التفاسير

< >
عرض

وَإِذَآ أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةً مِّن بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَّكْرٌ فِيۤ آيَاتِنَا قُلِ ٱللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ
٢١
هُوَ ٱلَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَآءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَآءَهُمُ ٱلْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَـٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّاكِرِينَ
٢٢
فَلَمَّآ أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ مَّتَاعَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ
٢٣
-يونس

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

وقوله {أَذَقْنَا} من الذوق وحقيقته إدراك الطعام ونحوه بالذوق باللسان واستعمل هنا على سبيل المجاز فى إدراك ما يسر وما يؤلم من المعنويات كالرحمة والضراء.
قال الآلوسى "والمراد بالناس كفار مكة على ما قيل، لما روى من أن الله - تعالى - سلط عليهم القحط سبع سنين، حتى كادوا يهلكون فطلبوا منه أن يدعو لهم بالخصب، ووعدوه بالإِيمان، فلما دعا لهم ورحمهم الله - تعالى - بالمطر، طفقوا يطعنون فى آياته - تعالى - ويعاندون نبيه - صلى الله عليه وسلم -.
وقيل: إن الناس عام لجميع الكفار".
والضراء من الضر، وهو ما يصيب الإِنسان فى نفسه من أمراض وأسقام.
والمكر: هو التدبير الخفى الذى يفضى بالممكور به إلى ما لا يتوقعه من مضرة وكيد.
والمعنى: وإذا أذقنا الناس منا رحمة كأن منحناهم الصحة والسعادة والغنى من بعد ضراء أصابتهم فى أنفسهم أو فيمن يحبون، ما كان منهم إلا المبادرة إلى الطعن فى آياتنا الدالة على قدرتنا، والاستهزاء بها والتهوين من شأنها.
وأسند إذاقته الرحمة إلى ضمير الجلالة، وأسند المساس إلى الضراء، رعاية للأدب مع الله - تعالى -، لأنه وإن كان كل شىء من عنده، إلا أن الأدب معه - سبحانه - يقتضى إسناد الخير إليه والشر إلى غيره كما فى قوله - تعالى -:
{ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ } وفى الحديث: "اللهم إن الخير بيديك والشر ليس إليك" .
وإذا الأولى شرطية، والثانية فجائية والجملة بعدها جواب الشرط.
وجاء التعبير بإذا الفجائية فى الجواب، للإِشارة إلى توغلهم فى الجحود والكنود فهم بمجرد أن حلت النعمة بهم محل النقمة، عادوا إلى عنادهم وجهلهم، ونسبوا كل خير إلى غيره - تعالى -.
قال الرازى: "واعلم أنه - تعالى - ذكر هذا المعنى بعينه فيما تقدم من هذه السورة وفى قوله - تعالى -
{ وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إِلَىٰ ضُرٍّ مَّسَّهُ... } إلا أنه - تعالى - زاد فى هذه الآية التى نحن بصدد تفسيرها دقيقة أخرى ما ذكرها فى تلك الآية، وتلك الدقيقة هى أنهم يمكرون عند وجدان الرحمة.
وفى الآية المتقدمة ما كانت هذه الدقيقة مذكورة فثبت بما ذكرنا أن عادة هؤلاء الأقوام اللجاج والعناد والمكر.
وقوله: {قُلِ ٱللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ} أمر من الله - تعالى - لرسوله - صلى الله عليه وسلم - بأن يرد عليهم بما يبطل مكرهم.
أى: قل يا محمد لهؤلاء الجاحدين الذين يسرعون بالمكر فى مقام الشكر، إن الله - تعالى - أسرع مكراً منكم؛ لأنه لا يخفى عليه بشىء من مكركم، ولأن الحفظة من الملائكة يسجلون عليكم أقوالكم وأفعالكم، التى ستحاسبون عليها فى يوم القيامة حساباً عسيراً، وسترون أن مكركم السىء لا يحيق إلا بكم.
