التفاسير

< >
عرض

وَإِذْ يَتَحَآجُّونَ فِي ٱلنَّـارِ فَيَقُولُ ٱلضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْـبَرُوۤاْ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مِّنَ ٱلنَّارِ
٤٧
قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوۤاْ إِنَّا كُلٌّ فِيهَآ إِنَّ ٱللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ ٱلْعِبَادِ
٤٨
-غافر

التحرير والتنوير

يجوز أن يكون {إذ} معمولاً لــــ (اذْكُرْ) محذوفٍ فيكون عطفاً على جملة {وأنذرهم يوم الأزِفَةِ}، والضميرُ عائداً إلى { الذِّينَ يُجٰدِلُون في ءايٰتِ الله بِغَيْرِ سُلطٰنٍ } [غافر: 35] وما بين هذا وذاك اعتراض واستطراد لأنها قصد منها عظة المشركين بمن سبقهم من الأمم المكذبين فلما استُوفي ذلك عاد الكلام إليهم. ويفيد ذلك صريحَ الوعيد للمشركين بعد أن ضُربت لهم الأمثال كما قال تعالى: { وللكافرين أمثالها } [محمد: 10]، وقد تكرر في القرآن موعظة المشركين بمثل هذا كقوله تعالى: { إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا } الآية في سورة [البقرة: 166]، وقوله: { قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذاباً ضعفاً من النار } الآية في سورة [الأعراف: 38].

ويجوز أن تكون {وَإذْ يَتَحَآجُّونَ} عطفاً على جملة { ويوم تقوم الساعة أدخلوا ءالَ فرعونَ أشدَّ العذاب } [غافر: 46] لأن (إذْ) و (يومَ) كليهما ظرف بمعنى (حين)، فيكون المعنى: وحين تقوم الساعة يقال: أدخلوا آل فرعون أشدّ العذاب، وحين يتحاج أهل النار فيقول الضعفاء الخ.

وقرن {فَيَقُولُ الضُّعَفٰؤُا} بالفاء لإِفادة كون هذا القول ناشئاً عن تحاجّهم في النار مع كون ذلك دَالاً على أنه في معنى متعلَّق {إذ}، وهذا استعمال من استعمالات الفاء التي يسميها النحاة زائدة، وأثبت زيادتها جماعة منهم الأخفش والفراء والأعلم وابن بَرهان، وحكاه عن أصحابه البصريين. وضمير يتحاجون} على هذا الوجه عائد إلى آل فرعون. ويفيد مع ذلك تعريضاً بوعيد المشركين كما هو مقتضى المماثلة المسوقة وضمير {يتحاجون} غير عائد إلى { آلَ فِرعونَ } [غافر: 46] لأن ذلك يأباه قوله: { وقال الذين في النار لِخَزنة جهنم ادعوا ربكم } [غافر: 49] وقوله: { أَوَلَمْ تَكُ تَأتيكم رُسُلكم بِالبَيِّنٰتِ } [غافر: 50] ولم يَأت آل فرعون إلا رسول واحد هو موسى عليه السلام فيعود ضمير {يتحاجون} إلى معلوم من المقام وهم أهل النار.

والتحاجّ: الاحتجاج من جانبين فأكثرَ، أي إقامة كل فريق حجته وهو يقتضي وقوع خلاف بين المتحاجّين إذ الحجة تأييد لدعوى لدفع الشك في صحتها.

والضعفاء: عامة الناس الذين لا تصرُّف لهم في أمور الأمة. والذين استكبروا: سادة القوم، أي الذين تكبروا كِبْراً شديداً، فالسين والتاء فيه للمبالغة. وقول الضعفاء للكبراء هذا الكلامَ يحتمل أنه على حقيقته فهو ناشىء عما اعتادوه من اللجإ إليهم في مهمهم حين كانوا في الدنيا فخالوا أنهم يتولون تدبير أمورهم في ذلك المكان ولهذا أجاب الذين استكبروا بما يفيد أنهم اليوم سواء في العجز وعدم الحيلة فقالوا: {إنَّا كُلٌّ فِيهَآ} أي لو أغنينا عنكم لأغنينا عن أنفسنا.

وتقديم قولهم: {إنَّا كُنَّا لَكُم تبعَاً} على طلب التخفيف عنهم من النار، مقدمة للطلب لقصد توجيهه وتعليله وتذكيرهم بالولاء الذي بينهم في الدنيا، يلهمهم الله هذا القول لافتضاح عجز المستكبرين أن ينفعوا أتباعهم تحقيراً لهم جزاء على تعاظمهم الذي كانوا يتعاظمون به في الدنيا.

ويحتمل أن قول الضعفاء ليس مستعملاً في حقيقة الحث على التخفيف عنهم ولكنه مستعمل في التوبيخ، أي كنتم تدعوننا إلى دين الشرك فكانت عاقبة ذلك أنا صرنا في هذا العذاب فهل تستطيعون الدفع عنا. وتأكيد {إنَّا كنا لكُم تَبَعاً} بــــ (إنَّ) للاهتمام بالخبر وليس لرد إنكار.

والتبع: اسم لمن يتبع غيره، يستوي فيه الواحد والجمع، وهو مثل خَدَم وَحَشَم لأن أصله مصدر، فلذلك استوى فيه الواحد والجمع، وقيل التَبَع: جمع لا يجري على الواحد، فهو إذن من الجموع النادرة.

