التفاسير

< >
عرض

وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ٱبْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ ٱلْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ ٱلْحَاكِمِينَ
٤٥
قَالَ يٰنُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْئَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّيۤ أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلْجَاهِلِينَ
٤٦
قَالَ رَبِّ إِنِّيۤ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِيۤ أَكُن مِّنَ ٱلْخَاسِرِينَ
٤٧
قِيلَ يٰنُوحُ ٱهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ
٤٨
تِلْكَ مِنْ أَنْبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهَآ إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَآ أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَـٰذَا فَٱصْبِرْ إِنَّ ٱلْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ
٤٩
-هود

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

والمراد بالنداء فى قوله - سبحانه - : {وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ...} الدعاء والضراعة إلى الله - تعالى -.
والجملة الكريمة معطوفة على ما قبلها.
أى: وبعد أن تخلف ابن نوح عليه السلام عن الركوب معه فى السفينة، وقضى الأمر بهلاك الكافرين ونجاة المؤمنين.. تضرع نوح - عليه السلام - إلى ربه فقال فى استعطاف ورجاء:
يا رب! إن ابنى "كنعان" {مِنْ أَهْلِي} فهو قطعة منى، فأسألك أن ترحمه برحمتك {وَإِنَّ وَعْدَكَ ٱلْحَقُّ} أى: وإن كل وعد تعده لعبادك هو الوعد الحق وأنت - يا ربى - قد وعدتنى بنجاة أهلى إلا من سبق عليه القول منهم، لكنى فى هذا الموقف العصيب أطمع فى عفوك عن ابنى وفى رحمتك له.
وقوله: {وَأَنتَ أَحْكَمُ ٱلْحَاكِمِينَ} أى: وأنت يا إلهى - لا راد لما تحكم به، ولا معقب لحكمك، وحكمك هو الحق والعدل، وهو المنزه عن الخطأ والمحاباة، لأنه صادر عن كمال العلم والحكمة.
واكتفى نوح - عليه السلام - بأن يقول: {رَبِّ إِنَّ ٱبنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ ٱلْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ ٱلْحَاكِمِينَ} دون أن يصرح بمطلوبه وهو نجاة ابنه تأدباً مع الله - تعالى - وحياء منه - سبحانه - واعتقاداً منه بأنه - سبحانه - عليم بما يريده، وخبير بما يجول فى نفسه.
وهذا لون من الأدب السامى، سلكه الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام - فى مخاطبتهم لربهم - عز وجل - ومن أولى منهم بذلك؟!!
ولعل نوحا - عليه السلام - عندما تضرع إلى ربه - سبحانه - بهذا الدعاء لم يكن يعلم أن طلب الرحمة أو النجاة لابنه الكافر ممنوع، فكان حاله فى ذلك كحال النبى - صلى الله عليه وسلم - عندما قال لعمه أبى طالب:
"لأستغفرن لك ما لم أنه عن ذلك" واستمر يستغفر له إلى أن نزل قوله - تعالى - { مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوۤاْ أُوْلِي قُرْبَىٰ... } وقال الشيخ القاسمى: وإنما قال نوح ذلك - أى: رب إن ابنى من أهلى .. ألخ - لفهمه - من الأهل ذوى القرابة الصورية، والرحمة النسبية، وغفل - لفرط التأسف على ابنه - عن استثنائه - تعالى - بقوله: { إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ } ولم يتحقق أن ابنه هو الذى سبق عليه القول، فاستعطف ربه بالاسترحام، وعرض بقوله {وَأَنتَ أَحْكَمُ ٱلْحَاكِمِينَ} إلى أن العالم العادل الحكيم لا يخلف وعده.
وقوله - سبحانه - {قَالَ يٰنُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ..} رد من الله - تعالى - على نوح فيما طلبه منه.
أى: قال الله - تعالى - مجيبا لنوح - عليه السلام - فيما سأله إياه: يا نوح إن ابنك هذا {لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ} لأن مدار الأهلية مبنى على القرابة الدينية، وقد انقطعت بالكفر، فلا علاقة بين مسلم وكافر.
أو ليس من أهلك الذين وعدتك بنجاتهم، بل هو ممن سبق عليه القول بسبب كفره.
فالمراد نفى أن يكون من أهل دينه واعتقاده، وليس المراد نفى أن يكون من صلبه، لأن ظاهر الآية يدل على أنه ابنه من صلبه، ومن قال بغير ذلك فقوله ساقط ولا يلتفت إليه، لخلوه عن الدليل.
قال ابن كثير: وقد نص غير واحد من الأئمة على تخطئة من ذهب فى تفسير هذا إلا أنه ليس بابنه، وإنما كان ابن زنية.
