التفاسير

< >
عرض

وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُوۤاْ إِلاَّ سَاعَةً مِّنَ ٱلنَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَآءِ ٱللَّهِ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ
٤٥
وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ ٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ
٤٦
وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ فَإِذَا جَآءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِٱلْقِسْطِ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ
٤٧
وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ
٤٨
قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ
٤٩
-يونس

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

وقوله - سبحانه -: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُوۤاْ إِلاَّ سَاعَةً مِّنَ ٱلنَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ} بيان لأحوالهم السيئة عند جمعهم لحساب يوم القيامة.
إذ الحشر - كما يقول الراغب - إخراج الجماعة عن مقرهم وإزعاجهم عنه إلى الحرب ونحوها".
والمراد به هنا: إخراج الناس من قبورهم وجمعهم فى الموقف لحسابهم على أعمالهم الدنيوية.
والمقصود بالساعة هنا: المدة القليلة من الزمان، فقد جرت العادة أن يضرب بها المثل فى الوقت القصير.
والمعنى: واذكر يا أيها الرسول الكريم، وذكرهؤلاء المشركين الذين عموا وصموا عن الحق، يوم يجمعهم الله - فى الآخرة للحساب والعقاب، فيشتد كربهم، وينسون تلك الملذات والشهوات.. التي استمتعوا بها فى الدنيا، حتى لكأنهم لم يلبثوا فيها وفى قبورهم، إلا ساعة من النهار أى: إلا مدة قصيرة من النهار، يتعارفون بينهم، أى: لا تتسع تلك المدة إلا للتعارف فيما بينهم.
وقوله: {كَأَن لَّمْ يَلْبَثُوۤا} جملة حالية من ضمير الجمع فى يحشرهم.
وخصت الساعة بكونها من النهار، لأنها أعرف لهم من ساعات الليل.
والمقصود بالتشبيه: بيان أن هذه السنوات الطويلة التى قضاها هؤلاء المشركون فى الدنيا يتمتعون بلهوها ولعبها، ويستبعدون معها أن هناك بعثا وحسابا.. قد زالت عن ذاكرتهم فى يوم القيامة، حتى لكأنهم لم يمكثوا فيها سوى وقت قصير لا يتسع لأكثر من التعارف القليل مع الأقارب والجيران والأصدقاء، حتى لكأن ذلك النعيم الذى تقلبوا فيه دهراً طويلا لم يروه من قبل...
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - فى سورة الأحقاف:
{ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوۤاْ إِلاَّ سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ } وقوله - سبحانه، فى سورة الروم { وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُقْسِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ } فإن قيل: إن هناك بعض الآيات ذكرت أنهم عندما يسألون يحسبون بأنهم لبثوا فى الدنيا يوما أو بعض يوم، أو عشية أو ضحاها كما فى قوله - تعالى -: { قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فى ٱلأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ. قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ } وكما فى قوله - تعالى - { كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوۤاْ إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا } فكيف نجمع بين هذه الآيات التى اختلفت إجابتهم فيها؟
فالجواب: أن أهل الموقف يختلفون فى تقدير الزمن الذى لبثوه فى الدنيا على حسب اختلاف أحوالهم، وعلى حسب أهوال كل موقف، فإن فى يوم القيامة مواقف متعددة بعضها أشد من بعض.
وقوله {يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ} جملة حالية أيضا من ضمير الجمع فى يحشرهم.
قال القرطبى: "وهذا التعارف توبيخ وافتضاح، يقول بعضهم لبعض: أنت أضللتنى وأغويتنى وحملتنى على الكفر، وليس تعارف شفقة ورحمة وعطف... والصحيح أنه لا ينقطع هذا التعارف التوبيخى عند مشاهدة أهوال القيامة، لقوله - تعالى -
{ وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ ٱلْقَوْلَ } )... فأما قوله: { وَلاَ يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً } وأشباهه فمعناه: لا يسأله سؤال رحمة وشفقة.."
وقوله: {قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَآءِ ٱللَّهِ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ} جملة مستأنفة مسوقة لبيان حكم الله عليهم فى آخرتهم بعد أن ضيعوا دنياهم.
والمراد بلقاء الله: مطلق الحساب والجزاء الكائن فى يوم القيامة.
أى: أن هؤلاء الأشقياء الذين أعرضوا عن الحق وأنكروا الحشر، قد خسروا سعادتهم الأبدية، وحق عليهم العذاب المهين، بسبب كفرهم وطغيانهم، وعدم اهتدائهم إلى طريق النجاة.
وقوله: {وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ} تأكيد لخسرانهم، ولوقوع العذاب بهم، وتسلية للرسول - صلى الله عليه وسلم - عما أصابه منهم و "إن" شرطية. و "ما" مزيدة لتأكيد معنى الشرط، وجملة {فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ} جواب للشرط وما عطف عليه.
والمعنى: إن هؤلاء المشركين الذين ناصبوك العداوة أيها الرسول الكريم لا يخفى علينا أمرهم ونحن إما نرينك ببصرك بعض الذى نعدهم به من العذاب الدنيوى، وإما نتوفينك، قبل ذلك، وفى كلتا الحالتين فإن مرجعهم إلينا وحدنا فى الآخرة، فنعاقبهم العقوبة التى يستحقونها.
وقال - سبحانه - {بَعْضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمْ} للإِشارة إلى أن ما سينزل بهم من عذاب دنيوى، هو جزء من العذاب المدخر لهم فى الآخرة.
