التفاسير

< >
عرض

حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَمْرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ قُلْنَا ٱحْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَآ آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ
٤٠
وَقَالَ ٱرْكَبُواْ فِيهَا بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْريٰهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ
٤١
وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَٱلْجِبَالِ وَنَادَىٰ نُوحٌ ٱبْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يٰبُنَيَّ ٱرْكَبَ مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ ٱلْكَافِرِينَ
٤٢
قَالَ سَآوِيۤ إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ ٱلْمَآءِ قَالَ لاَ عَاصِمَ ٱلْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا ٱلْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ ٱلْمُغْرَقِينَ
٤٣
وَقِيلَ يٰأَرْضُ ٱبْلَعِي مَآءَكِ وَيٰسَمَآءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ ٱلْمَآءُ وَقُضِيَ ٱلأَمْرُ وَٱسْتَوَتْ عَلَى ٱلْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ
٤٤
-هود

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

فقوله - سبحانه - {حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَمْرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ قُلْنَا ٱحْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ...} بيان لمرحلة جديدة من مراحل قصة نوح - عليه السلام - مع قومه.
و {حتى} هنا حرف غاية لقوله - تعالى - قبل ذلك {وَيَصْنَعُ ٱلْفُلْكَ...إلخ}.
والمراد بالأمر فى قوله - سبحانه - {حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَمْرُنَا...} حلول وقت نزول العذاب بهم، فهو مفرد الأمور، أى: حتى إذا حل بهم وقت عذابنا.. قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين.
ويصح أن يكون المراد به الأمر بالشئ على أنه مفرد الأوامر، فيكون المعنى: حتى إذا جاء أمرنا لنوح بركوب السفينة، وللأرض بتفجير عيونها، وللسماء بإنزال أمطارها.. قلنا احمل فيها...
وجملة، وفار التنور، معطوفة على {جَآءَ أَمْرُنَا} وكلمة {فار} من الفور والفوران، وهو شدة الغليان للماء وغيره.
قال صاحب المنار ما ملخصه: "والفور والفوران ضرب من الحركة والارتفاع والقوى، يقال فى الماء إذا غلا وارتفع... ويقال فى النار إذا هاجت قال - تعالى -
{ إِذَآ أُلْقُواْ فِيهَا سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ } )... ومن المجاز: فار الغضب، إذا اشتد...
وللمفسرين فى المراد بلفظ {التنور} أقوال منها: أن المراد به الشئ الذى يخبز فيه الخبز، وهو ما يسمى بالموقد أو الكانون...
ومنها أن المراد به وجه الأرض...
ومنها: أن المراد به موضع اجتماع الماء فى السفينة...
ومنها: أن المراد به طلوع الفجر من قولهم: تنور الفجر...
ومنها: أن المراد به أعالى الأرض والمواضع المرتفعة فيها..
وقيل: إن الكلام على سبيل المجاز، والمراد بقوله - سبحانه - {وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ} التمثيل بحضور العذاب، كقولهم، حمى الوطيس، إذا اشتد القتال.
وأرجح هذه الأقوال أولها، لأن التنور فى اللغة يطلق على الشئ الذى يخبز فيه، وفورانه معناه: نبع الماء منه بشدة مع الارتفاع والغليان، كما يفور الماء فى القدر عند الغليان، ولعل ذلك كان علامة لنوح - عليه السلام - على اقتراب وقت الطوفان.
وقد رجح هذا القول المحققون من المفسرين، فقد قال الإِمام ابن جرير بعد أن ذكر جملة من الأقوال فى معنى التنور: "وأولى الأقوال عندنا بتأويل قوله {التنور} قول من قال: هو التنور الذى يخبز فيه، لأن هذا هو المعروف من كلام العرب، وكلام الله لا يوجه إلا إلى الأغلب الأشهر من معانيه عند العرب، إلا أن تقوم حجة على شئ منه بخلاف ذلك، فيسلم لها.
وذلك لأنه جل ثناؤه إنما خاطبهم بما خاطبهم به لإِفهامهم معنى ما خاطبهم به.
أى: قلنا لنوح حين جاء عذابنا قومه... وفار التنور الذى جعلنا فورانه بالماء آية مجئ عذابنا.. احمل فيها - أى السفينة من كل زوجين اثنين..
