول الجنة، وكذا لا يجوز أطع الله تعالى لتدخل الجنة لأن الأمر ليس سبباً لدخولها، ثم قال: والحق أن اللام تتعلق بالفعل المنهي عنه والمأمور به على معنى أن الكف عن الفعل أو الفعل المأمور به سبب لدخول الجنة ونحوه وهذا لا إشكال فيه، وقيل: متعلق ـ بلا تكونوا ـ والإشارة إلى ما دل عليه النهي والكل خارج عن المشبه به والمعنى لا تكونوا مثلهم ليجعل الله انتفاء كونكم مثلهم حسرة في قلوبهم وعلى هذا يكون وقالوا ابتداء كلام معطوفاً على مقدرات شتى كما يقتضيه أقوال المنافقين وأحوالهم وأفعالهم، ووجه اتصاله بما قبله أنه لما وقع التنبيه على عدم الكون مثلهم عم جميع ما يتصل بهم من الرذائل وخص المذكور لكونه أشنع وأبين لنفاقهم أي أنهم أعداء الدين / لم يقصروا في المضارة والمضادة بل فعلوا كيت وكيت وقالوا كذا وكذا، ومن هذا يعلم ما في تلك المقدرات، وعلى كل من الأوجه الثلاثة يكون الضمير المجرور في قلوبهم عائداً إلى الكافرين، وذكر القلوب مع أن الحسرة لا تكون إلا فيها لإرادة التمكن والإيذان بعدم الزوال. وجوز ابن تمجيد رجوع الضمير إلى المؤمنين واللام متعلقة ـ بقالوا ـ حينئذٍ لا غير، ووجه الآية بما يقضي منه العجب.

{وَٱللَّهُ يُحْيىِ وَيُمِيتُ } ردّ لقولهم الباطل إثر بيان غائلته أي والله هو المؤثر الحقيقي في الحياة والممات وحده لا الإقامة أو السفر فإنه تعالى قد يحيـي المسافر والغازي مع اقتحامهما موارد الحتوف ويميت المقيم والقاعد وإن كانا تحت ظلال النعيم، وليس المراد أنه تعالى يوجد الحياة والممات وإن كان هو الظاهر لأن الكلام ليس فيه ولا يحصل به الرد وإنما الكلام في إحداث ما يؤثرهما، وقيل: المراد أنه تعالى يحيـي ويميت في السفر والحضر عند حضور الأجل ولا مؤخر لما قدم ولا مقدم لما أخر، ولا راد لما قضى ولا محيص عما قدر، وفيه منع المؤمنين عن التخلف في الجهاد لخشية القتل والواو للحال فلا يرد أنه لا يصح عطف الإخبار على الإنشاء.

{وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } ترغيب في الطاعة وترهيب عن المعصية أو تهديد للمؤمنين على أن يماثلوا الكفار لأن رؤية الله تعالى كعلمه تستعمل في القرآن للمجازاة على المرئي كالمعلوم، والمؤمنون وإن لم يماثلوهم فيما ذكر لكن ندمهم على الخروج من المدينة يقتضيه، وقرأ ابن كثير وأهل الكوفة ـ غير عاصم ـ يعملون بالياء، وضمير الجمع حينئذٍ للكفار، والعمل عام متناول للقول المذكور ولمنشئه الذي هو الاعتقاد الفاسد ولما ترتب على ذلك من الأعمال ولذلك تعرض لعنوان البصر لا لعنوان السمع؛ وإظهار الاسم الجليل لما مر غير مرة وكذا تقديم الظرف.

