التفاسير

< >
عرض

وَإِذَآ أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةً مِّن بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَّكْرٌ فِيۤ آيَاتِنَا قُلِ ٱللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ
٢١
-يونس

التحرير والتنوير

لما حكى تمرد المشركين بيّن هنا أنهم في ذلك لاهون ببطرهم وازدهائهم بالنعمة والدَّعة فأنساهم ما هم فيه من النعمة أن يتوقعوا حدوث ضده فتفننوا في التكذيب بوعيد الله أفانين الاستهزاء، كما قال تعالى: { { وذرني والمكذبين أولي النّعمة ومهِّلهم قليلاً } [المزمل: 11].

وجاء الكلام على طريقة الحكاية عن حالهم، والمُلقَى إليه الكلام هو النبي صلى الله عليه وسلم والمُؤمنون. وفيه تعريض بتذكير الكفار بحال حلول المصائب بهم لعلهم يتذكرون، فيعدوا عدة الخوف من حلول النقمة التي أنذرهم بها في قوله { فانتظروا } [يونس: 20] كما في الحديث: "تَعَرَّف إلى الله في الرخاء يَعْرِفْك في الشدة"

فالمراد بـ{الناس} الناس المعهودون المتحدث عنهم بقرينة السياق على الوجهين المتقدمين في قوله تعالى: { وإذا مَس الإنسان الضر دعانا لجنبه } [يونس: 12].

وقد قيل: إن الآية تشير إلى ما أصاب قريشاً من القحط سبعَ سنين بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم ثم كَشف الله عنهم القحط وأنزل عليهم المطر، فلما حيوا طفقوا يطعنون في آيات الله ويعادون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويكيدون له. والقحط الذي أصاب قريشاً هو المذكور في سورة الدخان. وقد أنذروا فيها بالبطشة الكبرى. وقال ابن عباس: هي بطشة يوم بدر. فتكون هذه الآية قد نزلت بعد انقراض السبع السنين التي هي كسني يوسف وبعد أن حيُوا، فتكون قد نزلت بعد سنة عشر من البعثة أو سنة إحدى عشرة.

والإذاقة: مستعملة في مطلق الإدراك استعارةً أو مجازاً، كما تقدم في قوله: { ليذوق وبال أمره } في سورة [العقود: 95].

والرحمة: هنا مطلقة على أثر الرحمة، وهو النعمة والنفع، كقوله: { وينشر رحمته } [الشورى: 28].

والضراء: الضر. والمس: مستعمل في الإصابة. والمعنى إذا نالت الناس نعمة بعد الضر، كالمطر بعد القحط، والأمن بعد الخوف، والصحة بعد المرض.

و(إذا) في قوله: {إذا لهم مكرٌ} للمفاجأة، وهي رابطة لجواب (إذا) الشرطية لوقوعه جملة اسمية وهي لا تصلح للاتصال بإذا الشرطية التي تلازمها الأفعال إن وقعت ظرفاً ثم إن وقعت شرطاً فلا تصلح لأن تكون جواباً لها، فلذلك أدخل على جملة الجواب حرف (إذا) الفجائية، لأن حرف المفاجأة يدل على البِدار والإسراع بمضمون الجملة، فيُفيد مُفاد فاء التعقيب التي يؤتى بها الربط جواب الشرط بشرطه، فإذا جاء حرف المفاجأة أغنى عنها.

والمكرُ: حقيقته إخفاء الإضرار وإبرَازه في صورة المسألة، وقد تقدم عند قوله تعالى: { ومكروا ومكر الله } في سورة [آل عمران: 54].

و(في) من قوله: {في آياتنا} للظرفية المجازية المرادُ منها الملابسة، أي مكرهم المصاحب لآياتنا. ومعنى مكرهم في الآيات أنهم يمكرون مكراً يتعلق بها، وذلك أنهم يوهمون أن آيات القرآن غير دالة على صدق الرسول ويزعمون أنه لو أنزلت عليه آية أخرى لآمنوا بها وهم كاذبون في ذلك وإنما هم يكذبونه عناداً ومكابرة وحفاظاً على دينهم في الشرك.

ولما كان الكلام متضمناً التعريض بإنذارهم، أمر الرسول أن يعظهم بأن الله أسرع مكراً، أي منكم، فجعل مكر الله بهم أسرع من مكرهم بآيات الله.

ودل اسم التفضيل على أن مكر الكافرين سريع أيضاً، وذلك لما دل عليه حرف المفاجأة من المبادرة وهي إسراع. والمعنى أن الله أعجل مكراً بكم منكم بمكركم بآيات الله.

وأسرعُ: مأخوذ من أسرع المزيدِ على غير قياس، أو من سَرع المجرد بناء على وجوده في الكلام فيما حكاه الفارسي.

وأطلق على تأجيل الله عذابهم اسم المكر على وجه الاستعارة التمثيلية لأن هيئة ذلك التأجيل في خفائه عنهم كهيئة فعل الماكر، وحسنته المشاكلة كما تقدم في آية آل عمران.

وجملة: {إنّ رسلنا يكتبون ما تمكرون} استئناف خطاب للمشركين مباشرة تهديداً من الله، فلذلك فصلت على التي قبلها لاختلاف المخاطب. وتأكيد الجملة لكون المخاطبين يعتقدون خلاف ذلك، إذ كانوا يحسبون أنهم يمكرون بالنبي صلى الله عليه وسلم وأن مكرهم يتمشى عليه ولا يشعر به فأعلمهم الله بأن الملائكة الموكلين بإحصاء الأعمال يكتبون ذلك. والمقصود من هذا أن ذلك محصي معدود عليهم لا يهمل، وهو إنذار بالعذاب عليه، وهذا يستلزم علم الله تعالى بذلك.

وعبر بالمضارع في {يكتبون} و{يمكرون} للدلالة على التكرر، أي تتكرر كتابتهم كلما يتكرر مكرهم، فليس في قوله: {ما تمكرون} التفات من الغيبة إلى الخطاب لاختلاف معادي الضميرين.

وقرأه الجمهور {ما تمكرون} بتاء الخطاب. وقرأه روح عن يعقوب {ما يمكرون} بياء الغائب، والضمير لــ{الناس} في قوله: {وإذا أذقنا الناس رحمة}. وعلى هذه القراءة فالكلام موجه للنبي صلى الله عليه وسلم