التفاسير

< >
عرض

وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ ٱلأَمْنِ أَوِ ٱلْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ ٱلشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً
٨٣
-النساء

روح المعاني

{وَإِذَا جَآءَهُمْ} أي المنافقين ـ كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما والضحاك وأبـي معاذ ـ أو ضعفاء المسلمين ـ كما روي عن الحسن وذهب إليه غالب المفسرين ـ أو الطائفتين كما نقله ابن عطية ـ {أَمْرٌ مّنَ ٱلأَمْنِ أَوِ ٱلْخَوْفِ} أي مما يوجب الأمن والخوف {أَذَاعُواْ بِهِ} أي أفشوه، والباء مزيدة، وفي «الكشاف» «يقال: أذاع السر وأذاع به، ويجوز أن يكون المعنى فعلوا به الإذاعة وهو / أبلغ من أذاعوه» لدلالته على أنه يفعل نفس الحقيقة كما في نحو ـ فلان يعطي ويمنع ـ ولما فيه من الإبهام والتفسير وقيل: الباء لتضمن الإذاعة معنى التحديث وجعلها بمعنى مع والضمير للمجيء مما لا ينبغي تخريج كلام الله تعالى الجليل عليه. والكلام مسوق لبيان جناية أخرى من جنايات المنافقين، أو لبيان جناية الضعفاء إثر بيان جناية المنافقين وذلك أنه إذا غزت سرية من المسلمين خبر الناس عنها فقالوا: أصاب المسلمون من عدوهم كذا وكذا، وأصاب العدو من المسلمين كذا وكذا فأفشوه بينهم من غير أن يكون النبـي صلى الله عليه وسلم هو الذي يخبرهم به، ولا يكاد يخلو ذلك عن مفسدة، وقيل: كانوا يقفون من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأولي الأمر على أمن ووثوق بالظهور على بعض الأعداء، أو على خوف فيذيعونه فينشر فيبلغ الأعداء فتعود الإذاعة مفسدة، وقيل: الضعفاء يسمعون من أفواه المنافقين شيئاً من الخبر عن السرايا مظنون غير معلوم الصحة فيذيعونه قبل أن يحققوه فيعود ذلك وبالاً على المؤمنين، وفيه إنكار على من يحدث بالشيء قبل تحقيقه، وقد أخرج مسلم عن أبـي هريرة مرفوعاً "كفى بالمرء إثماً أن يحدث بكل ما سمع" والجملة عند صاحب «الكشف» معطوفة على قوله تعالى: { وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ } [النساء: 81]، وقوله سبحانه: { أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ } [النساء: 82] اعتراض تحذيراً لهم عن الإضمار لما يخالف الظاهر، فإن في تدبر القرآن جاراً إلى طاعة المنزل عليه أي جار، وقيل: الكلام مسوق لدفع ما عسى أن يتوهم في بعض المواد من شائبة الاختلاف بناءاً على عدم فهم المراد ببيان أن ذلك لعدم وقوفهم على معنى الكلام لا لتخلف مدلوله عنه، وذلك أن ناساً من ضعفة المسلمين الذين لا خبرة لهم بالأحوال كانوا إذا أخبرهم النبـي صلى الله عليه وسلم بما أوحي إليه من وعد بالظفر أو تخويف من الكفرة يذيعونه من غير فهم لمعناه ولا ضبط لفحواه على حسب ما كانوا يفهمونه ويحملونه عليه من المحامل، وعلى تقدير الفهم قد يكون ذلك مشروطاً بأمور تفوت بالإذاعة فلا يظهر أثره المتوقع فيكون ذلك منشأ لتوهم الاختلاف ـ ولا يخلو عن حسن ـ غير أن روايات السلف على خلافه، وأياً مّا كان فقد نعى الله تعالى ذلك عليهم.