هذا ومن باب الإشارة: {وَكَأَيّن } وكم {مّن نَّبِىٍّ } مرتفع القدر جليل الشأن وهو في الأنفس الروح القدسية {قَاتَلَ مَعَهُ } عدو الله تعالى أعني النفس الأمارة {رِبّيُّونَ } متخلقون بأخلاق الرب وهم القوى الروحانية {فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } وطريق الوصول إليه من تعب المجاهدات {وَمَا ضَعُفُواْ } في طلب الحق {وَمَا ٱسْتَكَانُواْ } وما خضعوا للسوي { وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّـابِرِينَ } [آل عمران: 146] على مقاساة الشدائد في جهاد النفس {وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا } استر لنا وجوداتنا بإفاضة أنوار الوجود الحقيقي علينا {وَإِسْرَافَنَا فِى أَمْرِنَا } أي تجاوزنا حدود ظاهر الشريعة عند صدمات التجليات {وَثَبّتْ أَقْدَامَنَا } في مواطن حروب أنفسنا {وَٱنصُرْنَا } بتأييدك وإمدادك { عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ } [آل عمران: 147] الساترين لربوبيتك {فَـآَتَـٰهُمُ ٱللَّهُ } بسبب دعائهم بألسنة الاستعدادات والانقطاع إليه تعالى {ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا } وهو مرتبة توحيد الأفعال وتوحيد الصفات {وَحُسْنَ ثَوَابِ ٱلأَْخِرَةِ } وهو مقام توحيد الذات { وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ } [آل عمران: 148] في الطلب الذين لا يلتفتون إلى الأغيار { يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ } الإيمان الحقيقي {إِن تُطِيعُواْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } وهم النفوس الكافرة وصفاتها {يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰ أَعْقَـٰبِكُمْ } إلى أسفل سافلين وهو سجين البهيمية {فَتَنقَلِبُواْ } ترجعوا القهقرى { خَـٰسِرِينَ } [آل عمران: 149] أنفسكم {بَلِ ٱللَّهُ مَوْلَـٰكُمْ } ناصركم { وَهُوَ خَيْرُ ٱلنَّـاصِرِينَ } [آل عمران: 150] لمن عول عليه وقطع نظره عمن سواه {سَنُلْقِى فِى قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ } أي الخوف {بِمَا أَشْرَكُواْ } أي بسبب إشراكهم {بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ } أي بوجوده {سُلْطَـٰناً } أي حجة إذ لا حجة على وجوده حتى ينزلها لتحقق عدمه بحسب ذاته، وجعل سبحانه إلقاء الرعب في قلوبهم مسبباً عن شركهم / لأن الشجاعة وسائر الفضائل اعتدالات في قوى النفس عند تنورها بنور القلب المنور بنور التوحيد فلا تكون تامة حقيقية إلا للموحد الموقن، وأما المشرك فمحجوب عن منبع القوة بما أشرك ما لا وجود ولا ذات في الحقيقة له فهو ضعيف عاذ بقرملة {وَمَأْوَاهُمُ ٱلنَّارُ } وهي نار الحرمان { وَبِئْسَ مَثْوَىٰ ٱلظَّـالِمِينَ } [آل عمران: 151] الذين وضعوا الشيء في غير موضعه وعبدوا أسماء سموها ما أنزل الله تعالى بها من كتاب {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ } المشروط بالصبر والتقوى {إِذْ تَحُسُّونَهُمْ } أي تقتلون جنود الصفات البشرية قتلاً ذريعاً {بِإِذْنِهِ } وأمره لا على وفق الطبع {حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ } جبنتم عند تجلي الجلال {وَتَنَـٰزَعْتُمْ فِى ٱلأَْمْرِ } وخالفتم في أمر الطلب {وَعَصَيْتُمْ } المرشد المربـي {مّن بَعْدِ مَا أَرَٰكُمْ مَّا تُحِبُّونَ } من الفوز بأنوار الحضرة {مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا } لقصور همته وضعف رأيه {وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلأَْخِرَةَ } لطول باعه وقوة عقله {ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ } أي عن أعداء نفوسكم وجنودها {لِيَبْتَلِيَكُمْ } أي يمتحنكم بالستر بعد التجلي بأنوار المشاهدات والصحو بعد السكر بأقداح الواردات والفطام بعد إرضاع ألبان الملاطفات كما يقتضي ذلك الجلال {وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ } بعد ذلك فانقطعتم إليه كما هو مقتضى الجمال {وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ} عظيم { عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ } [آل عمران: 152]، في طوري التقريب والإبعاد، وما ألطف قول من قال:

فقسا ليزدجروا ومن يك حازماً فليقس أحياناً على من يرحم

{إِذْ تُصْعِدُونَ } في جبل التوجه إلى الحق {وَلاَ تَلْوُونَ } أي لا تلتفتون {عَلَىٰ أَحَدٍ } من الأمرين الدنيا والآخرة {وَٱلرَّسُولُ } أي رسول الواردات {يَدْعُوكُمْ } إليّ عباد الله إليّ عباد الله {فَأَثَـٰبَكُمْ غَمّاً بِغَمّ } فجازاكم بدل غم الدنيا والآخرة بغم طلب الحق {لّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ } من زخارف الدنيا {وَلاَ مَا أَصَـابَكُمْ } من صدمات تجلي القهر { وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } [آل عمران: 153] لأنه سبحانه أقرب إليكم منكم {ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مّن بَعْدِ ٱلْغَمّ أَمَنَةً نُّعَاساً } أي وارداً من ألطافه ظهر في صورة النعاس وهو السكينة الرحمانية {يَغْشَىٰ طَائِفَةً مّنْكُمْ } وهم الصادقون في الطلب {وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ } وهم أرباب النفوس فإنهم لا هم لهم سوى حظ نفوسهم واستيفاء لذاتها {يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقّ } بمقتضى سوء استعدادهم {يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ ٱلأْمْرِ مِن شَىْء } أي إن الخلق حالوا بيننا وبين التدبير ولو لم يحولوا لفعلنا ما به صلاحنا {قُلْ إِنَّ ٱلأَْمْرَ كُلَّهُ للَّهِ } فهو المتصرف وحده حسبما يقتضيه الاستعداد فلا تدبير مع تدبيره ولا وجود لأحد سواه {يُخْفُونَ فِى أَنْفُسِهِم } الخبيثة {مَّا لاَ يُبْدُونَ } بزعمهم لك أيها المرشد الكامل {يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلأَْمْرِ شَىْء مَّا قُتِلْنَا } بسيف الشهوات {هَـٰهُنَا } أي في هذه النشأة {قُل لَّوْ كُنتُمْ فِى بُيُوتِكُمْ } وهي منازل العدم الأصلي قبل ظهور هذه التعينات {لَبَرَزَ } على حسب العلم {ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ } في لوح الأزل { إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ } [آل عمران: 154] وهي بيداء الشهوات، فقد قال سبحانه: { مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِى ٱلأَرْضِ وَلاَ فِى أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِى كِتَـٰبٍ مّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا } [الحديد: 22] أي نظهرها بهذا التعين، وإنما فعل سبحانه ما فعل لحكم شتى {وَلِيَبْتَلِيَ ٱللَّهُ} تعالى {مَا فِى صُدُورِكُمْ } أي ليمتحن ما في استعدادكم من الصدق والإخلاص والتوكل ونحو ذلك من الأخلاق ويخرجها من القوة إلى الفعل {وَلِيُمَحّصَ مَا فِى قُلُوبِكُمْ } أي يخلص ما برز من مكمن الصدر إلى مخزن القلب من غش الوساوس وخواطر النفس فإن البلاء سوط يسوق الله تعالى به عباده إليه، ولهذا ورد "أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل" ولله تعالى در من قال:

لله در النائبات فإنها صدأ اللئام وصيقل الأحرار
ما كنت إلا زبرة فطبعنني سيفاً وأطلع صرفهن غراري

/ وذلك لأنهم حينئذٍ ينقطعون إلى الحق ولا يظهر على كل منهم إلا ما في مكمن استعداده كما قيل: عند الامتحان يكرم الرجل أو يهان، والخطاب في كلا الموضعين للمؤمنين، وقيل: إن الخطاب الأول: للمنافقين، والثاني: للمؤمنين وأنه سبحانه إنما خص الصدور بالأولين لأن الصدر معدن الغل والوسوسة فهو أوفق بحال المنافقين، وخص القلوب بالآخرين لأن القلب مقر الإيمان والاطمئنان وهو أوفق بحال المؤمنين وأن نسبة الإسلام باللسان إلى الإيمان بالجنان كنسبة الصدر إلى القلب قيل: ولهذا قال سبحانه: { وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ } [آل عمران: 154] بناءاً على أن المراد به الترهيب والتحذير عن الاتصال بما لا يرضى من تلك الصفات التي يكون الصدر مكمناً لها {إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ } جمع الروح وقواها وجمع النفس وقواها {إِنَّمَا ٱسْتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ } من الذنوب لأنها تورث الظلمة والشيطان لا مجال له على ابن آدم بالتزيين والوسوسة إلا إذا وجد ظلمة في القلب، ولك أن تبقي الجمعين على ظاهرهما وباقي الإشارة بحاله {وَلَقَدْ عَفَا ٱللَّهُ عَنْهُمْ } حين استنارت قلوبهم بنور الندم والتوبة { أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ } [آل عمران: 155] وبمقتضى ذلك ظهرت المخالفات وأردفت بالتوبة ليكون ذلك مرآة لظهور صفات الله تعالى. ومن هنا جاء "لو لم تذنبوا لأتى الله تعالى بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم" . وحكي أن إبراهيم بن أدهم رضي الله تعالى عنه أكثر ليلة في الطواف من قوله: اللهم اعصمني من الذنوب فسمع هاتفاً من قلبه يقول يا إبراهيم أنت تسأله العصمة وكل عباده يسألونه العصمة فإذا عصمكم على من يتفضل وعلى من يتكرم {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } برؤية الأغيار واعتقاد تأثير السوي، {وَقَالْوا} لأجل إخوانهم إذا ضربوا في الأرض إذا فارقوهم بترك ما هم عليه وسافروا في أرض نفوسهم وسلكوا سبيل الرشاد {أَوْ كَانُواْ غُزًّى} أي مجاهدين مع أعدى أعدائهم وهي نفوسهم التي بين جنوبهم وقواها وجنودها من الهوى والشيطان { لَّوْ كَانُواْ } مقيمين {عِنْدَنَا } موافقين لنا {مَا مَاتُواْ } بمقاساة الرياضة {وَمَا قُتِلُواْ } بسيف المجاهدة، ولاستراحوا من هذا النصب {لِيَجْعَلَ ٱللَّهُ ذٰلِكَ } أي عدم الكون مثلهم {حَسْرَةً } يوم القيامة {فِى قُلُوبِهِمْ } حين يرون ما أعد الله تعالى لكم {وَٱللَّهُ يُحْيىِ } من يشاء بالحياة الأبدية {وَيُمِيتُ } من يشاء بموت الجهل والبعد عن الحضرة {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } [آل عمران: 156] تحذير عن الميل إلى قول المنكرين واعتقادهم.