التفاسير

< >
عرض

وَجَآءُوۤا أَبَاهُمْ عِشَآءً يَبْكُونَ
١٦
قَالُواْ يَٰأَبَانَآ إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ ٱلذِّئْبُ وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ
١٧
وَجَآءُوا عَلَىٰ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَٱللَّهُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ
١٨
-يوسف

التحرير والتنوير

{وَجَآءُوۤا أَبَاهُمْ عِشَآءً يَبْكُونَ * قَالُواْ يَـٰأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَـٰعِنَا فَأَكَلَهُ ٱلذِّئْبُ وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَـٰدِقِينَ * وَجَآءُوا عَلَىٰ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ}

عطف على جملة { { فلما ذهبوا به } } [سورة يوسف: 15] عطف جزء القصة.

والعشاء: وقت غيبوبة الشفق الباقي من بقايا شعاع الشمس بعد غروبها.

والبكاء: خروج الدموع من العينين عند الحزن والأسف والقهر. وتقدم في قوله تعالى: { { فليضحكوا قليلاً وليبكوا كثيراً } } [سورة التوبة: 82]. وقد أطلق هنا على البكاء المصطنع وهو التباكي. وإنما اصطنعوا البكاء تمويهاً على أبيهم لئلا يظن بهم أنهم اغتالوا يوسف عليه السّلام، ولعلّهم كانت لهم مقدرة على البكاء مع عدم وجدان موجبه، وفي الناس عجائب من التمويه والكيد. ومن الناس من تتأثر أعصابهم بتخيل الشيء ومحاكاته فيعتريهم ما يعتري الناس بالحقيقة.

وبعض المتظلمين بالباطل يفعلون ذلك، وفطنة الحاكم لا تنخدع لمثل هذه الحيل ولا تنوط بها حكماً، وإنما يناط الحكم بالبينة.

جاءت امرأة إلى شريح تخاصم في شيء وكانت مبطلة فجعلت تبكي، وأظهر شريح عدم الاطمئنان لدعواها، فقيل له: أما تراها تبكي؟ فقال: قد جاء إخوة يوسف عليه السّلام أباهم عشاء يبكون وهم ظلَمة كَذبَة، لا ينبغي لأحد أن يقضي إلا بالحق. قال ابن العربي: قال علماؤنا: هذا يدلّ على أن بكاء المرء لا يدل على صدق مقاله لاحتمال أن يكون تصنّعاً. ومن الخلق من لا يقدر على ذلك ومنهم من يقدر.

قلت: ومن الأمثال "دموع الفاجر بيديه" وهذه عبرة في هذه العبرة.

والاستباق: افتعال من السبق وهو هنا بمعنى التسابق قال في الكشاف: «والافتعال والتفاعل يشتركان كالانتضال والتناضل، والارتماء والترامي، أي فهو بمعنى المفاعلة. ولذلك يقال: السباق أيضاً. كما يقال النضال والرماء». والمراد: الاستباق بالجري على الأرجل، وذلك من مرح الشباب ولعبهم.

والمتاع: ما يتمتع أي ينتفع به. وتقدم قي قوله تعالى: { { لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم } } في سورة النساء (102). والمراد به هنا ثَقَلهم من الثياب والآنية والزاد.

ومعنى {فأكله الذئب} قتله وأكل منه، وفعل الأكل يتعلق باسم الشيء. والمراد بعضه. يقال أكلَه الأسد إذا أكل منه. قال تعالى: { { وما أكل السّبع } } [سورة المائدة: 3] عطفاً على المنهيات عن أن يؤكل منها، أي بقتلها.

ومن كلام عمر حين طعنه أبو لؤلؤة "أكلني الكلب"، أي عضّني.

والمراد بالذئب جمع من الذئاب على ما عرفت آنفاً عند قوله: { { وأخاف أن يأكله الذئب } } [سورة يوسف: 13]؛ بحيث لم يترك الذئاب منه، ولذلك لم يقولوا فدفنّاه.

وقوله: {وما أنت بمؤمن لنا} خبر مستعمل في لازم الفائدة. وهو أن المتكلم علم بمضمون الخبر. وهو تعريض بأنهم صادقون فيما ادّعوه لأنهم يعلمون أباهم لا يصدقهم فيه، فلم يكونوا طامعين بتصديقه إياهم.

وفعل الإيمان يعدّى باللام إلى المصدّق ـــ بفتح الدال ـــ كقوله تعالى: { { فآمن له لوطٌ } } [سورة العنكبوت: 26]. وتقدم بيانه عند قوله تعالى: { { فما آمن لموسى إلا ذريةٌ من قومه } } في سورة يونس (83).

وجملة {ولو كنا صادقين} في موضع الحال فالواو واو الحال. {ولو} اتصالية، وهي تفيد أنه مضمون ما بعدها هو أبعد الأحوال عن تحقق مضمون ما قبلها في ذلك الحال. والتقدير: وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين في نفس الأمر، أي نحن نعلم انتفاء إيمانك لنا في الحالين فلا نطمع أن نموّه عليك.

وليس يلزم تقدير شرط محذوف هو ضد الشرط المنطوق به لأن ذلك تقدير لمجرد التنبيه على جعل الواو للحال مع (لو وإن) الوصليتين وليس يستقيم ذلك التقدير في كل موضع، ألا ترى قول المعري:

وإني وإن كنتُ الأخيّر زمانهلآتٍ بما لم تستطعه الأوائل

كيف لا يستقيم تقدير إني إن كنت المتقدم زمانه بل وإن كنت الأخيرَ زمانه. فشرط (لو) الوصلية و(إن) الوصلية ليس لهما مفهومُ مخالفة، لأن الشرط معهما ليس للتقييد. وتقدم ذكر (لَو) الوصلية عند قوله تعالى: { { أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون } } في سورة البقرة (170)، وعند قوله تعالى: { { فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهباً } } في سورة آل عمران (91).