وقال سبحانه: {وَلَوْ رَدُّوهُ} أي ذلك الأمر الذي جاءهم {إِلَى ٱلرَّسُولِ} صلى الله عليه وسلم {وَإِلَىٰ أُوْلِى ٱلأَمْرِ مِنْهُمْ} وهم كبائر الصحابة رضي الله تعالى عنهم البصراء في الأمور، وهو الذي ذهب إليه الحسن وقتادة وخلق كثير. وقال السدي وابن زيد وأبو علي الجبائي: المراد بهم أمراء السرايا والولاة، وعلى الأول: المعول {لَعَلِمَهُ} أي لعلم تدبير ذلك الأمر الذي أخبروا به {ٱلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} أي يستخرجون تدبيره بفطنتهم وتجاربهم ومعرفتهم بأمور الحرب ومكايده، أو لو ردوه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ومن ذكر، وفوضوه إليهم وكانوا كأن لم يسمعوا لعلم الذي يستنبطون تدبيره كيف يدبرونه وما يأتون وما يذرون، أو: لو ردوه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وإلى كبار أصحابه رضي الله تعالى عنهم وقالوا نسكت حتى نسمعه منهم ونعلمه هل مما يذاع أو لا يذاع لعلم صحته، وهل هو مما يذاع أو لا هؤلاء المذيعون وهم الذين يستنبطونه من الرسول وأولي الأمر أي يتلقونه منهم ويستخرجون علمه من جهتهم، أو لو عرضوه على رأيه عليه الصلاة والسلام مستكشفين لمعناه وما ينبغي له من التدبير، وإلى أجلة صحبه رضي الله تعالى عنهم لعلم الرادون معناه وتدبيره وهم الذين يستنبطونه ويستخرجون علمه وتدبيره من جهة الرسول عليه الصلاة والسلام، ومن تشرف بالعطف عليه، والتعبير بالرسالة لما أنها من موجبات الرد. وكلمة ـ من ـ إما ابتدائية والظرف لغو متعلق بيستنبطونه، وإما تبعيضية أو بيانية تجريدية والظرف حال، ووضع / الموصول موضع الضمير في الاحتمالين الأخيرين للإيذان بأنه ينبغي أن يكون القصد بالرد استكشاف المعنى واستيضاح الفحوى، والاستنباط في الأصل استخراج الشيء من مأخذه ـ كالماء من البئر والجوهر من المعدن ـ ويقال للمستخرج: نبط بالتحريك ثم تجوز به فأطلق على كل أخذ وتلق.

{وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ} خطاب للطائفة المذكورة آنفاً بناءاً على أنهم ضعفة المؤمنين على طريقة الالتفات، والمراد من الفضل والرحمة شيء واحد أي لولا فضله سبحانه عليكم ورحمته بإرشادكم إلى سبيل الرشاد الذي هو الرد إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وإلى أولي الأمر {لاَتَّبَعْتُمُ ٱلشَّيْطَـٰنَ} وعملتم بآرائكم الضعيفة، أو أخذتم بآراء المنافقين فيما تأتون وتذرون ولم تهتدوا إلى (صوب) الصواب {إِلاَّ قَلِيلاً} وهم أولو الأمر المستنيرة عقولهم بأنوار الإيمان الراسخ، الواقفون على الأسرار الراسخون في معرفة الأحكام بواسطة الاقتباس من مشكاة النبوة، فالاستثناء منقطع أو الخطاب للناس أي: ولولا فضل الله تعالى بالنبـي صلى الله عليه وسلم ورحمته بإنزال القرآن ـ كما فسرهما بذلك السدي والضحاك ـ وهو اختيار الجبائي، ولا يبعد العكس لاتبعتم كلكم الشيطان وبقيتم على الكفر والضلالة إلا قليلاً منكم قد تفضل عليه بعقل راجح فاهتدى به إلى طريق الحق، وسلم من مهاوي الضلالة وعصم من متابعة الشيطان من غير إرسال الرسول عليه الصلاة والسلام وإنزال الكتاب ـ كقس بن ساعدة الأيادي وزيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل وأضرابهم ـ فالاستثناء متصل، وإلى ذلك ذهب الأنباري. وقال أبو مسلم: المراد بفضل الله تعالى ورحمته النصرة والمعونة مرة بعد أخرى، والمعنى لولا حصول النصر والظفر لكم على سبيل التتابع لاتبعتم الشيطان فيما يلقي إليكم من الوساوس والخواطر الفاسدة المؤدية إلى الجبن والفشل والركون إلى الضلال وترك الدين إلا قليلاً وهم أهل البصائر النافذة، والعزائم المتمكنة والنيات الخالصة من أفاضل المؤمنين الذين يعلمون أنه ليس من شرط كون الدين حقاً حصول الدولة في الدنيا، أو باطلاً حصول الانكسار والانهزام، بل مدار الأمر في كونه حقاً وباطلاً على الدليل، ولا يرد أنه يلزم من جعل الاستثناء من الجملة التي وليها جواز أن ينتقل الإنسان من الكفر إلى الايمان، ومن اتباع الشيطان إلى عصيانه وخزيه، وليس لله تعالى عليه في ذلك فضل ومعاذ الله تعالى أن يعتقد هذا مسلم موحد سنياً كان أو معتزلياً، وذلك لأن لولا حرف امتناع لوجود، وقد أنبأت أن امتناع اتباع المؤمنين للشيطان في الكفر وغيره إنما كان بوجود فضل الله تعالى عليهم، فالفضل هو السبب المانع من اتباع الشيطان فإذا جعل الاستثناء مما ذكر فقد سلبت تأثير فضل الله تعالى في امتناع الاتباع عن البعض المستثنى ضرورة، وجعلهم مستبدين بالإيمان وعصيان الشيطان الداعي إلى الكفر بأنفسهم لا بفضل الله تعالى، ألا تراك إذا قلت لمن تذكره بحقك عليه: لولا مساعدتي لك لسلبت أموالك إلا قليلاً كيف لم تجعل لمساعدتك أثراً في بقاء القليل للمخاطب، وإنما مننت عليه في تأثير مساعدتك في بقاء أكثر ماله لا في كله، لأنا نقول هذا إذا عم الفضل لا إذا خص كما أشرنا إليه لأن عدم الاتباع إذا لم يكن بهذا الفضل المخصوص لا ينافي أن يكون بفضل آخر، نعم ظاهر عبارة «الكشاف» في هذا المقام مشكل حيث جعل الاستثناء من الجملة الأخيرة، وزاد التوفيق في البيان، ويمكن أن يقال أيضاً: أراد به توفيقاً خاصاً نشأ مما قبله، وهذا أولى من الإطلاق ودفع الإشكال بأن عدم الفضل والرحمة على الجميع لا يلزم منه العدم على / البعض لما فيه من التكلف، وذهب بعضهم للتخلص من الإيراد إلى أن الاستثناء من قوله تعالى: {أَذَاعُواْ بِهِ}، وروي ذلك عن ابن عباس ـ وهو اختيار المبرد والكسائي والفراء والبلخي والطبري ـ واتخذ القاضي أبو بكر الآية دليلاً في الرد على من جزم بعود الاستثناء عند تعدد الجمل إلى الأخيرة. وعن بعض أهل اللغة أن الاستثناء من قوله سبحانه: { لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلَـٰفاً كَثِيراً } [النساء: 82] وعن أكثرهم أنه من قوله تعالى: {لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ} واعترضه الفراء والمبرد بأن ما يعلم بالاستنباط فالأقل يعلمه والأكثر يجهله، وصرف الاستثناء إلى ما ذكروه يقتضي ضد ذلك، وتعقب ذلك الزجاج بأنه غلط لأنه لا يراد بهذا الاستنباط ما يستخرج بنظر دقيق وفكر غامض إنما هو استنباط خبر؛ وإذا كان كذلك فالأكثرون يعرفونه ولا يجهله إلا البالغ في البلادة ـ وفيه نظر ـ وبعضهم إلى جعل الاستثناء مفرغاً من المصدر فما بعد {إِلا} منصوب على أنه مفعول مطلق أي لاتبعتموه كل اتباع إلا اتباعاً قليلاً بأن تبقوا على إجراء الكفر وآثاره إلا البقاء القليل النادر بالنسبة إلى البعض، وذلك قد يكون بمجرد الطبع والعادة، وأحسن الوجوه وأقربها إلى التحقيق عند الإمام ما ذكره أبو مسلم، وأيد التخصيص فيما ذهب إليه الأنباري بأن قوله تعالى: { وَمَن يُطِعِ ٱلرَّسُولَ } [النساء: 80] الخ، وقوله سبحانه: { أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءانَ } [النساء: 82] يشهدان له، وفي الذي بعده بأن قوله عز وجل: {وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مّنَ ٱلأَمْنِ أَوِ ٱلْخَوْفِ} الخ وقوله جل وعلا: {فَقَٰتلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ...}.