وقوله: {أَسْرَعُ} أفعل تفضيل من الفعل الثلاثى سرع - كضخم وحسن -، أو من الفعل الرباعى "أسرع" عند من يرى ذلك.
والجملة الكريمة تحقيق للانتقام منهم. وتنبيه على أن مكرهم الخفى غير خاف على الحفظة من الملائكة فضلا عن الخالق - عز وجل - الذى لا تخفى عليه خافية فى الأرض ولا فى السماء.
وسمى - سبحانه - إنكارهم لآياته واستهزاءهم بها مكراً، لأنهم كانوا كثيراً ما يتجمعون سراً، ليتشاوروا فى المؤامرات التى يعرقولن بها سير الدعوة الإِسلامية، وفى الشبهات التى يوجهونها إلى النبى - صلى الله عليه وسلم -.
ثم ساق - سبحانه - مشهدا حياً. تراه العيون، وتهتز له القلوب، ويجعل المشاعر تتجه إلى الله وحده بالدعاء فقال - تعالى - {هُوَ ٱلَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ...}.
والسير معناه: الانتقال من مكان إلى آخر. والتسيير معناه: جعل الإِنسان أو الحيوان أو غيرهما يسير بذاته، أو بواسطة دابة أو سفينة أو غيرهما، مما سخره الله - تعالى - له بقدرته ورحمته.
أى: هو - سبحانه - الذي يسيركم بقدرته ورحمته فى البر والبحر، بواسطة ما وهبكم من قدرة على السير، أو ما سخر لكم من دواب وسفن وغيرهما مما تستعملونه فى سفركم، وكل ذلك من أجل مصلحتكم ومنفعتكم.
ثم قال - تعالى - {حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا...}.
والفلك: ما عظم من السفن. ويستعمل هذا اللفظ عند كثير من العلماء للواحد والجمع. والظاهر أن المراد به هنا الجمع، بدليل قوله {وَجَرَيْنَ} أى: السفن.
والمراد بالريح الطيبة: الريح المناسبة لسير السفن، والموافقة لاتجاهها.
أى: هو - سبحانه - وحده الذى ينقلكم من مكان إلى آخر فى البر والبحر، حتى إذا كنتم فى إحدى مرات تسييركم راكبين فى السفن التى سخرها لكم، وجرت هذه السفن بمن فيها بسبب الريح الطيبة إلى المكان الذى تقصدونه، وأنتم فى حالة فرح غامر، وسرور شامل.. {جَآءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَآءَهُمُ ٱلْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِم...}.
والريح العاصف: هى الريح الشديدة القوية. يقال: عصفت الريح واعصفت فهى عاصف إذا اشتدت فى سرعتها وهيجانها.
والموج: ما ارتفع من مياه البحار، والظن هنا بمعنى اليقين أو الاعتقاد الراجح، وقوله: {أُحِيطَ بِهِمْ} أى: أحاط بهم البلاء من كل ناحية. يقال لمن وقع فى بلية: قد أحيط به. وأصل هذا أن العدو إذا أحاط بعدوه جعله على حافة الهلاك.
أى بعد أن جرت السفن بهؤلاء القوم فى البحر وهم فى فرح وحبور، جاءت إليهم ريح عاصفة شديدة السرعة والتقلب، وارتفع إليها الموج من كل مكان، واعتقد ركابها - الذين كانوا منذ قليل فرحين مبتهجين - أنهم قد أحاط بهم الهلاك كما يحيط العدو بعدوه.
وقوله: {بهم} فيه التفات من الخطاب إلى الغيبة، لأنه كان الظاهر أن يقال: حتى إذا كنتم فى الفلك وجرين بكم. لكن جاء الكلام على أسلوب الالتفات للمبالغة فى تقبيح أحوالهم، وسوء صنيعهم.
قال صاحب الكشاف "فإن قلت: ما فائدة صرف الكلام من الخطاب إلى الغيبة؟ قلت: المبالغة، كأنه يذكر لغيرهم حالهم ليعجبهم منها، ويستدعى منهم الإِنكار والتقبيح".
وقوله: {دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَـٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّاكِرِينَ} بيان لما قالوه بعد أن داهمتهم الرياح العاصفة، والأمواج العالية وبعد أن أيقنوا أنهم على حافة الموت.