وقال الإِمام الرازى ما ملخصه: فإن قيل: فما الأصح من هذه الأقوال - فى معنى التنور...؟
قلنا: الأصل حمل الكلام على حقيقته، ولفظ التنور حقيقة فى الموضع الذى يخبز فيه، فوجب حمل اللفظ عليه...
ثم قال: والذى روى من أن فور التنور كان علامة لهلاك القوم لا يمتنع لأن هذه واقعة عظيمة، وقد وعد الله - تعالى - المؤمنين النجاة فلا بد أن يجعل لهم علامة بها يعرفون الوقت المعين "فلا يبعد جعل هذه الحالة علامة لحدوث هذه الواقعة".
وجملة {قُلْنَا ٱحْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ} جواب إذا.
ولفظ {زوجين} تثنية زوج، والمراد به هنا الذكر والأنثى من كل نوع.
قراءة الجمهور {مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ} بدون تنوين للفظ كل، وإضافته إلى زوجين.
وقرأ حفص: {مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ} بتنوين لفظ كل وهو تنوين عوض عن مضاف إليه، والتقدير: احمل فيها من كل نوع من أنواع المخلوقات التى أنت فى حاجة إليها ذكرا وأنثى.
ويكون لفظ {زوجين} مفعولا لقوله {احمل} واثنين صفة له.
والمراد بأهله: أهل بيته كزوجته وأولاده، وأكثر ما يطلق لفظ الأهل على الزوجة، كما فى قوله -
{ فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى ٱلأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ نَاراً قَالَ لأَهْلِهِ ٱمْكُثُوۤاْ إِنِّيۤ آنَسْتُ نَاراً ... } والمراد بأهله: من كان مؤمنا منهم.
وجملة {إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ} استثناء من الأهل.
أى: احمل فيها أهلك إلا من سبق عليه قضاؤنا بكفره منهم فلا تحمله.
والمراد بمن سبق عليه القول: زوجته التى جاء ذكرها فى سورة التحريم فى قوله - تعالى -
{ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱمْرَأَتَ نُوحٍ وَٱمْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا.. } وابنه الذى أبى أن يركب معه السفينة.
قال الآلوسى عند تفسيره لهذه الجملة: والمراد زوجة له أخرى تسمى (واعلة) بالعين المهملة، وفى رواية (والقه) وابنه منها واسمه (كنعان) .. وكانا كافرين"
وجملة {وَمَنْ آمَنَ} معطوفة على قوله {وَأَهْلَكَ} أى: واحمل معك من آمن بك من قومك.
والمعنى للآية الكريمة: لقد امتثل نوح أمر ربه له بصنع السفينة، حتى إذا ما تم صنعها، وحان وقت نزول العذاب بالكافرين من قومه، وتحققت العلامات الدالة على ذلك، قال الله - تعالى - لنوح: احمل فيها من كل نوع من أنواع المخلوقات التى أنت فى حاجة إليها ذكر و أنثى، واحمل فيها أيضا من آمن بك من أهل بيتك دون من لم يؤمن، واحمل فيها كذلك جميع المؤمنين الذين اتبعوا دعوتك من غير أهل بيتك.
وقد ختم - سبحانه - الآية الكريمة بما يدل على قلة عدد من آمن به فقال: {وَمَآ آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ}.
أى: وما آمن معه إلا عدد قليل من قومه بعد أن لبث فيهم قرونا متطاولة يدعوهم إلى الدين الحق ليلا ونهارا، وسرا وعلانية.
قال الآلوسى بعد أن ساق أقوالا فى عدد من آمن بنوح - عليه السلام - من قومه: ... والرواية الصحيحة أنهم كانوا تسعة وسبعين: زوجته، وبنوه الثلاثة ونساؤهم، واثنان وسبعون رجلا وامرأة من غيرهم..."
ثم حكى - سبحانه - ما قاله نوح للمؤمنين عند ركوبهم السفينة فقال: {وَقَالَ ٱرْكَبُواْ فِيهَا بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْريٰهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ}.
ومجريها ومرساها، قرأهما الجمهور بضم الميمين فيهما، وهما مصدران من جرى وأرسى. والباء فى {بِسْمِ ٱللَّهِ} للملابسة، والآية الكريمة معطوفة على جملة، قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين.
أى: قلنا له ذلك فامتثل أمرنا، وقال لمن معه من المؤمين: سلموا أمركم لمشيئة الله - تعالى - وقولوا عند ركوب السفينة: باسم الله جريها فى هذا الطوفان العظيم، وباسم الله إرساءها فى المكان الذى يريد الله - تعالى - إرساءها فيه.
