التفاسير

< >
عرض

وَأَمَّا ٱلَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي ٱلْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ
١٠٨
فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّمَّا يَعْبُدُ هَـٰؤُلاۤءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُم مِّن قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنقُوصٍ
١٠٩
وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَابَ فَٱخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ
١١٠
وَإِنَّ كُـلاًّ لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ
١١١
فَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
١١٢
وَلاَ تَرْكَنُوۤاْ إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ
١١٣
وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَاتِ ذٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ
١١٤
وَٱصْبِرْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ
١١٥
-هود

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

قال الفخر الرازى: اعلم أنه - تعالى - لما شرح أقاصيص عبدة الأوثان ثم أتبعه بأحوال الأشقياء وأحوال السعداء شرح للرسول صلى الله عليه وسلم - أحوال الكفار من قومه فقال: {فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ..} والمعنى: فلا تكن، إلا أنه حذف النون لكثرة الاستعمال، ولأن حرف النون إذا وقع على طرف الكلام، لم يبق عند التلفظ به إلا مجرد الغنة، فلا جرم أسقطوه..".
والمرية بكسر الميم - الشك المتفرع عن محاجة ومجادلة بين المتخاصمين.
والمعنى: لقد قصصنا عليك أيها الرسول الكريم الكثير من أخبار السابقين وبينا لك مصير السعداء والأشقياء... وما دام الأمر كذلك، فلا تك فى شك من أن عبادة هؤلاء المشركين لأصنامهم إنما هى تقليد لما كان يعبده آباؤهم من قبل، وهذه العبادة لغير الله - تعالى - ستؤدى بالجميع إلى سوء العاقبة وإلى العذاب الأليم.
والخطاب وإن كان للرسول - صلى الله عليه وسلم - على سبيل التسلية والتثبيت، إلا أن التحذير فيه يندرج تحته كل من يصلح للخطاب.
وهذا الأسلوب كثير ما يكون أوقع فى النفس، وأشد تأثيراً فى القلب، لأنه يشعر المخاطب بأن ما بينه الله - تعالى - لرسوله - صلى الله عليه وسلم - إنما هو من قبيل القضايا الموضوعية التى لا تحتاج إلى جدال مع أحد، ومن جادل فيها فإنما يجادل فى الحق الواضح بدافع الحسد والعناد، لأن الواقع يشهد بصحة ما بينه الله - تعالى - لرسوله - صلى الله عليه وسلم -.
وجملة {مَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُم مِّن قَبْلُ} مستأنفة، لبيان أن الخلف قد ساروا فى الجهالة والجحود على طريقة السلف.
وعبر عن عبادة الآباء بالمضارع، مع أنها كانت فى الماضى بقرينة {مِّن قَبْلُ}. للدلالة على استمرارهم على هذه العبادة الباطلة حتى موتهم، وأن أبناءهم لم ينقطعوا عنها، بل واصلوا السير على طريق آبائهم الضالين بدون تفكر أو تدبر.
والمضاف إليه فى قوله {مِّن قَبْلُ} محذوف، والتقدير: من قبلهم.
وقوله {وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنقُوصٍ} تذييل قصد به تأكيد العقاب الذى سينزل بهم فى الآخرة بسبب عبادتهم لغير الله.
وموفوهم من التوفية، وهى إعطاء الشئ كاملا بدون نقص.
والمراد بالنصيب هنا: المقدار المعد لهم من العذاب، وسماه نصيبا على سبيل التهكم بهم.
أى: وإنا لمعطو هؤلاء الذين نهجوا منهج آبائهم فى عبادة غير الله، نصيبهم وحظهم من عذاب الآخرة كاملا بدون إنقاص شئ منه، كما ساروا هم على طريقة سلفهم فى الضلال دون أن يغيروا شيئا منها...
ومنهم من جعل المراد بالنصيب هنا: ما يشمل الجزاء على الأعمال الدنوية والأخروية.
قال صاحب المنار: "أى، وإنا لمعطوهم نصيبهم من جزاء أعمالهم فى الدنيا والآخرة وافيا تاما لا ينقص منه شئ، كما وفينا آباءهم الأولين من قبل، فإنه ما من خير يعمله أحد منهم كبِِرِّ الوالدين وصلة الأرحام... إلا ويوفيهم الله جزاءهم عليه فى الدنيا بسعة الرزق، وكشف الضر جزاء تاما، لا ينقصه شئ يجزون عليه فى الآخرة...".
ويبدو لنا أن الرأى الأول أقرب إلى الصواب، لأن سياق الآية الكريمة يؤيده إذ الكلام فيها فى شأن جزاء الذين ساروا على نهج آبائهم فى الضلال، وليس فى بيان الجزاء العام فى الدنيا والآخرة.
