التفاسير

< >
عرض

إِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا وَرَضُواْ بِٱلْحَيٰوةِ ٱلدُّنْيَا وَٱطْمَأَنُّواْ بِهَا وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ
٧
أُوْلَـٰئِكَ مَأْوَاهُمُ ٱلنَّارُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ
٨
إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ ٱلأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ
٩
دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ ٱللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ
١٠
-يونس

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

قال الإِمام الرازى: "اعلم أنه - تعالى - لما أقام الدلائل على صحة القول بإثبات الإِله القادر الرحيم الحكيم، وعلى صحة القول بالمعاد والحشر والنشر، شرع بعده فى شرح أحوال من يكفر بها وفى شرح أحوال من يؤمن بها".
والمراد بلقائه - سبحانه - الرجوع إليه يوم القيامة للحساب والجزاء. والمعنى: إن الذين لا يرجون ولا يتوقعون لقاءنا يوم القيامة لحسابهم على أعمالهم فى الدنيا {وَرَضُواْ بِٱلْحَياةِ ٱلدُّنْيَا} رضاء جعلهم لا يفكرون إلا فى التشبع من زينتها ومتعها، وأطمأنوا بها، اطمئنانا صيرهم يفرحون بها ويسكنون إليها {وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا} التنزيلية والكونية الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا {غافلون} بحيث لا يخطر على بالهم شىء مما تدل عليه هذه الآيات من عبر وعظات.
فأنت ترى أن الله - تعالى - قد وصف هؤلاء الأشقياء بأربع صفات ذميمة.
وصفهم - أولا - بعدم الرجاء فى لقاء الله - بأن صاروا لا يطمعون فى ثواب، ولا يخافون من عقاب، لإِنكار الدار الآخرة.
ووصفهم - ثانيا - بأنهم رضوا بالحياة الدنيا، بأن أصبح همهم محصورا فيها، وفى لذائذها وشهواتها.
قال الإِمام الرازى: "واعلم أن الصفة الأولى إشارة إلى خلو قلبه عن اللذات الروحانية، وفراغه عن طلب السعادات الحاصلة بالمعارف الربانية، وأما هذه الصفة الثانية فهى إشارة إلى من استغرقه الله فى طلب اللذات الجسمانية واكتفائه بها، واستغراقه فى طلبها".
ووصفهم - ثالثا - بأنهم اطمأنوا بهذه الحياة، اطمئنان الشخص إلى الشىء الذى لا ملاذ له سواه، فإذا كان السعداء يطمئنون إلى ذكر الله، فإن هؤلاء الأشقياء ماتت قلوبهم عن كل خير، وصارت لا تطمئن إلا إلى زينة الحياة الدنيا.
ووصفهم - رابعا - بالغفلة عن آيات الله التى توقظ القلب، وتهدى العقل، وتحفز النفس إلى التفكير والتدبير.
وبالجملة فهذه الصفات الأربعة تدل دلالة واضحة على أن هؤلاء الأشقياء قد آثروا دنياهم على أخراهم، واستحبوا الضلالة على الهدى، واستبدلوا الذى هو أدنى بالذى هو خير.
فماذا كان مصيرهم كما بينه - سبحانه - فى قوله: {أُوْلَـٰئِكَ مَأْوَاهُمُ ٱلنَّارُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ}.
أى: أولئك المتصفون بتلك الصفات الخسيسة، مقرهم وملجأهم الذى يلجأون إليه النار وبئس القرار، بسبب ما اجترحوه من سيئات وما اقترفوه من منكرات.
هذه هى صفات هؤلاء الأشقياء، وذلك هو جزاؤهم العادل، أما السعداء فقد بين الله - تعالى - بعد ذلك صفاتهم وثوابهم فقال - تعالى -: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ}.
أى: آمنو بما يجب الإِيمان به، وعملوا فى دنياهم الأعمال الصالحة التى ترفع درجاتهم عند ربهم.
{يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ} أى يرشدهم ربهم ويوصلهم بسبب إيمانهم وعملهم الصالح إلى غايتهم وهى الجنة.
وإنما لم تذكر تعويلا على ظهورها وانسياق النفس إليها، بعد أن عرف أن مأوى الكافرين النار وبئس القرار..