وقد أنجز الله - تعالى - وعده لنبيه - صلى الله عليه وسلم - فسلط عليهم القحط والمجاعة، حتى كانوا لشدة جوعهم يرون كأن بينهم وبين السماء دخانا. ونصر المسلمين عليهم فى غزوتى بدر والفتح، وكل ذلك حدث فى حياة النبى - صلى الله عليه وسلم.
وقال - سبحانه - {بَعْضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمْ} ولم يقل بعض الذى وعدناهم، لاستحضار صورة العذاب، والدلالة على تجدده واستمراره.
أى: نعدهم وعدا متجددا على حسب ما تقتضيه حكمتنا ومشيئتنا، من إنذار عقب إنذار، ومن وعيد بعد وعيد.
والمراد من الشهادة فى قول {ثُمَّ ٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ} لازمها وهو المعاقبة والمجازاة، فكأنه - سبحانه - يقول: ثم الله - تعالى - بعد ذلك معاقب لهم على ما فعلوه من سيئات، وما يرتكبونه من منكرات.
قال صاحب الكشاف: "فإن قلت: الله شهيد على ما يفعلون فى الدارين فما معنى ثم؟
قلت: ذكرت الشهادة والمراد مقتضاها ونتيجتها وهو العقاب، فكأنه قال: ثم الله معاقبهم على ما يفعلون. ويجوز أن يراد أن الله مؤد شهادته على أفعالهم يوم القيامة حين ينطق جلودهم وألسنتهم وأيديهم فتكون شاهدة عليهم".
هذا، وفى معنى هذه الآية وردت آيات أخرى منها قوله - تعالى -:
{ وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلاَغُ وَعَلَيْنَا ٱلْحِسَابُ } وقوله - تعالى - { فَٱصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ فَـإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ } ثم بين - سبحانه - أن من مظاهر رحمته بعباده، أن جعل لكل أمة رسولا يهديها إلى الحق وإلى الطريق المستقيم فقال - تعالى -: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ فَإِذَا جَآءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِٱلْقِسْطِ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ}.
أى: أنه - سبحانه - اقتضت حكمته ورحمته أن يجعل لكل جماعة من الناس، رسولا يبلغهم ما أمره الله بتبليغه، ويشهد عليهم بذلك يوم القيامة، فإذا جاء رسولهم وشهد بأنه قد بلغهم ما أمره الله به، قضى - سبحانه - بينه وبينهم بالعدل، فحكم بنجاة المؤمن وبعقوبة الكافر، ولا يظلم ربك أحدا.
قال الإِمام ابن كثير عند تفسير لهذه الآية "فكل أمة تعرض على الله - تعالى - بحضرة رسولها، وكتاب أعمالها من خير أو شر شاهد عليهم، وحفظتهم من الملائكة شهود أيضا أمة بعد أمة، وهذه الأمة الشريفة وإن كانت آخر الأمم فى الخلق، إلا أنها أول الأمم يوم القيامة، يفصل بينهم ويقضى لهم كما جاء فى الصحيحين عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:
"نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، المقضى لهم قبل الخلائق، فأمته إنما حازت قصب السبق بشرف رسولها - صلوات الله وسلامه عليه دائماً إلى يوم الدين" .
وقوله: {وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} حكاية لأقوالهم الدالة على طغيانهم وفجورهم.
أى: أن هؤلاء لم يكتفوا بالإِعراض عن دعوة الحق، بل قالوا لرسولهم - صلى الله عليه وسلم - الذى حذرهم من عذاب الله إذا ما استمروا فى كفرهم: متى يقع علينا هذا العذاب الأليم الذى تهددنا؟ إننا نتعجله فأت به إن كنت أنت وأصحابك من الصادقين فى دعواكم أن هناك عذابا ينتظرنا.
وهذا القول منهم يدل على توغلهم فى الكفر والجحود، وعدم اكتراثهم بما يخبرهم به الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
ولذا أمر الله تعالى: رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يرد عليهم فقال: {قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ...}.
أى: قل يا محمد لهؤلاء الجاهلين المتعاجلين للعذاب: إننى لا أملك لنفسى - فضلا عن غيرها - شيئا من الضر فأدفعه عنها، ولا شيئا من النفع فأجلبه لها، لكن الذى يملك ذلك هو الله وحده، فهو - سبحانه - الذى يملك أن ينزل العذاب بكم فى أى وقت يشاء، فلماذا تطلبون منى ما ليس فى قدرتى. وعلى هذا التفسير يكون الاستثناء منقطعا.
ويجوز أن يكون متصلا فيكون المعنى: قل لهم يا محمد إننى لا أملك لنفسى شيئا من الضر أو النفع، إلا ما شاء الله - تعالى - أن يجعلنى قادرا عليه منهما، فإننى أملكه بمشيئته وإرادته.
وقدم - سبحانه - الضر على النفع هنا، لأن الآية مسوقة للرد على المشركين، الذين تعجلوا نزول العذاب الذى هو نوع من الضر.
أما الآية التى فى سورة الأعراف، وهى قوله - تعالى - {قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ..} فقد قدم النفع على الضر، لأنها مسوقة لبيان الحقيقة فى ذاتها. وهى أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لا يملك لنفسه شيئا من التصرف فى هذا الكون، وللإِشعار بأن النفع هو المقصود بالذات من تصرفات الإِنسان.
وقوله: {لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ} تأكيد لما قبله، وتقرير لقدرة الله - تعالى - النافذة.
أى: لكل أمة من الأمم أجل قدره الله - تعالى - لانتهاء حياتها، فإذا حان وقت هذا الأجل هلكت فى الحال دون أن تتقدم على الوقت المحدد لموتها ساعة أو تتأخر أخرى.
* * *
ثم ساقت السورة الكريمة ألوانا أخرى من الأجوبة التى لقنها الله - تعالى - لرسوله - صلى الله عليه وسلم - لكى يرد بها على المشركين الذين تعجلوا العذاب كما صورت أحوالهم عندما يرون العذاب، فقال - تعالى -:
{قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتاً أَوْ نَهَاراً...}