ثم بين - سبحانه - أن اختلاف الناس فى الحق موجود قبل بعثة النبى - صلى الله عليه وسلم - فقال: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَابَ فَٱخْتُلِفَ فِيهِ..}.
أى: كما اختلف قومك - أيها الرسول الكريم - فى شأن القرآن الكريم فمنهم من وصفه بأنه أساطير الأولين، فقد اختلف قوم موسى من قبلك فى شأن التوراة التى أنزلها الله على نبيهم موسى لهدايتهم، إذ منهم من آمن بها ومنهم من كفر...
وما دام الأمر كذلك، فلا تحزن - أيها الرسول الكريم - لاختلاف قومك فى شأن القرآن الكريم، فإن هذا الاختلاف شأن الناس فى كل زمان ومكان والمصيبة إذا عمت خفت.
فالجملة الكريمة تسلية للرسول - صلى الله عليه وسلم - عما أصابه من مشركى قومه.
وجاء الفعل {اختلف} بصيغة المبنى للمجهول، لأن ذكر فاعل الاختلاف لا يتلعق به غرض، وإنما الذى يتعلق به الغرض هو ما نجم عن هذا الاختلاف من كفر وضلال.
ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر فضله ورحمته بخلقه فقال: {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ...}.
والمراد بالكلمة التى سبقت: تأخير العذاب عنهم إلى يوم القيامة، وعدم إهلاكهم بعذاب الاستئصال فى الدنيا.
قال الشوكانى: قوله - سبحانه - {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ...} أى: لولا أن الله - تعالى - قد حكم بتأخير عذابهم إلى يوم القيامة لما علم فى ذلك من الصلاح، لقضى بينهم، أى: بين قومك، أو بين قوم موسى، فيما كانوا فيه مختلفين، فأثيب المحق وعذب المبطل، أو الكلمة؛ هى أن رحمته سبحانه سبقت غضبه، فأمهلهم ولم يعاجلهم لذلك.
وقيل إن الكلمة هى أنهم لا يعذبون بعذاب الاستئصال، وهذا من جملة التسلية له - صلى الله عليه وسلم -".
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله: {وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ}.
والمريب اسم فاعل من أراب. يقال أربته فأنا أريبه إذا فعلت به فعلا يوجب لديه الريبة والحيرة.
أى: وإن هؤلاء المختلفين فى شأن الكتاب لفى شك منه، وهذا الشك قد أوقعهم فى الريبة والتخبط والاضطراب.
وهذا شأن المعرضين عن الحق، لا يجدون مجالا لنقده وإنكاره، فيحملهم عنادهم وجحودهم على التشكيك فيه، وتأويله تأويلا سقيما يدعو إلى الريبة والقلق.
وبعض المفسرين يرى عودة الضمير فى قوله {وإنهم} إلى قوم موسى، وفى قوله {منه} إلى كتابهم التوراة.
وبعضهم يرى عودة الضمير الأول إلى قوم النبى - صلى الله عليه وسلم - والثانى إلى القرآن الكريم.
والذى يبدو لنا أن الرأى الأول أظهر فى معىن الآية، لأن الكلام فى موسى - عليه السلام - وقومه الذين اختلفوا فى شأن كتابهم التوراة اختلافا كبيرا، وعود الضمير إلى المتكلم عنه أولى بالقبول.
وهذا لا يمنع أن بعض المكذبين للرسول - صلى الله عليه وسلم - كانوا فى شك من القرآن، أوقعهم هذا الشك فى الريبة والحيرة.
فتكون الجملة الكريمة من باب التسلية للرسول - صلى الله عليه وسلم - عما قاله بعض المشركين فى شأن القرآن الكريم.
ثم بين - سبحانه - أن هؤلاء المختلفين فى شأن الكتاب، الشاكين فى صدقه، سوف يجمعهم الله - تعالى - مع غيرهم يوم القيامة للجزاء والحساب على أعمالهم فقال - تعالى - {وَإِنَّ كُـلاًّ لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}.
وقد وردت فى هذه الآية الكريمة عدة قراءات متواترة منها: قراءة ابن عامر وحمزة وحفص عن عاصم بتشديد، إن ولما، وقد قيل فى تخريجها:
إن لفظ، {كلا}، اسم {إن}، والتنوين فيه عوض عن المضاف إليه، واللام فى، {لما}، هى الداخلة فى خبر {إن} وما بعد اللام هو حرف "من " الذى هو من حروف الجر، و "ما" موصولة أو نكره موصوفة والمراد بها من يعقل، فيكون تقدير الكلام: وإن كلا "لمن ما"، فقلبت النون ميما للإِدغام فاجتمع ثلاث ميمات، فحذفت واحدة منها للتخفيف، فصارت "لما" والجار والمجرور خبر "إن"، واللام فى {ليوفينهم}، جواب قسم مضمر، والجملة صلة أو صفة {لما}.