قال الشيخ الفاضل ابن عاشور: وعدى فعل {اركبوا} بفى، جريا على الأسلوب الفصيح، فإنه يقال: ركب الدابة إذا علاها. وأما ركوب الفلك فيعدى بفى، لأن إطلاق الركوب عليه مجاز، وإنما هو جلوس واستقرار، فلا يقال: ركب السفينة؛ فأرادوا التفرقة بين الركوب الحقيقى والركوب المشابه له، وهى تفرقة حسنة".
وجملة {إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} تعليل للأمر بالركوب المصاحب لذكر الله - تعالى - :
أى: إن ربى لعظيم المغفرة ولعظيم الرحمة لمن كان مطيعا له مخلصا فى عبادته.
قال الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه: يقول الله - تعالى - إخبارا عن نوح أنه قال للذين أمر بحملهم معه فى السفينة {ٱرْكَبُواْ فِيهَا بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْريٰهَا وَمُرْسَاهَا..}
وقال - سبحانه - فى موضع آخر:
{ فَإِذَا ٱسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى ٱلْفُلْكِ فَقُلِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي نَجَّانَا مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ. وَقُل رَّبِّ أَنزِلْنِي مُنزَلاً مُّبَارَكاً وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْمُنزِلِينَ } ولهذا تستحب التسمية فى ابتداء الأمور: عند الركوب فى السفينة وعلى الدابة.
فقد روى الطبرانى عن ابن عباس عن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال: "أمان أمتى من الغرق إذا ركبوا فى السفن أن يقولوا: بسم الله الملك.. بسم الله مجريها ومرساهها، إن ربى لغفور رحيم".
ثم بين - سبحانه - حال السفينة وهى تمخر بهم عباب الماء فقال:
{وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَٱلْجِبَالِ}.
والموج: ما ارتفع من ماء البحر عند اضطرابه. وأصله من ماج الشئ يموج إذا اضطرب ومنه قوله - تعالى -
{ وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ } قال صاحب الكشاف: فإن قلت. بم اتصل قوله - تعالى - {وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ}؟
قلت: اتصل بمحذوف دل عليه اركبوا فيها باسم الله، كأنه قيل: فركبوا فيها وهم يقولون: باسم الله، وهى تجرى بهم. أى تجرى بهم وهم فيها فى موج كالجبال، يريد موج الطوفان، شبه كل موجه بالجبل فى تراكمها وارتفاعها..
وقوله - سبحانه - {وَنَادَىٰ نُوحٌ ٱبْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يٰبُنَيَّ ٱرْكَبَ مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ ٱلْكَافِرِينَ} تصوير لتلك اللحظة الرهيبة الحاسمة التى أبصر فيها نوح - عليه السلام - ابنه الكافر وهو منعزل عنه وعن جماعة المؤمنين.
والمعزل: مكان العزلة، أى: الانفراد.
أى: وقبل أن يشتد الطوفان وترتفع أمواجه، رأى نوح ابنه كنعان، وكان هذا الابن فى مكان منعزل، فقال له نوح بعاطفة الأبوة الناصحة الملهوفة يا بنى اركب معنا فى السفينة، ولا تكن مع القوم الكافرين الذين سيلفهم الطوفان بين أمواجه عما قريب. ولكن هذه النصيحة الغالية من الأب الحزين على مصير ابنه. لم تجد أذنا واعية من هذا الابن العاق المغرور، بل رد على أبيه: {قَالَ سَآوِيۤ إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي...}.
أى: قال: سألتجئ إلى جبل من الجبال الشاهقة، لكى أتحصن به من وصول الماء إلى.
وهنا يرد عليه أبوه الرد الأخير فيقول - كما حكى القرآن عنه - : {قَالَ لاَ عَاصِمَ ٱلْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ..}
أى: قال نوح لابنه: لا معصوم اليوم من عذاب الله إلا من رحمه - سبحانه - بلطفه وإحسانه، وأما الجبال وأما الحصون.. وأما غيرهما من وسائل النجاة، فسيعلوها الطوفان، ولن تغنى عن المحتمى بها شيئا.
وعبر عن العذاب بأمر الله، تهويلا لشأنه.
