التفاسير

< >
عرض

يَا أَهْلَ ٱلْكِتَابِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ قَدْ جَآءَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ
١٥
يَهْدِي بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ ٱلسَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُمْ مِّنِ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ
١٦
-المائدة

التحرير والتنوير

بعد أن ذكر من أحوال فريقي أهل الكتاب وأنبَائهم ما لا يعرفه غير علمائهم وما لا يستطيعون إنكاره أقبل عليهم بالخطاب بالموعظة؛ إذ قد تهيَّأ من ظهور صدق الرسول صلى الله عليه وسلم ما يسهّل إقامة الحجّة عليهم، ولذلك ابتدىء وصفُ الرسول بأنّه يبيَّن لهم كثيراً ممّا كانوا يخفون من الكتاب، ثم أعقبه بأنَّه يعفو عن كثير.

ومعنى {يعفو} يُعرض ولا يُظهر، وهو أصل مادّة العفو. يقال: عفا الرسم، بمعنى لم يظهر، وعفاه: أزال ظهوره. ثم قالوا: عفا عن الذنب، بمعنى أعرض، ثم قالوا: عفا عن المذنب، بمعنى ستر عنه ذنبه،ويجوز أن يراد هنا معنى الصفح والمغفرة، أي ويصفح عن ذنوب كثيرة، أي يبيّن لكم دينكم ويعفو عن جلهكم.

وجملة {قد جاءكم من الله نور} بدل من جملة {قد جاءكم رسولنا} بدل اشتمال، لأنّ مجيء الرسول اشتمَل على مجيء الهُدى والقرآن، فوزانها وزان (عِلمُه) من قولهم: نفعني زيد علمه، ولذلك فصلت عنها، وأعيد حرف (قَد) الداخل على الجملة المبدل منها زيادة في تحقيق مضمون جملة البدل، لأنّ تعلّق بدل الاشتمال بالمبدل منه أضعف من تعلّق البدل المطابق.

وضمير {به} راجع إلى الرسول أو إلى الكتاب المبين.

وسُبلُ السلام: طرق السلامة الّتي لا خوف على السائر فيها. وللعرب طرق معروفة بالأمن وطرق معروفة بالمخافة، مثل وادي السباع، الذي قال فيه سُحيم بن وثيل الرياحي:

ومررتُ على وادي السباع ولا أرىكوادِي السباع حين يُظلِم وادِيا
أقَلّ به ركبٌ أتـــوهَ تَئِيَّــةًوأخوفَ إلاّ ما وقى اللّهُ ساريا

فسبيل السلام استعارة لطرق الحقّ. والظلماتُ والنّور استعارة للضلال والهدى. والصراط المستقيم مستعار للإيمان.