والتقدير: وإن كلا من أولئك المختلفين وغيرهم لمن خلق الله الذين هم بحق ربك ليوفينهم - سبحانه - جزاء أعمالهم دون أن يفلت منهم أحد، إنه - سبحانه - لا يخفى عليه شئ منها.
وفى الآية الكريمة توكيدات متنوعة، حتى لا يشك فى نزول العذاب بالظالمين مهما تأجل، وحتى لا يشك أحد - أيضا - فى أن ما عليه المشركون هو الباطل الذى لا يعرفه الحق، وأنه الكفر الذى تلقاه الخلف عن السلف.
وكان مقتضى حال الدعوة الإِسلامية فى تلك الفترة التى نزلت فيها هذه السورة - وهى فترة ما بعد حادث الإِسراء والمعراج وقبل الهجرة - يستلزم هذه التأكيدات تثبيتا لقلوب المؤمنين، وتوهينا للشرك والمشركين.
قال الإِمام الفخر الرازى عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه: سمعت بعض الأفاضل قال: إنه - تعالى - لما أخبر عن توفية الأجزية على المستحقين فى هذه الآية، ذكر فيها سبعة أنواع من التأكيدات:
أولها: كلمة "إن" وهى للتأكيد، وثانيها كلمة "كل" وهى أيضا للتأكيد، وثالثها: اللام الداخلة على خبر "إن" وهى تفيد التأكيد - أيضا -، ورابعها حرف "ما" إذا جعلناه على قول الفراء موصولا، وخامسها: القسم المضمر فإن تقدير الكلام: وإن جميعهم والله ليوفينهم: وسادسها: اللام الثانية الداخلة على جواب القسم، وسابعها: النون المؤكدة فى قوله "ليوفينهم".
فجميع هذه المؤكدات السبعة تدل على أن أمر القيامة والحساب والجزاء حق..."
ثم أمر الله - تعالى - رسوله - صلى الله عليه وسلم - وأتباعه بالتزام الصراط المستقيم فقال - سبحانه -: {فَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}.
والفاء للتفريع على ما تقدم من الأوامر والنواهى.
والاستقامة - كما يقول القرطبى - هى الاستمرار فى جهة واحدة من غير أخذ فى جهة اليمين والشمال..."
والطغيان: مجاوزة الحد. ومنه طغى الماء، أى ارتفع وتجاوز الحدود المناسبة.
والمعنى: لقد علمت - أيها الرسول الكريم - حال السعداء وحال الأشقياء، وعرفت أن كل مكلف سيوفى جزاء أعماله.
وما دام الأمر كذلك فالزم أنت ومن معك من المؤمنين طريق الاستقامة على الحق، وداوموا على ذلك كما أمركم الله، بدون إفراط أو تفريط، واحذروا أن تتجاوزوا حدود الاعتدال فى كل أقوالكم وأعمالكم.
ووجه - سبحانه - الأمر بالاستقامة إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - تنويها بشأنه، وليبنى عليه قوله - {كَمَآ أُمِرْتَ}، فيشير بذلك إلى أنه - عليه الصلاة والسلام - هو وحده المتلقى للأوامر الشرعية من الله - تعالى -.
وقد جمع قوله - تعالى - {فَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ} أصول الإِصلاح الدينى وفروعه، كما جمع قوله - تعالى - "ولا تطغوا" أصول النهى عن المفاسد وفروعه، فكانت الآية الكريمة بذلك جامعة لإِقامة المصالح ولدرء المفاسد.
قال الإِمام ابن كثير ما ملخصه: يأمر الله - تعالى - رسوله وعباده المؤمنين فى هذه الآية بالثبات والدوام على الاستقامة، لأن ذلك من العون على النصر على الأعداء، وينهاهم عن الطغيان وهو البغى، لأنه مصرعة حتى ولو كان على مشرك".
وقال الآلوسى: والاستقامة كلمة جامعة لكل ما يتعلق بالعلم والعمل وسائر الأخلاق.
أخرج ابن أبى حاتم وأبو الشيخ عن الحسن أنه قال، لما نزلت هذه الآية قال - صلى الله عليه وسلم -
"شمروا شمروا، وما رؤى بعد ضاحكا" .