أى فى تلك الساعات العصيبة، واللحظات الحرجة، توجهوا إلى الله وحده قائلين: نقسم لك يا ربنا، ويا من لا يعجزك شىء، لئن أنجيتنا من تلك الأهوال التى نحن فيها، لنكونن من الشاكرين لك، المطيعين لأمرك، المتبعين لشرعك.
وهنا، وبعد الدعاء العريض، هدأت العاصفة. وانخفضت الأمواج، وسكنت النفوس بعض السكون، ووصلت السفن إلى شاطئ الأمان فماذا كانت النتيجة؟
كانت النتيجة كما صورها القرآن الكريم: {فَلَمَّآ أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ..}
أى: فحين أنجاهم الله - تعالى - بفضله ورحمته من هذا الكرب العظيم الذى كانوا فيه، إذا هم يسعون فى الأرض فساداً. ويرتكبون البغى الفاضح الذى لا يخفى قبحه على أحد.
وقيد البغى بكونه بغير الحق، لأنه لا يكون إلا كذلك، إذ البغى معناه: تجاوز الحق، يقال: بغى الجرح إذا تجاوز حده فى الفساد.
فقوله: {بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ} تأكيد لما يفيد البغى من التعدى والظلم، فهو بغى ظاهر سافر لا يخفى قبحه على أحد.
وقيل قيده بذلك يخرج البغى على الغير فى مقابلة بغيه. فإنه يسمى بغيا فى الجملة، لكنه بحق. وهو قول ضعيف، لأن دفع البغى لا يسمى بغيا وإنما يسمى إنصافا من الظالم، ولذا قال القرآن الكريم:
{ وَلَمَنِ ٱنتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِّن سَبِيلٍ } وجاء التعبير بالفاء وإذا الفجائية، للإِشعار بأنهم قوم بلغ بهم اللؤم والجحود، أنهم بمجرد أن وطئت أقدامهم بر الأمان، نسوا ما كانوا فيه من أهوال، وسارعوا إلى الفساد فى الأرض، دون أن يردعهم رادع، أو يصدهم ترغيب أو ترهيب.
والتعبير بقوله {فِي ٱلأَرْضِ} للإِشارة إلى أن بغيهم قد شمل أقطارها، ولم يقتصر على جانب من جوانبها.
وقوله - سبحانه - {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ مَّتَاعَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} خطاب منه - سبحانه - لأولئك البغاة فى كل زمان ومكان، قصد به التهديد والوعيد.
أى: يأيها الناس الذين تضرعوا إلينا فى ساعات الشدة، وهرولوا إلى البغى بعد زوال تلك الشدة، اعلموا أن بغيكم هذا مرجعه إليكم لا إلى غيركم فأنتم وحدكم الذين ستتحملون سوء عاقبته فى الدنيا والآخرة.
واعلموا أن هذا البغى إنما تتمتعون به متاع الحياة الدنيا التى لا بقاء لها، وإنما هى إلى زوال وفناء.
واعلموا كذلك أن مردكم إلينا بعد هذا التمتع الفانى. فنخبركم يوم الدين بكل أعمالكم، وسنجازيكم عليها بالجزاء الذى تستحقونه.
وقوله: {إِنَّمَا بَغْيُكُمْ} مبتدأ وخبره {عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ} أى هو عليكم فى الحقيقة لا على الذين تبغون عليهم.
وقوله: {مَّتَاعَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا}: قرأ حفص عن عاصم {مَّتَاعَ} بفتح العين على أنه مصدر مؤكد لفعل مقدر. أى: تتمتعون به متاع الحياة الدنيا الزائلة الفانية.
وقرأ الجمهور بالرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف والتقدير: هو متاع الحياة الدنيا. وقوله: {ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} تذييل قصد به تهديدهم على بغيهم، ووعيدهم عليه بسوء المصير حتى يرتدعوا وينزجروا.
هذا، ومن الأحكام والآداب التى أخذها العلماء من هذه الآيات ما يأتى:
1 - أن من الواجب على العاقل أن يكثر من ذكر الله فى حالتى الشدة والرخاء، وأن لا يكون ممن يدعون الله عند الضر وينسونه عند العافية، ففى الحديث الشريف:
"تعرف إلى الله فى الرخاء يعرفك فى الشدة" .



