التفاسير

< >
عرض

وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ٱلْقُرَى ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا ٱلسَّيْرَ سِيرُواْ فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ
١٨
-سبأ

روح المعاني

{وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ٱلْقُرَى ٱلَّتِى بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَـٰهِرَةً } إلى آخره عطف بمجموعه على مجموع ما قبله عطف القصة على القصة وهو حكاية لما أوتوا من النعم في مسايرهم ومتاجرهم وما فعلوا بها من الكفران وما حاق بهم بسبب ذلك وما قبل كان حكاية لما أوتوا من النعم في مساكنهم ومحل إقامتهم وما فعلوا بها وما فعل بهم، والمراد بالقرى التي بورك فيها قرى الشام وذلك بكثرة أشجارها وأثمارها والتوسعة على أهلها وعن ابن عباس هي قرى بيت المقدس وعن مجاهد هي السراوية وعن وهب قرى صنعاء، وقال ابن جبير: قرب مأرب والمعول عليه الأول حتى قال ابن عطية إن إجماع المفسرين عليه.

ومعنى {ظَـٰهِرَةً } على ما روي عن قتادة متواصلة يقرب بعضها من بعض بحيث يظهر لمن في بعضها ما في مقابلته من الأخرى وهذا يقتضي القرب الشديد لكن سيأتي قريباً إن شاء الله تعالى ما قيل في مقدار ما بين كل قريتين وقال المبرد ظاهرة مرتفعة أي على الآكام والظراب وهي أشرف القرى؛ وقيل ظاهرة معروفة يقال هذا أمر ظاهر أي معروف وتعرف القرية لحسنها ورعاية أهلها المارين عليها، وقيل: ظاهرة موضوعة على الطرق ليسهل سير السابلة فيها. وقال ابن عطية: الذي يظهر لي أن معنى {ظَـٰهِرَةً } خارجة عن المدن فهي عبارة عن القرى الصغار التي في ظواهر المدن كأنه فصل بهذه الصفة بين القرى الصغار وبين القرى المطلقة التي هي المدن، وظواهر المدن ما خرج عنها في الفيافي ومنه قولهم نزلنا بظاهر البلد الفلاني أي خارجاً عنه، ومنه قول الشاعر:

فلو شهدتني من قريش عصابة قريش البطاح لا قريش الظواهر

يعني أن الخارجين من بطحاء مكة، ويقال للساكنين خارج البلد أهل الضواحي وأهل البوادي أيضاً.

/ {وَقَدَّرْنَا فِيهَا ٱلسَّيْرَ } أي جعلنا نسبة بعضها إلى بعض على مقدار معين من السير، قيل من سار من قرية صباحاً وصل إلى أخرى وقت الظهيرة والقيلولة ومن سار بعد الظهر وصل إلى أخرى عند الغروب فلا يحتاج لحمل زاد ولا مبيت في أرض خالية ولا يخاف من عدو ونحوه، وقيل: كان بين كل قريتين ميل، وقال الضحاك: مقادير المراحل كانت القرى على مقاديرها وهذا هو الأوفق بعنى {ظَـٰهِرَةً } على ما سمعت عن قتادة وكذا بقوله سبحانه: {سِيرُواْ فِيهَا } فإنه مؤذن بشدة القرب حتى كأنهم لم يخرجوا من نفس القرى، والظاهر أن {سِيرُواْ } أمر منه عز وجل على لسان نبـي أو نحوه وهو بتقدير القول أي قلنا لهم سيروا في تلك القرى {لَيَالِىَ وَأَيَّاماً } أي متى شئتم من ليل ونهار {ءامِنِينَ } من كل ما تكرهونه لا يختلف الأمن فيها باختلاف الأوقات، وقدم الليالي لأنها مظنة الخوف من مغتال وإن قيل الليل أخفى للويل أو لأنها سابقة على الأيام أو قلنا سيروا فيها آمنين وإن تطاولت مدة سفركم وامتدت ليالي وأياماً كثيرة، قال قتادة: كانوا يسيروا مسيرة أربعة أشهر في أمان ولو وجد الرجل قاتل أبيه لم يهجه أو سيروا فيها لياليكم وأيامكم أي مدة أعماركم لا تلقون فيها ألا الأمن، وقدمت الليالي لسبقها. وأياً ما كان فقد علم فائدة ذكر الليالي والأيام وإن كان السير لا يخلو عنهما، وجوز أن لا يكون هناك قول حقيقة وإنما نزل تمكينهم من السير المذكور وتسوية مباديه وأسبابه منزلة القول لهم وأمرهم بذلك والأمر على الوجهين للإباحة.