وجملة {وجاءوا على قميصه} في موضع الحال. ولما كان الدم ملطخاً به القميص وكانوا قد جاءوا مصاحبين للقميص فقد جاءوا بالدم على القميص.

ووصف الدم بالكذب وصف بالمصدر، والمصدر هنا بمعنى المفعول كالخَلْق بمعنى المخلوق، أي مكذوب كونه دم يوسف ـــ عليه السّلام ـــ إذ هو دم جدي، فهو دم حقاً لكنه ليس الدم المزعوم. ولا شك في أنهم لم يتركوا كيفية من كيفيات تمويه الدم وحالة القميص بحال قميص من يأكله الذئب من آثار تخريق وتمزيق مما لا تخلو عنه حالة افتراس الذئب، وأنهم أفطن من أن يفوتهم ذلك وهم عصبة لا يعْزُب عن مجموعهم مثل ذلك. فما قاله بعض أصحاب التفسير من أن يعقوب ـــ عليه السّلام ـــ قال لأبنائه: ما رأيت كاليوم ذئباً أحلَم من هذا، أكل ابني ولم يمزق قميصه، فذلك من تظرفات القصص.

وقوله: {على قميصه} حال من (دم) فقدم على صاحب الحال.

{قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَٱللَّهُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ}.

حرف الإضراب إبطال لدعواهم أن الذئب أكله فقد صرح لهم بكذبهم.

والتسويل: التسهيل وتزيين النفس ما تحرص على حصوله.

والإبهام الذي في كلمة {أمراً} يحتمل عدة أشياء مما يمكن أن يؤذوا به يوسف ـــ عليه السّلام ـــ: من قتل، أو بيع، أو تغريب، لأنه لم يعلم تعيين ما فعلوه. وتنكير {أمراً} للتهويل.

وفرّع على ذلك إنشاءُ التصبر {فصبرٌ جميل} نائب مناب اصبر صبراً جميلاً. عدل به عن النصب إلى الرفع للدلالة على الثبات والدوام، كما تقدم عند قوله تعالى: { { قالوا سلاماً قال سلامٌ } } في سورة هود (69). ويكون ذلك اعتراضاً في أثناء خطاب أبنائه، أو يكون تقدير: اصبر صبراً جميلاً، على أنه خطاب لنفسه. ويجوز أن يكون {فصبر جميل} خبر مبتدأ محذوف دلّ عليه السياق، أي فأمْري صبرٌ. أو مبتدأ خبره محذوف كذلك. والمعنى على الإنشاء أوقع، وتقدم الصبر عند قوله تعالى: { { واستعينوا بالصبر والصلاة } } في سورة البقرة (45).

ووصف {جميل} يحتمل أن يكون وصفاً كاشفاً إذ الصبر كله حسن دون الجزع. كما قال إبراهيم بن كنيف النبهاني:

تصبّر فإنّ الصبر بالحرّ أجملوليس على ريب الزمان معوّل

أي أجمل من الجزع.

ويحتمل أن يكون وصفاً مخصصاً. وقد فسّر الصبر الجميل بالذي لا يخالطه جزع.

والجمال: حسن الشيء في صفات محاسن صنفه، فجمال الصبر أحسن أحواله، وهو أن لا يقارنه شيء يقلل خصائص ماهيته.

وفي الحديث الصحيح "أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بامرأة تبكي عند قبر فقال لها: اتقي الله واصبري، فقالت: إليك عني فإنك لم تصب بمصيبتي ـــ ولم تعرفه ـــ فلما انصرف مرّ بها رجل، فقال لها: إنه النبي صلى الله عليه وسلم فأتت باب النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: لم أعرفك يا رسول الله، فقال: إنما الصبر عند الصدمة الأولى" أي الصبر الكامل.

وقوله: {والله المستعان على ما تصفون} عطف على جملة {فصبر جميل} فتكون محتملة للمعنيين المذكورين من إنشاء الاستعانة أو الإخبار بحصول استعانته بالله على تحمل الصبر على ذلك، أو أراد الاستعانة بالله ليوسف ـــ عليه السّلام ـــ على الخلاص مما أحاط به.

والتعبير عما أصاب يوسف ـــ عليه السّلام ـــ بـ{ما تصفون} في غاية البلاغة لأنه كان واثقاً بأنهم كاذبون في الصفة وواثقاً بأنهم ألحقوا بيوسف ـــ عليه السّلام ـــ ضراً فلما لم يتعيّن عنده المصاب أجمل التعبير عنه إجمالاً موجهاً لأنهم يحسبون أن ما يصفونه هو موته بأكل الذئب إياه ويعقوب ـــ عليه السّلام ـــ يريد أن ما يصفونه هو المصاب الواقع الذي وصفوه وصفاً كاذباً. فهو قريب من قوله تعالى: { { سبحان ربك رب العزة عما يصفون } } [سورة الصافات: 180].

وإنما فوض يعقوب عليه السّلام الأمر إلى الله ولم يسْعَ للكشف عن مصير يوسف عليه السّلام لأنه علم تعذر ذلك عليه لكبر سنه، ولأنه لا عضد له يستعين به على أبنائه أولئك. وقد صاروا هم الساعين في البعد بيْنه وبين يوسف عليه السّلام، فأيس من استطاعة الكشف عن يوسف عليه السّلام بدونهم، ألا ترى أنه لما وجد منهم فرصة قال لهم: { { اذهبوا فتحسّسوا من يوسف وأخيه } } [سورة يوسف: 87].