2 - أن الناس جيلوا على الرجوع إلى الله وحده عند المصائب والمحن، وفى ذلك يقول الآلوسى: "روى أبو داود والنسائى وغيرهما عن سعد بن أبى وقاص قال: لما كان يوم الفتح فر عكرمة بن أبى جهل فركب البحر فأصابتهم ريح عاصف، فقال أصحاب السفينة لركابها: أخلصوا فإن آلهتكم لا تغنى عنكم شيئاً. فقال عكرمة: لئن لم ينجنى فى البحر إلا الإِخلاص، ما ينجينى فى البر غيره. اللهم إن لك عهدا إن أنت عافيتنى مما أنا فيه أن آتى محمدا حتى أضع يدى فى يده، فلأجدنه عفوا كريما. قال: فجاء فأسلم.
وفى رواية ابن سعد عن أبى مليكة: أن عكرمة لما ركب السفينة وأخذتهم الريح فجعلوا يدعون الله - تعالى - ويوحدونه فقال: ما هذا؟ فقالوا: هذا مكان لا ينفع فيه إلا الله - تعالى -. قال: "فهذا ما يدعونا إليه محمد - صلى الله عليه وسلم - فارجعوا بنا". فرجع وأسلم...".
وقال الفخر الرازى: "يحكى أن واحدا قال لجعفر الصادق: اذكر لى دليلا على إثبات الصانع؟ فقال له: أخبرنى عن حرفتك: فقال: أنا رجل أتجر فى البحر. فقال له: صف لى كيفية حالك. فقال: ركبت البحر فانكسرت السفينة وبقيت على لوح واحد من ألواحها، وجاءت الرياح العاصفة. فقال جعفر: هل وجدت فى قلبك تضرعا ودعاء. فقال: نعم. فقال جعفر: فإلهك هو الذى تضرعت إليه فى ذلك الوقت".
وقد ساق صاحب المنار قصة ملخصها "أن رجلا إنجليزيا قرأ ترجمة قوله - تعالى - {هُوَ ٱلَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ} فراعته بلاغة وصفها لطغيان البحر.. وكان يعمل قائدا لإحدى السفن.. فسأل بعض المسلمين: أتعلمون أن نبيكم - صلى الله عليه وسلم - قد سافر فى البحار؟ فقالوا له: لا .. فأسلم الرجل لأنه اعتقد أن القرآن ليس من كلام البشر وإنما هو كلام الله - تعالى ..".
3 - دل قوله - تعالى - {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ...} على أن البغى يجازى أصحابه عليه فى الدنيا والآخرة.
فأما فى الآخرة فهو ما دل عليه إنذار أهله بأنه - سبحانه - سيجازيهم عليه أسوأ الجزاء.
وأما فى الدنيا فبدليل قوله - تعالى - {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ} ويؤيده ما رواه البخارى فى الأدب المفرد والترمذى وابن ماجه والحاكم من حديث أبى بكر الصديق - رضى الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:
"ما من ذنب يعجل الله لصاحبه العقوبة فى الدنيا مع ما يدخر له فى الآخرة سوى البغى وقطيعة الرحم" .
قال الآلوسى: وفى الآية من الزجر عن البغى ما لا يخفى "فقد أخرج أبو نعيم والخطيب والديلمى وغيرهم عن أنس قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ثلاث هن رواجع على أهلها: المكر والنكث والبغى" ثم تلا - صلى الله عليه وسلم - تعالى - {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ}. وقوله - تعالى - { فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ } وقوله - تعالى - { وَلاَ يَحِيقُ ٱلْمَكْرُ ٱلسَّيِّىءُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ } ) . وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس وابن عمر قالا: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لو بغى جبل على جبل لدك الباغى منهما" .
وكأن المأمون يتمثل بهذين البيتين لأخيه:

يا صاحب البغى إن البغى مصرعهفارجع فخير فعال المرء أعدله
فلو بغى جبل يوما على جبل لاندك منه أعاليه وأسفله

ثم ساق - سبحانه - مثلا لمتاع الحياة الدنيا الزائل، ولزخرفها الفانى، فقال - تعالى - :
{إِنَّمَا مَثَلُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنزَلْنَاهُ...}