وقال ابن عباس وغير واحد من السلف: ما زنت امرأة نبى قط، ثم قال: وقوله {لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ} أى: الذين وعدتك بنجاتهم.
وقول ابن عباس فى هذا هو الحق الذى لا محيد عنه؛ فإن الله - تعالى - أغير من أن يمكن امرأة نبى من الفاحشة.
وجملة {إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ} تعليل لنفى الأهلية.
وقد قرأ الجمهور (عمل) بفتح الميم وتنوين اللام - على أنه مصدر مبالغة فى ذمه حتى لكأنه هو نفس العمل غير الصالح وأصل الكلام إنه ذو عمل غير صالح، فحذف المضاف للمبالغة بجعله عين عمله الفاسد لمداومته عليه.
وقرأ الكسائى ويعقوب {عمل} بوزن فرح بصيغة الفعل الماضى - أى: إنه عمل غير صالح وهو الكفر والعصيان، فحذف الموصوف وأقيمت صفته مقامه.
قال صاحب الكشاف وقوله: {إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ} تعليل لانتفاء كونه من أهله. وفيه إيذان بأن قرابة الدين غامرة لقرابة النسب، وأن نسيبك فى دينك ومعتقدك من الأباعد فى المنصب وإن كان حبشيا وكنت قرشيا لصيقك وخصيصك، ومن لم يكن على دينك وإن كان أمس أقاربك رحما فهو أبعد بعيد منك.
وقال الفخر الرازى: هذه الآية تدل على أن العبرة بقرابة الدين لا بقرابة النسب، فإن فى هذه الصورة كانت قرابة النسب حاصلة من أقوى الوجوه، ولكن لما انتفت قرابة الدين، لا جرم نفاه الله - تعالى - بـأبلغ الألفاظ وهو: قوله: {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ}.
والفاء فى قوله: {فَلاَ تَسْئَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ..} للتفريع.
أى: ما دمت قد وقفت على حقيقة الحال، فلا تلتمس منى ملتمسا لا تعلم على وجه اليقين، أصواب هو أم غير صواب، بل عليك أن تتثبت من صحة ما تطلبه، قبل أن تقدم على طلبه.
وجملة {إِنِّيۤ أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلْجَاهِلِينَ} تأكيد لما قبلها، ونهى له عن مثل هذا السؤال فى المستقبل، بعد أن أعلمه بحقيقة حال ابنه.
أى: إن أنهاك يا نوح عن أن تكون من القوم الجاهلين، الذين يسألون عن أشياء لا يتحققون وجه الصواب فيها.
وهنا بين الله - تعالى - أن نوحا - عليه السلام - قد تنبه إلى ما أرشده إليه ربه، فبادر بطلب العفو والصفح منه - سبحانه - فقال: {قَالَ رَبِّ إِنِّيۤ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ...}.
أى: قال نوح - عليه السلام - ملتمسا الصفح من ربه: رب إن أستجير بك، وأحتمى بجنابك من أن أسألك شيئا بعد الآن، ليس عندى علم صحيح بأنه جائز ولائق {وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي} ما فرط منى من قول، وما صدر عنى من فعل.
{وَتَرْحَمْنِيۤ} برحمتك الواسعة التى وسعت كل شئ.
{أَكُن مِّنَ ٱلْخَاسِرِينَ} الذين خسروا أنفسهم بالاحتجاب عن علمك وحكمتك. ثم بشر - سبحانه - نبيه نوحا - عليه السلام - بقبول توبته فقال: {قِيلَ يٰنُوحُ ٱهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ..}
والسلام: التحية المقرونة بالأمان والاطمئنان، وأصله السلامة، والباء فيه للمصاحبة والبركات. جمع بركة وهى ثبوت الخير ونماؤه وزيادته، واشتقاقها من البرك، وهو صدر البعير. يقال: برك البعير إذا ألقى بركه أى صدره على الأرض وثبت. ومنه البركة لثبوت الماء فيها.
والأمم: جمع أمة، وهى الجماعة الكثيرة من الناس، يجمعها نسب واحد أو لغة واحدة، أو موطن واحد.
أى: قال الله - تعالى - مبشرا نوحا - عليه السلام - بقبول توبته: يا نوح اهبط من السفينة مصحوبا منا بالأمان مما تكره، وبالخيرات النامية والنعم الثابتة عليك، وعلى أمم متشعبة ومتفرعة وناشئة من الأمم المؤمنة التى ستهبط معك، بعد أن أنجاكم الله - تعالى - بفضله ورحمته من العذاب، الذى حل بالكافرين من قومك.