وعن ابن عباس قال: "ما نزلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - آية أشد من هذه الآية ولا أشق".
وفى صحيح مسلم عن سفيان
"عن عبد الله الثقفى قال: قلت يا رسول الله، قل لى فى الإِسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك. قال: قل آمنت بالله ثم استقم" .
وجملة {إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} تعليل للأمر بالاستقامة وللنهى عن الطغيان.
أى: الزموا المنهج القويم، وابتعدوا عن الطغيان، لأنه - سبحانه - مطلع على أعمالكم اطلاع المبصر، العليم بظواهرها وبواطنها، وسيجازيكم يوم القيامة عليها بما تستحقون من ثواب أو عقاب.
ثم نهى - سبحانه - بعد ذلك عن الميل إلى الظالمين فقال: {وَلاَ تَرْكَنُوۤاْ إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ}.
والركون إلى الشئ: الميل إليه. يقال ركن فلان إلى فلان، إذا مال إليه بقلبه، واعتمد عليه فى قضاء مصالحه.
والمراد بالذين ظلموا هنا: ما يتناول المشركين وغيرهم من الظالمين الذين يعتدون على حقوق الغير، ويستحلون من محارم الله.
والمعنى: واحذروا - أيها المؤمنون - أن تميلوا إلى الظالمين، أو تسكنوا إليهم؛ لأن ذلك يؤدى إلى تقوية جانبهم. وإضعاف جانب الحق والعدل.
قال بعض العلماء: ويستثنى من ذلك للضرورة صحبة الظالم على التقية مع حرمة الميل القلبى إليه.
وقوله {فَتَمَسَّكُمُ ٱلنَّارُ} أى فتصيبكم النار بسبب ميلكم إليهم، والاعتماد عليهم، والرضا بأفعالهم.
وقوله {وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ} فى موضع الحال من ضمير {تمسكم}.
أى: والحال أنه ليس لكم من غير الله من نصراء ينصرونكم من العذاب النازل بكم، بسبب ركونكم إلى الذين ظملوا ومجالستهم وزيارتهم ومداهنتهم.
وثم فى قوله {ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ} للتراخى الرتبى. أى ثم لا تجدون بعد ذلك من ينصركم بأى حال من الأحوال، لأن الظالمين ما لهم من أنصار.
قال بعض العلماء: الآية أبلغ ما يتصور فى النهى عن الظلم، والتهديد عليه، لأن هذا الوعيد الشديد إذا كان فيمن يركن إلى الذين ظلموا فكيف يكون حال من ينغمس فى حمأته؟!!
ثم قال: وقد وسع العلماء فى ذلك وشددوا، والحق أن الحالات تختلف، والأعمال بالنيات، والتفصيل أولى.
فإن كانت المخالطة لدفع منكر، أو للاستعانة على إحقاق الحق، أو الخير. فلا حرج فى ذلك. وإن كانت لإِيناسهم وإقرارهم على ظلمهم فلا..."
ثم أرشد - سبحانه - عباده المؤمنين إلى ما يعينهم على الاستقامة وعلى عدم الركون إلى الظالمين، فقال: {وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيلِ إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَاتِ ذٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ}.
والمراد بإقامتها الإِتيان بها فى أوقاتها كاملة الأركان والخشوع والإِخلاص لله رب العالمين.
والمراد بالصلاة هنا: الصلاة المفروضة.
قال القرطبى: لم يختلف أحد من أهل التأويل فى أن الصلاة فى هذه الآية، المراد بها الصلوات المفروضة. وخصها بالذكر لأنها ثانية أركان الإِسلام، وإليها يفزع فى النوائب، وكان النبى - صلى الله عليه وسلم - "إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة".
وطرفى النهار: أى أول النهار وآخره، لأن طرف الشئ منتهاه من أوله أو من آخره.
والنهار: يتناول ما بين مطلع الفجر إلى غروب الشمس. سمى بذلك لأن الضياء ينهر فيه أى يبرز كما يبرز النهر.
والصلاة التى تكون فى هذين الوقتين، تشمل صلاة الغداة وهى صلاة الصبح، وصلاة العشى وهى صلاة الظهر والعصر، لأن لفظ العشى يكون من الزوال إلى الغروب.
وقيل الصلاة التى تكون فى هذين الوقتين هى صلاة الصبح والمغرب.
وقوله {وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيلِ} معطوف على طرفى النهار.
والزلف جمع زلفة كغرف وغرفة - والمراد بها الساعات القريبة من آخر النهار، إذا الإِزلاف معناه القرب ومنه قوله - تعالى -
{ وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ... } أى: قربت منهم. وتقول أزلفنى فلان منه: أى قربنى.