وقوله: {وَحَالَ بَيْنَهُمَا ٱلْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ ٱلْمُغْرَقِينَ} بيان للعاقبة السيئة التى آل إليها أمر الابن الكافر.
أى: وحال وفصل الموج بهديره وسرعته بين الابن وأبيه، فكانت النتيجة أن صار الابن الكافر من بين الكافرين المغرقين.
والتعبير بقوله: {وَحَالَ...} يشعر بسرعة فيضان الماء واشتداده، حتى لكأن هذه السرعة لم تمهلهما ليكملا حديثهما.
والتعبير بقوله: {فَكَانَ مِنَ ٱلْمُغْرَقِينَ} يشير إلى أنه لم يغرق وحده، وإنما غرق هو وغرق معه كل من كان على شاكلته فى الكفر.
وهكذا تصور لنا هذه الآية الكريمة ما دار بين نوح وابنه من محاورات فى تلك اللحظات الحاسمة المؤثرة، التى يبذل فيها كل أب ما يستطيع بذله من جهود لنجاة ابنه من هذا المصير المؤلم.
وبعد أن غرق الكافرون، ونجا نوح ومن معه من المؤمنين، وجه الله - تعالى - أمره إلى الأرض وإلى السماء.. فقال: {وَقِيلَ يٰأَرْضُ ٱبْلَعِي مَآءَكِ وَيٰسَمَآءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ ٱلْمَآءُ وَقُضِيَ ٱلأَمْرُ وَٱسْتَوَتْ عَلَى ٱلْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ}.
أى: وبعد أن أدى الطوفان وظيفته فأغرق بأمر الله - تعالى - الكافرين، قال الله - تعالى - للأرض: {يٰأَرْضُ ٱبْلَعِي مَآءَكِ}.
أى: اشربى أيتها الأرض ما على وجهك من ماء، وابتعليه بسرعة فى باطنك كما يبتلع الإِنسان طعامه فى بطنه بدون استقرار فى الفم.
وقال - سبحانه - للسماء {وَيٰسَمَآءُ أَقْلِعِي} أى: أمسكى عن إرسال المطر يقال: أقلع فلان عن فعله إقلاعا، إذا كف عنه وترك فعله. ويقال: أقلعت الحمى عن فلان، إذا تركته.
فامتثلتا - أى الأرض والسماء - لأمر الله - فى الحال، فهو القائل وقوله الحق:
{ إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } وقوله {وَغِيضَ ٱلْمَآءُ} أى: نقص ونضب. يقال: غاض الماء يغيض، إذا قل ونقص.
والمراد به هنا: الماء الذى نشأ عن الطوفان.
وقوله: {وَقُضِيَ ٱلأَمْرُ} أى: تم ونفذ ما وعد الله - تعالى - به نبيه نوحا - عليه السلام - من إهلاكه للقوم الظالمين.
والضمير فى قوله: {وَٱسْتَوَتْ عَلَى ٱلْجُودِيِّ} للسفينة، والجودى، جبل بشمال العراق بالقرب من مدينة الموصل. وقيل هو جبل بالشام.
أى: واستقرت السفينة التى تحمل نوحا والمؤمنين بدعوته، على الجبل المعروف بهذا الاسم، بعد أن أهلك الله أعداءهم.
قال ابن كثير ما ملخصه: وكان خروجهم من السفينة فى يوم عاشوراء من المحرم، فقد روى الإِمام أحمد عن أبى هريرة قال:
"مر النبى - صلى الله عليه وسلم - بأناس من اليهود، وقد صاموا يوم عاشوراء، فقال لهم: ما هذا الصوم؟ قالوا، هذا اليوم الذى نجى الله موسى وبنى إسرائيل من الغرق، وغرق فيه فرعون. وهذا يوم استوت فيه السفينة على الجودى. فصامه نوح وموسى - عليه السلام - شكرا لله.
فقال النبى - صلى الله عليه وسلم - أنا أحق بموسى، وأحق بصوم هذا اليوم فصامه، وقال لأصحابه: من كان أصبح منكم صائما فليتم صومه، ومن كان قد أصاب من غذاء أهله، فليتم بقية يومه"
.
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله: وقيل بعدا للقوم الظالمين.
أى: هلاكا وسحقا وطردا من رحمة الله - تعالى - للقوم الذين ظلموا أنفسهم بإيثارهم الكفر على الإِيمان، والضلالة على الهداية.