وكان مقتضى الظاهر أن يقال: قال يا نوح اهبط بسلام.. ولكن جاء التعبير بقيل، مسايرة للتعبيرات السابقة فى أجزاء القصة، مثل قوله - سبحانه -
{ وَقِيلَ يٰأَرْضُ ٱبْلَعِي مَآءَكِ... } وقوله: { وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ } وقوله: {ٱهْبِطْ بِسَلاَمٍ..} فيه إشارة إلى أنه كان قبل الهبوط فى ضيافة الله ورعايته، وأنه لولا عناية الله به وبمن معه من المؤمنين، لما نجت السفينة من ذلك الطوفان العظيم.
والتعبير بقوله {منا} لزيادة التكريم، وتأكيد السلام. أى: انزل بسلام ناشئ من عندنا، وليس من عند غيرنا؛ لأن كل سلام من غيرنا لا قيمة له بجانب سلامنا.
وقوله {عَلَيْكَ وَعَلَىٰ أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ} متعلق بسلام وبركات.
وفى هذا إِشارة إلى أنه - سبحانه - سيجعل من ذرية نوح ومن ذرية من معه من المؤمنين، أمما كثيرة ستكون محل كرامة الله وأمانه وبركاته.
وقوله - سبحانه - {وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ} كلام مستأنف مسوق للاحتراز والتحذير من سوء عاقبة المخالفة لأمر الله.
أى: أن الأمم التى ستكون من نسلك ومن نسل أتباعك يا نوح على قسمين: قسم منهم له منا السلام، وعليه البركات بسبب إيمانه وعمله الصالح.
وقسم آخر سنمتعه فى الدنيا وبالكثير من زينتها وخيراتها، ثم يصيبه يوم القيامة عذاب أليم بسبب جحوده لنعمنا، وعصيانه لرسلنا.
فعلى كل عاقل أن يجتهد فى أن يكون من القسم الأول، وأن يتجنب القسم الثانى.
ثم اختتم الله - تعالى - قصة نوح - عليه السلام - مع قومه فى هذه السورة، بقوله: {تِلْكَ مِنْ أَنْبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهَآ إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَآ أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَـٰذَا فَٱصْبِرْ إِنَّ ٱلْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ}
واسم الإِشارة {تلك} يعود إلى ما قصه الله - تعالى - من قصة نوح مع قومه فى هذه السورة.
والأنباء: جمع نبأ وهو الخبر الهام. والغيب: مصدر غاب، وهو مالا تدركه الحواس ولا يعلم ببداهة العقل.
أى: تلك القصة التى قصصناها عليك يا محمد بهذا الأسلوب الحكيم، من أخبار الغيب الماضية، التى لا يعلم دقائقها وتفاصيلها أحد سوانا.
ونحن {نُوحِيهَآ إِلَيْكَ} ونعرفك بها عن طريق وحينا الصادق الأمين.
وهذه القصة وأمثالها {مَا كُنتَ تَعْلَمُهَآ} أنت يا محمد، وما كان يعلمها {قومك} أيضا، بهذه الصورة الصادقة الحكيمة، الخالية من الأساطير والأكاذيب.
{مِن قَبْلِ} هذا الوقت الذى أوحيناها إليك فيه.
وما دام الأمر كذلك {فَٱصْبِرْ} صبرا جميلا على تبليغ رسالتك، وعلى أذى قومك كما صبر أخوك نوح من قبل.
وجملة {إِنَّ ٱلْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ} تعليل للأمر بالصبر.
والعاقبة: الحالة التى تعقب حالة قبلها، وقد شاعت عند الإِطلاق فى حالة الخير كما فى قوله - تعالى -
{ وَٱلْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ } وأل فيها للجنس، واللام فى قوله {لِلْمُتَّقِينَ} للاختصاص.
أى: أن العاقبة الحسنة الطيبة فى الدنيا والآخرة، للمتقين الذين صانوا أنفسهم عن كل مالا يرضى الله - تعالى - وليست لغيرهم ممن استحبوا العمى على الهدى.
والآية الكريمة تعقيب حكيم على قصة نوح - عليه السلام - قصد به الامتنان على النبى - صلى الله عليه وسلم - والموعظة، والتسلية.
فالامتنان نراه فى قوله - تعالى - {مَا كُنتَ تَعْلَمُهَآ أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَـٰذَا}.
والموعظة نراها فى قوله - سبحانه - {فاصبر}.
والتسلية نراها فى قوله - عز وجل - {إِنَّ ٱلْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ}.
وبعد، فهذه قصة نوح - عليه السلام - كما وردت فى هذه السورة الكريمة، ومن العبر والعظات والهدايات والحقائق التى نأخذها منها ما يأتى:
1 - الدلالة على صدق النبى - عليه السلام - فيما يبلغه عن ربه، وعلى أن هذا القرآن من عند الله - تعالى -، فقد أخبرنا عن قصة نوح - عليه السلام - مع قومه، وعن غيرها من القصص، التى هى من أنباء الغيب، والتى لا يعلم حقيقتها وتفاصيلها أحد سوى الله - عز وجل -.