فمعنى {وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ} طائفة من أوله. وصلاة الزلف تطلق على صلاتى المغرب والعشاء قال ابن كثير ما ملخصه: وقوله {وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ} يعنى صلاة المغرب والعشاء. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
"هما زلفتا الليل: المغرب والعشاء" .
ويحتمل أن تكون هذه الآية نزلت قبل فرض الصلوات الخمس ليلة الإِسراء، فإنه إنما كان يجب من الصلاة صلاتان: صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها، وفى أثناء الليل قيام عليه وعلى الأمة، ثم نسخ فى حق الأمة، وثبت وجوبه عليه، ثم نسخ عنه أيضا فى قول".
وجملة {إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَاتِ} مسوقة مساق التعليل للأمر بإقامة الصلاة، وأكدت بحرف {إن} للاهتمام وتحقيق الخبر، والحسنات صفة لموصوف محذوف، وكذلك السيئات.
والمعنى: إن الأعمال الحسنة - كالصلاة والزكاة والصيام والحج، والاستغفار.. يذهبن الأعمال السيئات، أى يذهبن المؤاخذة عليها، ويذهبن الاتجاه إليها ببركة المواظبة على الأعمال الحسنة.
والمراد بالسيئات هنا صغار الذنوب، لقوله - تعالى -
{ إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُّدْخَلاً كَرِيماً } ولقوله - تعالى - { ٱلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ ٱلإِثْمِ وَٱلْفَوَاحِشَ إِلاَّ ٱللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ ٱلْمَغْفِرَةِ... } ولأن كبائر الذنوب لا تكفرها إلا التوبة الصادقة.
وقوله {ذٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ} أى: ذلك الذى أمرناك به من وجوب إقامة الصلاة، ومن الاستقامة على أمر الله.. فيه التذكرة النافعة، لمن كان شأنه التذكر والاعتبار، لا الإِعراض والعناد.
وهذه الآية الكريمة من الآيات التى قال عنها بعض المفسرين بأنها مدنية، وقد ذكرنا فى التمهيد بين يدى السورة، أن سورة هود ترجح أنها كلها مكية، وليس فيها آيات مدنية.
ومما يؤيد أن هذه الآية مكية أنها مسوقة مع ما سبقها من آيات لتسلية النبى - صلى الله عليه وسلم - ولإِرشاده وأتباعه إلى ما يعينهم على الاستقامة، وعدم الركون إلى الظالمين.
ولأن بعض الروايات التى وردت فى شأنها لم تذكر أنها نزلت فى المدينة، بل ذكرت أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - تلاها على السائل، ومن هذه الروايات ما رواه الإِمام أحمد ومسلم وأبو داود والترمذى والنسائى وابن جرير - وهذا لفظه - عن ابن مسعود قال:
"جاء رجل إلى البني - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله إنى وجدت امرأة فى بستان، ففعلت بها كل شئ، غير أنى لم أجامعها، فافعل بى ما شئت، فلم يقل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيئا، فذهب الرجل، فقال عمر: لقد ستر الله عليه لو ستر على نفسه، فأتبعه الرسول - صلى الله عليه وسلم - بصره ثم قال: ردوه على فردوه عليه فقرأ عليه: {وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ..} الآية، فقال معاذ - وفى رواية عمر - يا رسول الله، أله وحده أم للناس كافة؟ فقال: بل للناس كافة" والروايات التى ورد فيها فأنزل عليه هذه الآية، فى الإِمكان أن تؤول أن المراد أنزل عليه شمول عموم الحسنات والسيئات لقضية السائل، لجميع ما يماثلها من إصابة الذنوب سوى الكبائر.
هذا، ثم ختم - سبحانه - هذه التوجيهات الحكيمة بقوله {وَٱصْبِرْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ}.
أى: واصبر أيها الرسول الكريم أنت ومن معك من المؤمنين على مشاق التكاليف التى كلفكم الله - تعالى - بها، فإنه - سبحانه - لا يضيع أجر من أحسن عملا، بل موفى الصابرين أجرهم بغير حساب.
قال الآلوسى: ومن البلاغة القرآنية أن الأوامر بأفعال الخير أفردت للنبى - صلى الله عليه وسلم - وإن كانت عامة فى المعنى، والمناهى جمعت للأمة، للدلالة على عظم منزلة الرسول - صلى الله عليه وسلم - عند ربه.
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بهذه الآيات الدالة على سنن الله - تعالى - فى خلقه، وعلى الحكم التى من أجلها ساق الله - تعالى - تلك القصص فى كتابه فقال - تعالى -:
{فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ ٱلْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ...}.