التفاسير

< >
عرض

وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ ٱلتَّوْرَاةِ وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ
٥٠
إِنَّ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ
٥١
-آل عمران

التحرير والتنوير

عطف على {بآية} بناء على أنّ قوله: بآية ظرف مستقرّ في موضع الحال كما تقدم أو عطف على جملة {جئتكم} فيقدّر فعل جئتكم بعد واو العطف، {ومصدّقاً} حال من ضمير المقدّر معه، وليس عطفاً على قوله: { ورسولا } [آل عمران: 49] لأنّ رسولاً من كلام الملائكة، {ومصدقاً} من كلام عيسى بدليل قوله: {لما بين يدي}.

والمصدّق: المخبر بصِدق غيره، وأدخلت اللام على المفعول للتقوية، للدلالة على تصديقٍ مُثبت محقّق، أي مصدّقاً تصديقاً لا يشوبُه شك ولا نِسبةٌ إلى خطأ. وجَعْل التصديق متعدياً إلى التوراة تَوْطئة لقوله: {ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم}.

ومعنى ما بين يديّ ما تقدم قبلي، لأنّ المتقدّم السابق يمشي بين يدي الجائي فهو هنا تمثيل لحالة السبق، وإن كان بينه وبين نزول التوراة أزمنة طويلة، لأنّها لما اتّصل العمل بها إلى مَجيئه، فكأنها لم تسبقه بزمن طويل. ويستعمل بين يديْ كذا فِي معنى المشاهَد الحاضر، كما تقدم في قوله تعالى: {يعلم ما بين أيديهم} في سورة البقرة.

وعَطْف قوله {ولأحِلّ} على {رسولاً} وما بعده من الأحوال: لأنّ الحال تشبه العلة؛ إذ هي قيد لعاملها، فإذا كان التقييد على معنى التعليل شابَه المفعولَ لأجله، وشابَه الجرور بلام التعليل، فصح أن يُعطف عليها مجرورٌ بلام التعليل. ويجوز أن يكون عطفاً على قوله: {بآية من ربكم} فيتعلّق بفعلِ جئتكم. وعقب به قوله: {مصدّقاً لما بين يديّ} تنبيهاً على أنّ النسخ لا ينافي التصديق؛ لأنّ النسخ إعلام بتغيُّر الحكم. وانحصرت شريعة عيسى في إحياء أحكام التوراة وما تركوه فيها وهو في هذا كغيره من أنبياء بني إسرائيل، وفي تحليل بعض ما حرمه الله عليهم رعياً لحالهم في أزمنة مختلفة، وبهذا كان رسولاً. قيل أحلّ لهم الشحوم، ولحوم الإبل، وبعض السمك، وبعض الطير: الذي كان محرّماً من قبل، وأحلّ لهم السبت، ولم أقف على شيء من ذلك في الإنجيل. وظاهر هذا أنّه لم يحرّم عليهم ما حلّل لهم، فما قيل: إنّه حرّم عليهم الطلاق فهو تقوُّل عليه وإنّما حذّرهم منه وبَيّن لهم سوء عواقبه، وحرّم تزوج المرأة المطلّقة وينضم إلى ذلك ما لا تخلو منه دعوة: من تذكير، ومواعظ، وترغيبات.

{وَجِئْتُكُمْ بِأَيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ}{ إِنَّ ٱللَّهَ رَبِّى وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ هَـٰذَا صِرَٰطٌ مُّسْتَقِيمٌ}.

وقوله: {وجئتكم بآية من ربكم} تأكيد لقوله الأولِ: { أنى قد جئتكم بآية من ربكم } [آل عمران: 49]. وإنما عطف بالواو لأنه أريد أن يكون من جملة الأخبار المتقدّمة ويحصل التأكيد بمجرّد تقدم مضمونه، فتكون لهذه الجملة اعتباران يجعلانها بمنزلة جملتين، وليبنى عليه التفريع بقوله: {فاتقوا الله وأطيعون}.

وقرأ الجمهور قوله: {وأطيعون} بحذف ياء المتكلم في الوصل والوقف، وقرأه يعقوب: بإثبات الياء فيهما.

وقوله: {إن الله ربي وربكم فاعبدوه} إنّ مكسورة الهمزة لا محالة، وهي واقعة موقع التعليل للأمر بالتقوى والطاعة كشأنها إذا وقعت لِمجرّد الاهتمام كقول بشار

بَكِّرا صَاحِبَيّ قَبْلَ الهَجيرإنّ ذَاكَ النجَاحَ في التبْكِيرِ

ولذلك قال: {ربي وربكم} فهو لكونه ربّهم حقيق بالتقوى، ولكونه ربّ عيسى وأرسله تقتضي تقواه طاعةَ رسوله.

وقوله: فاعبدوه تفريع على الرُّبوبية، فقد جعل قولَه إنّ الله ربي تعليلاً ثم أصلا للتفريع.

وقوله: {هذا صراط مستقيم} الإشارة إلى ما قاله كلِّه أي أنّه الحق الواضح فشبهه بصراط مستقيم لا يضلّ سالكه ولا يتحير.