التفاسير

< >
عرض

إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ ٱللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً
١٠
-الفتح

التحرير والتنوير

شروع في الغرض الأصلي من هذه السورة، وهذه الجملة مستأنفة، وأكد بحرف التأكيد للاهتمام، وصيغة المضارع في قوله: {يبايعونك} لاستحضار حالة المبايعة الجليلة لتكون كأنها حاصلة في زمن نزول هذه الآية مع أنها قد انقضت وذلك كقوله تعالى: { ويَصنع الفلك } [هود: 38].

وَالحصر المفاد من {إنما} حَصر الفعل في مفعوله، أي لا يبايعون إلا الله وهو قصر ادعائيّ بادعاء أن غاية البيعة وغرضها هو النصر لدين الله ورسوله فنزل الغرض منزلة الوسيلة فادعى أنهم بايعوا الله لا الرسول. وحيث كان الحصر تأكيداً على تأكيد، كما قال صاحب «المفتاح»: «لم أجعل (إنّ) التي في مفتتح الجملة للتأكيد لِحصول التأكيد بغيرها فجعلتها للاهتمام بهذا الخبر ليحصل بذلك غرضان».

وانتقل من هذا الادعاء إلى تخيل أن الله تعالى يبايعه المبايعون فأثبتت له اليد التي هي من روادف المبايَع (بالفتح) على وجه التخييلية مثل إثبات الأظفار للمنية.

وقد هيأت صيغة المبايعة لأن تذكر بعدها الأيدي لأن المبايعة يقارنها وضع المبايع يده في يد المبايَع بالفتح كما قال كعب بن زهير:

حتى وضعتُ يميني لا أُنازعهفي كَفِّ ذي يَسرات قِيلُه القِيل

ومما زاد هذا التخييل حسناً ما فيه من المشاكلة بين يد الله وأيديهم كما قال في «المفتاح»: والمشاكلة من المحسنات البديعية والله منزّه عن اليد وسمات المحدثات.

فجملة {يد الله فوق أيديهم} مقررة لمضمون جملة {إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله} المفيدة أن بيعتهم النبي صلى الله عليه وسلم في الظاهر، هي بيعة منهم لله في الواقع فقررته جملة {يد الله فوق أيديهم} وأكدته ولذلك جردت عن حرف العطف. وجعلت اليد المتخيلة فوق أيديهم: إمّا لأن إضافتها إلى الله تقتضي تشريفها بالرفعة على أيدي الناس كما وصفت في المعطي بالعليا في قول النبي صلى الله عليه وسلم "اليدُ العليا خيرٌ من اليد السفلى واليد العليا هي المعطية واليد السفلى هي الآخذة" ، وإما لأن المبايعة كانت بأن يمد المبايع كفه أمام المبايَع بالفتح ويضع هذا المبايَع يده على يد المبايع، فالوصف بالفوقية من تمام التخييلية. ويشهد لهذا ما في «صحيح مسلم» أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بايعه الناس كان عُمر آخذاً بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم أي كان عمر يضع يد رسول الله صلى الله عليه وسلم في أيدي الناس كيلاً يتعب بتحريكها لكثرة المبايعين فدلّ على أن يد رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت توضع على يد المبايعين. وأيًّا مَّا كان فذكر الفوقية هنا ترشيح للاستعارة وإغراق في التخيل.

والمبايعة أصلها مشتقة من البيع فهي مفاعلة لأن كلا المتعاقدين بائع، ونقلت إلى معنى العهد على الطاعة والنصرة قال تعالى: { يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعْنَك على أن لا يشركن بالله شيئاً } [الممتحنة: 12] الآية وهي هنا بمعنى العهد على النصرة والطاعة. وهي البيعة التي بايعها المسلمون النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية تحت شجرة من السّمُر وكانوا ألفاً وأربعمائة على أكثر الروايات. وقال جابر بن عبد الله: أو أكثر، وعنه: أنهم خمس عَشرة مائة. وعن عبد الله بن أبي أوفى كانوا ثلاث عشرة مائة. وأول من بايع النبي صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة أبو سنان الأسدي. وتسمّى بيعة الرضوان لقول الله تعالى { لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة } [الفتح: 18].

وكان سبب هذه البيعة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل عثمان بن عفان من الحديبية إلى أهل مكة ليفاوضهم في شأن التخلية بين المسلمين وبين الاعتمار بالبيت فأرجف بأن عثمان قتل فعزم النبي صلى الله عليه وسلم على قتالهم لذلك ودعا من معه إلى البيعة على أن لا يرجعوا حتى يناجزوا القوم، فكان جابر بن عبد الله يقول: بايعوه على أن لا يَفرَّوا، وقال سلمة بن الأكوع وعبد الله بن زيد: بايعناه على المَوت، ولا خلاف بين هذين لأن عدم الفرار يقتضي الثبات إلى الموت. ولم يتخلف أحد ممن خرج مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى الحديبيّة عن البيعة إلا عثمان إذ كان غائباً بمكة للتفاوض في شأن العمرة، ووضع النبي صلى الله عليه وسلم يده اليمنى على يده اليسرى وقال: «هذه يد عثمان» ثم جاء عثمان فبايع، وإلا الجد بن قيس السلمى اختفى وراء جَمَلِهِ حتّى بايع الناسُ (ولم يكن منافقاً ولكنّه كان ضعيف العزم). وقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم "أنتم خير أهل الأرض".

وفرع قوله: {فمن نكث فإنما ينكث على نفسه} على جملة {إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله}، فإنه لما كَشف كنه هذه البيعة بأنها مبايعة لله ضرورة أنها مبايعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم باعتبار رسالته عن الله صار أمر هذه البيعة عظيماً خطيراً في الوفاء بما وقع عليه التبايع وفي نكث ذلك.

والنكث: كالنقض للحبل. قال تعالى: { ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً } [النحل: 92]. وغلب النكث في معنى النقض المعنوي كإبطال العهد.

والكلام تحذير من نكث هذه البيعة وتفظيع له لأن الشرط يتعلق بالمستقبل. ومضارع {ينكث} بضم الكاف في المشهور واتفق عليه القرّاء. ومعنى {فإنما ينكث على نفسه}: أن نكثه عائد عليه بالضرّ كما دلّ عليه حرف (على).

و {إنما} للقصر وهو لقصر النكث على مدلول {على نفسه} ليراد لا يضر بنكثه إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً فإن نكث العهد لا يخلو من قصد إضرار بالمنكوث، فجيء بقصر القلب لقلب قصد الناكث على نفسه دون على النبي صلى الله عليه وسلم. ويقال: أوفى بالعهد وهي لغة تهامة، ويقال: وفي بدون همز وهي لغة عامة العرب، ولم تجيء في القرآن إلا الأولى. قالوا: ولم ينكث أحد ممن بايع.

والظاهر عندي: أن سبب المبايعة قد انعدم بالصلح الواقع بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين أهل مكة وأن هذه الآية نزلت فيما بين ساعة البيعة وبين انعقاد الهدنة وحصل أجر الإيفاء بالنية عدمه لو نزل ما عاهدوا الله عليه. وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر ورويس عن يعقوب {فسنؤتيه} بنون العظمة على الالتفات من الغيبة إلى التكلم. وقرأه الباقون بياء الغيبة عائداً ضميره على اسم الجلالة.