التفاسير

< >
عرض

وَلَمَّا فَصَلَتِ ٱلْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ
٩٤
قَالُواْ تَٱللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ ٱلْقَدِيمِ
٩٥
فَلَمَّآ أَن جَآءَ ٱلْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَىٰ وَجْهِهِ فَٱرْتَدَّ بَصِيراً قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إِنِّيۤ أَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ
٩٦
قَالُواْ يٰأَبَانَا ٱسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَآ إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ
٩٧
قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّيۤ إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ
٩٨
-يوسف

التحرير والتنوير

{وَلَمَّا فَصَلَتِ ٱلْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّى لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ * قَالُواْ تَٱللَّهِ إِنَّكَ لَفِى ضَلَـٰلِكَ ٱلْقَدِيمِ * فَلَمَّآ أَن جَآءَ ٱلْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَىٰ وَجْهِهِ فَٱرْتَدَّ بَصِيرًا}

التقدير: فخرجوا وارتحلوا في عير.

ومعنى {فصلتْ} ابتعدت عن المكان، كما تقدم في قوله تعالى: { { فلما فصل طالوت بالجنود } } في سورة البقرة (249).

والعير تقدم آنفاً، وهي العير التي أقبلوا فيها من فلسطين.

ووجدَانُ يعقوب ريح يوسف عليهما السلام إلهام خارق للعادة جعله الله بشارة له إذ ذكره بشمه الريح الذي ضمّخ به يوسف عليه السلام حين خروجه مع إخوته وهذا من صنف الوحي بدون كلام ملك مُرسل. وهو داخل في قوله تعالى: { { وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً } } [سورة الشورى: 51].

والريح: الرائحة، وهي ما يعبق من طيب تدركه حاسة الشم.

وأكد هذاالخبر بـ {إنّ} واللام لأنه مظنة الإنكار ولذلك أعقبه بــــ {لولا أن تفندون}.

وجواب {لولا} محذوف دلّ عليه التأكيد، أي لولا أن تفندوني لتحققتم ذلك.

والتفنيد: النسبة للفنَد بفتحتين، وهو اختلال العقل من الخرف.

وحذفت ياء المتكلم تخفيفاً بعد نون الوقاية وبقيت الكسرة.

والذين قالوا: {تالله إنك لفي ضلالك القديم} هم الحاضرون من أهله ولم يسبق ذكرهم لظهور المراد منهم وليسوا أبناءه لأنهم كانوا سائرين في طريقهم إليه.

والضلال: البُعْد عن الطريق الموصّلة. والظرفية مجاز في قوة الاتّصاف والتلبّس وأنه كتلبس المظروف بالظرف. والمعنى: أنك مستمر على التلبس بتطلب شيء من غير طريقه. أرادوا طمعه في لقاء يوسف ــــ عليه السلام ــــ. ووصفوا ذلك بالقديم لطول مدّته، وكانت مدة غيبة يوسف عن أبيه ــــ عليهما السلام ــــ اثنتين وعشرين سنة. وكان خطابهم إياه بهذا مشتملاً على شيء من الخشونة إذ لم يكن أدب عشيرته منافياً لذلك في عرفهم.

و{أن} في قوله: {فلما أن جاء البشير} مزيدة للتأكيد. ووقوع {أنْ} بعد {لمّا} التوقيتية كثير في الكلام كما في «مغني اللّبيب».

وفائدة التأكيد في هذه الآية تحقيق هذه الكرامة الحاصلة ليعقوب عليه السلام لأنها خارق عادة، ولذلك لم يؤت بــــ {أن} في نظائر هذه الآية مما لم يكن فيه داع للتأكيد.

والبشير: فعيل بمعنى مُفعل، أي المُبشر، مثل السميع في قول عمرو بن معديكرب:

أمِن ريحانة الداعي السميع

والتبشير: المبادرة بإبلاغ الخبر المسرّ بقصد إدخال السرور. وتقدم عند قوله تعالى: { { يبشرّهم ربهم برحمة منه } } في سورة براءة (21). وهذا البشير هو يهوذا بن يعقوب عليه السلام تقدم بين يدي العِير ليكون أول من يخبر أباه بخبر يوسف عليه السلام.

وارتد: رجع، وهو افتعال مطاوع ردّه، أي رد الله إليه قوة بصره كرامة له وليوسف عليهما السلام وخارق للعادة. وقد أشرت إلى ذلك عند قوله تعالى: { { وابيضّت عيناه من الحزن } } [سورة يوسف: 84].

{قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إِنِّىۤ أَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ * قَالُواْ يٰأَبَانَا ٱسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَآ إِنَّا كُنَّا خَـٰطِئِينَ * قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّىۤ إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ}

جواب للبشارة لأنها تضمنت القول، ولذلك جاء فعل {قال} مفصولاً غير معطوف لأنه على طريقة المحاورات، وكان بقية أبنائه قد دخلوا فخاطبهم بقوله: {ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون} فبيّن لهم مجمل كلامه الذي أجابهم به حين قالوا: { { تالله تفتأ تذكر يوسف } } [يوسف: 85] الخ.

وقولهم: {استغفر لنا ذنوبنا} توبة واعتراف بالذنب، فسألوا أباهم أن يطلب لهم المغفرة من الله. وإنما وعدهم بالاستغفار في المستقبل إذ قال: {سوف أستغفر لكم ربي} للدلالة على أنه يلازم الاستغفار لهم في أزمنة المستقبل. ويعلم منه أنه استغفر لهم في الحال بدلالة الفحوى؛ ولكنه أراد أن ينبههم إلى عظم الذنب وعظمة الله تعالى وأنه سيكرر الاستغفار لهم في أزمنة مستقبلة. وقيل: أخّر الاستغفار لهم إلى ساعة هي مظنة الإجابة. وعن ابن عباس مرفوعاً أنه أخر إلى ليلة الجمعة، رواه الطبري. وقال ابن كثير: في رفعه نظر.

وجملة {إنه هو الغفور الرحيم} في موضع التعليل لجملة {أستغفر لكم ربي}. وأكد بضمير الفصل لتقوية الخبر.