قال الجمل: {وبعدا} مصدر بعد - بكسر العين -، يقال بعد بعدا - بضم فسكون - وبعداً - بفتحتين - إذا بعد بعدا بعيدا بحيث لا يرجى عوده، ثم استعير للهلاك، وخص بدعاء السوء، وهو منصوب على المصدر بفعل مقدر. أى: وقيل بعداً بعدا..."
هذا وقد تكلم بعض العلماء عن أوجه البلاغة والفصاحة فى هذه الآية كلاما طويلا، نكتفى بذكر جانب مما قاله فى ذلك الشيخ القاسمى فى تفسيره.
قال -رحمه الله - ما ملخصه: "هذه الآية بلغت من أسرار الإِعجاز غايتها، وحوت من بدائع الفوائد نهايتها. وقد اهتم علماء البيان بإبراز ذلك، ومن أوسعهم مجالا فى مضمار معارفها الإِمام "السكاكى" فقد أطال وأطنب فى كتابه "المفتاح" فى الحديث عنها.
فقد قال - عليه الرحمة - فى بحث البلاغة والفصاحة:
وإذ قد وقفت على البلاغة، وعثرت على الفصاحة، فأذكر لك على سبيل الأنموذج، آية أكشف لك فيها من وجوهها ما عسى أن يكون مستورا عنك، وهذه الآية هى قوله - تعالى - {وَقِيلَ يٰأَرْضُ ٱبْلَعِي مَآءَكِ وَيٰسَمَآءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ ٱلْمَآءُ وَقُضِيَ ٱلأَمْرُ..}.
والنظر فى هذه الآية من أربع جهات: من جهة علم البيان، ومن جهة علم المعانى، ومن جهة الفصاحة المعنوية، ومن جهة الفصاحة اللفظية.
أما النظر فيها من جهة علم البيان.. فتقول: إنه - عز سلطانه - لما أراد أن يبين معنى هو: أردنا أن نرد ما انفجر من الأرض إلى بطنها فارتد، وأن نقطع طوفان السماء فانقطع، وأن نغيض الماء النازل من السماء فغاض لما أراد ذلك: بنى الكلام على التشبيه، بأن شبه الأرض والسماء بالمأمور الذى لا يتأتى منه أن يعصى أمره.. وكأنهما عقلاء مميزون فقال: {يٰأَرْضُ ٱبْلَعِي مَآءَكِ وَيٰسَمَآءُ أَقْلِعِي...}.
ثم قال: {ماءك} بإضافة الماء إلى الأرض على سبيل المجاز، تشبيها لاتصال الماء بالأرض، باتصال الملك بالمالك.
ثم اختار لاحتباس المطر لفظ الإِقلاع الذى هو ترك الفاعل للفعل.
وأما النظر فيها من حيث علم المعانى.. فذلك أنه اختير {يا} دون سائر أخواتها، لكونها أكثر فى الاستعمال.. واختير لفظ "ابلعى" على "ابتلعى" لكونه أخصر. ثم أطلق الظلم ليتناول كل نوع منه، حتى يدخل فيه ظلمهم لأنفسهم.
وأما النظر فيها من جانب الفصاحة المعنوية فهى كما ترى. نظم للمعانى لطيف، وتأدية لها ملخصة مبينة، لا تعقيد يعثر الفكر فى طلب المراد، ولا التواء يشيك الطريق إلى المرتاد، بل إذا جربت نفسك عند استماعها، وجدت ألفاظها تسابق معانيها، ومعانيها تسابق ألفاظها، فما من لفظة فى تركيب الآية ونظمها تسبق إلى أذنك، إلا ومعناها أسبق إلى قلبك.
وأما النظر فيها من جانب الفصاحة اللفظية: فألفاظها على ما ترى عربية، مستعملة جارية على قوانين اللغة، سليمة من التنافر، بعيدة عن البشاعة.
ولا تظن الآية مقصورة على ما ذكرت، فلعل ما تركت أكثر مما ذكرت.
ثم ختم - سبحانه - قصة نوح مع قومه فى هذه السورة، بتلك الضراعة التى تضرع بها نوح - عليه السلام - بشأن ولده، وبذلك الرد الحكيم الذى رد به الخالق - عز وجل - على نوح - عليه السلام، وبتعقيب على القصة يدل على وحدانية الله - تعالى -، وعلى صدق الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيما يبلغه عن ربه قال - تعالى - :
{وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ٱبنِي مِنْ أَهْلِي...}