والاستفهام في قوله: {فَهَلْ أنتُم مُغْنُونَ} مستعمل في الحث واللوم على خذلانهم وترك الاهتمام بما هم فيه من عذاب.

وجيء بالجملة الاسمية الدالة على الثبات، أي هل من شأنكم أنكم مغنون عنّا. و {مغنون} اسم فاعل من أغنى غناء بفتح الغين والمدّ، أي فائدة وإجزاء.

والنصيب: الحَظ والحصة من الشيء، قال تعالى: {للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون} إلى قوله: { نصيباً مفروضاً } [النساء: 7].

وقد ضمّن {مغنون} معنى دافعون ورادُّون، فلذلك عُدي إلى مفعولٍ وهو {نصيباً} أي جُزءاً من حر النار غير محدد المقدار من قوتها، و{مِنَ النَّار} بيان لــــ {نَصِيباً} كقوله تعالى: { فهل أنتم مغنون عنا من عذاب اللَّه من شيء } [إبراهيم: 21] فهم قانعون بكل ما يخفف عنهم من شدة حرّ النار وغير طامعين في الخروج منها. ويجوز أن يكون {مغنون} على معناه دون تضمين ويكون {نصيباً}منصوباً على المفعول المطلق لِمغنون والتقدير غَناء نصيباً، أي غناء مَّا ولو قليلاً. و {منَ النَّارِ} متعلقاً بــــ {مغنون} كقوله تعالى: { وما أغني عنكم من اللَّه من شيء } [يوسف: 67]. ويجوز أن يكون النصيب الجزءَ من أزمنة العذاب فيكون على حذف مضاف تقديره: من مُدة النار.

ولما كان جواب الذين استكبروا للذين استضعفوا جارياً في مجرى المحاورة جرّد فعل {قال} من حرف العطف على طريقة المحاورة كما تقدم غير مرة.

ومعنى قولهم: {إِنَّا كُلٌّ فِيهَا} نحن وأنتم مستوون في الكون في النار فكيف تطمعون أن ندفع عنكم شيئاً من العذاب. وعلى وجه أن يكون قول الضعفاء {إنا كُنَّا لَكمُ تَبعاً} إلى آخره توبيخاً ولوماً لزعمائهم يكون قول الزعماء {إنَّا كُلٌّ فِيهَا} اعترافاً بالغلط، أي دَعُوا لومنا وتوبيخنا فقد كفانا أنا معكم في النار وتأكيد الكلام بــــ (إنّ) للاهتمام بتحقيقه أو لتنزيل من طالبوهم بالغناء عنهم من عذاب النار مع مشاهدتهم أنهم في العذاب مثلهم، منزلة من يحسبهم غير واقعين في النار، وفي هذا التنزيل ضرب من التوبيخ يقولون: ألستم تروننا في النار مثلكم فكيف نغني عنكم. و{كل} مرفوع بالابتداء وخبره {فيها} والجملة من المبتدأ وخبره خبر (إنَّ) وتنوين (كل) تنوين عوض عن المضاف إليه، إذ التقدير: إنا كلُّنا في النار.

وجملة {إنَّ الله قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العِبَادِ} تتنزل منزلة بدل الاشتمال من جملة {إنَّا كُلٌّ فيها} فكلتا الجملتين جواب لهم مؤيس من حصول التخفيف عنهم. والمعنى: نحن مستوون في العذاب وهو حكم الله فلا مطمع في التقصي من حكمه فقد جوزي كل فريق بما يستحق.

وما في هذه الجملة الثانية من عموم تعلق فعل الحكم بين العباد ما يجعل هذا البدل بمنزلة التذييل، أي أن الله حكم بين العباد كلهم بجزاء أعمالهم فكان قسطنا من الحكم هذا العذاب. فكلمة {بين} هنا مستعملة في معناها الحقيقي وهو المكان المتوسط، أي وقع حكمه وقضاؤه في مجمعهم الذي حضره من حُكم عليه ومن حكم له ومن لم يتعرض للحكومة لأنه من أهل الكرامة بالجنة، فليست كلمة (بين) هنا بمنزلة (بين) في قوله تعالى: { فاحكم بينهم بما أنزل اللَّه } [المائدة: 48] فإنها في ذلك مستعملة مجازاً في التفرقة بين المحق والمبطل.

وفي هذه الآية عبرة لزعماء الأمم وقادتهم أن يحذروا الارتماء بأنفسهم في مهاوي الخسران فيوقعوا المقتدين بهم في تلك المهاوي فإن كان إقدامهم ومغامرتهم بأنفسهم وأممِهم على علم بعواقب ذلك كانوا أحرياء بالمذمة والخزي في الدنيا ومضاعفة العذاب في الآخرة، إذ ما كان لهم أن يغُرُّوا بأقوام وكلوا أمورهم بقادتهم عن حسن ظن فيهم، أن يخونوا أمانتهم فيهم كما قال تعالى: { وليحملن أثقالهم وأثقالاً مع أثقالهم } [العنكبوت: 13]، وإن كان قَحْمهم أنفسهم في مضائق الزعامة عن جهل بعواقب قصورهم وتقصيرهم فإنهم ملومون على عدم التوثق من كفاءتهم لتدبير الأمة فيخبِطوا بها خبط عشواء حتى يزلوا بها فيَهْوُوا بها من شواهق بعيدة فيصيروا رميماً، ويَلْقوا في الآخرة جحيماً.