قال الإِمام ابن كثير: "يحتمل أن تكون الباء فى قوله {بإيمانهم} للسببية، فيكون التقدير بسبب إيمانهم فى الدنيا يهديهم الله يوم القيامة إلى الصراط المستقيم حتى يجوزوه ويخلصوا إلى الجنة، ويحتمل أن تكون للاستعانة كما قال مجاهد: {يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ}: أى: يكون إيمانهم لهم نورا يمشون به وقال ابن جريج فى الآية: يمثل له عمله فى صورة حسنة وريح طيبة إذا قام من قبره يعارض صاحبه ويبشره بكل خير فيقول له من أنت؟ فيقول أنا عملك، فيجعل له نوره من بين يديه حتى يدخله الجنة، فذلك قوله - تعالى - {يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ}. والكافر يمثل له عمله فى صورة سيئة. وريح منتنة فيلزم صاحبه حتى يقذفه فى النار.."
وقوله: {تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ ٱلأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ ٱلنَّعِيمِ} أى: تجرى من تحت منازلهم أو مقاعدهم الأنهار، وهم آمنون مطمئنون فى الجنات، يتنعمون فيها بما لا عين رأت ولا أذن سمعت. ولا خطر على قلب بشر.
وقوله: {دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ ٱللَّهُمَّ} أى: دعاؤهم فى هذه الجنات يكون بقولهم: سبحانك اللهم. فالدعوى ها هنا بمعنى الدعاء. يقال: دعا يدعو دعاء ودعوى. كما يقال: شكا يشكو شكاية وشكوى.
ولفظ سبحان: اسم مصدر بمعنى التسبيح وهو منصوب بفعل مضمر لا يكاد يذكر معه.
ولفظ اللهم أصله يا الله، فلما استعمل دون حرف النداء الذى هو "يا" جعلت هذه الميم المشددة فى آخره عوضا عن حرف النداء.
قال الإِمام الرازى: "ومما يقوى أن المراد من الدعوى هنا الدعاء، أنهم قالوا: اللهم. وهذا نداء الله - تعالى - ومعنى قولهم: سبحانك اللهم. إنا نسبحك. كقول القانت فى دعاء القنوت "اللهم إياك نعبد".
ثم قال: ويجوز أن يراد بالدعاء العبادة، ونظيره قوله - تعالى -:
{ وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ } أى: وما تعبدون، فيكون معنى الآية: أنه لا عبادة لأهل الجنة إلا أن يسبحوا الله ويحمدوه، ويكون اشتغالهم بذلك الذكر لا على سبيل التكليف، بل على سبيل الابتهاج بذكر الله - تعالى -".
وقوله {وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ} معطوف على ما قبله. والتحية: التكرمة بالحال الجليلة، وأصلها أحياك الله حياة طيبة. والسلام: بمعنى السلامة من كل مكروه.
أى: دعاؤهم فى الجنة أن يقولوا سبحانك اللهم. وتحيتهم التى يحيون بها هى السلامة من كل مكروه.
وهذه التحية تكون من الله - تعالى - لهم كما فى قوله - سبحانه -
{ تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلاَمٌ } وتكون من الملائكة كما فى قوله - تعالى -: { وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ. سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ } وتكون منهم فيما بينهم كما يتبادر من قوله - تعالى - { لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إِلاَّ سَلاَماً... } وقوله: {وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} أى: وختام دعائهم يكون بقولهم: الحمد لله رب العالمين.
قال الإِمام القرطبى ما ملخصه: "ويؤخذ من هذه الآية الكريمة أن التهليل والتسبيح والحمد قد يسمى دعاء".
روى الشيخان عن ابن عباس
"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم - كان يقول عند الكرب: لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات والأرض، ورب العرش الكريم" . قال الطبرى: كان السلف يدعون بهذا الدعاء ويسمونه دعاء الكرب.
والذى يقطع النزاع ويثبت أن هذا يسمى دعاء، وإن لم يكن فيه من معنى الدعاء شىء، وإنما هو تعظيم لله - تعالى - وثناء عليه، ما رواه النسائى عن سعد بن أبى وقاص قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
"دعوة ذى النون إذ دعا بها فى بطن الحوت لا إله إلا أنت سبحانك إنى كنت من الظالمين، فإنه لن يدعو بها مسلم فى شىء إلا استجيب له" .
ويستحب للداعى أن يقول فى آخر دعائه كما قال الله - تعالى - حكاية عن أهل الجنة: {وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ}.
* * *
ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر لطفه ورحمته بالناس، وما جبلوا عليه من صفات وطبائع فقال - تعالى - :
{وَلَوْ يُعَجِّلُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ ٱلشَّرَّ...}.