2 - أن نوحا - عليه السلام - قد سلك فى دعوته إلى الله - تعالى - أحسن الأساليب وأحكمها، فقد دعا قومه إلى عبادة الله - تعالى - وحده فى الليل وفى النهار، وفى السر وفى العلانية، وأقام لهم ألوانا من الأدلة على صدقه، ورغبهم فى الإِيمان بشتى ألوان الترغيب، وحذرهم من الكفر بشتى أنواع التحذير، وصبر على آذاهم صبرا جميلا، ورد على سفاهاتهم وأقوالهم بمنطق سليم، أبطل به حججهم.. مما جعلهم يكفون عن مناقشته، ويلجأون إلى التحدى والتعنت.
وما أحوج الدعاة إلى الله - عز وجل - إلى التماس العبرة والعظة من قصة نوح مع قومه.
3 - أن النسب مهما شرف وعظم لن ينفع صاحبه عند الله، إلا إذا كان معه الإِيمان والعمل الصالح، وأن الإِيمان والصلاح ليسا مرتبطين بالوراثة والأنساب لأنه لو كان الأمر كذلك لكانت ذرية نوح ومن معه من المؤمنين الذين نجوا معه فى السفينة. كلها من المؤمنين الصالحين، مع أن المشاهد غير ذلك.
ورحم الله الإِمام القرطبى فقد قال - ما ملخصه - عند تفسيره لقوله - تعالى - {قَالَ يٰنُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ..} "وفى هذه الآية تسلية للآباء فى فساد أبنائهم وإن كان الآباء صالحين"، فقد روى أن ابنا لمالك بن أنس ارتكب أمرا لا يليق بمسلم، فعلم بذلك مالك فقال: "الأدب أدب الله، لا أدب الأباء والأمهات، والخير خير الله، لا خير الآباء والأمهات.."
4 - أن سؤال نوح - عليه السلام - ما سأله لابنه لم يكن - كما قال صاحب المنار معصية لله - تعالى - خالف فيها أمره أو نهيه، وإنما كان خطأ فى اجتهاده رأى بنية صالحة.
وإنما عدها الله - تعالى - ذنبا له لأنها كانت دون مقام العلم الصحيح اللائق بمنزلته من ربه، هبطت بضعفه البشرى، وما غرس فى الفطرة من الرحمة والرأفة بالأولاد إلى اتباع الظن، ومثل هذا الاجتهاد لم يعصم منه الأنبياء، فيقعون فيه أحيانا ليشعروا بحاجتهم إلى تأديب ربهم وتكميله إياهم آنا بعد آن، بما يصعدون به فى معارج العرفان.
5 - إن القرآن فى إيراده للقصص والأخبار، لا يهتم إلا بإبراز النافع المفيد منها، أما ما عدا ذلك مما لا فائدة من ذكره، فيهمل القرآن الحديث عنه.
فمثلا فى قصة نوح - عليه السلام - هنا، لم يتعرض القرآن لبيان المدة التى قضاها نوح فى صنع السفينة، ولا لبيان طول السفينة وعرضها وارتفاعها، ولا لتفاصيل الأنواع التى حملها معه فى السفينة، ولا لبيان الفترة التى عاشها نوح ومن معه فيها.
ولا لبيان المكان الذى هبط فيه نوح بعد أن استوت السفينة على الجودى.. ولا لبيان الزمان الذى استغرقه الطوفان فوق الأرض.
وما ورد فى ذلك من أقوال وأخبار، أكثرها من الإِسرائيليات التى لا يؤيدها دليل من الشرع أو العقل.
ومن المسائل التى تكلم عنها كثير من العلماء، وذهبوا بشأنها مذاهب شتى مسألة الطوفان.
وقد أصدر الأستاذ الإِمام الشيخ محمد عبده -رحمه الله - فتوى فى هذا الشأن، ملخصها كما يقول صاحب المنار: أن ظواهر القرآن الكريم والأحاديث أن الطوفان كان عاما شاملا لقوم نوح الذين لم يكن فى الأرض غيرهم فيجب اعتقاده، ولكنه لا يقتضى أن يكون عاما للأرض، إذ لا دليل على أنهم كانوا يملأون الأرض.
وهذه المسائل التاريخية ليست من مقاصد القرآن، ولذلك لم يبينها بنص قطعى، فنحن نقول بما تقدم إنه ظاهر النصوص، ولا نتخذه عقيدة دينية قطعية، فإن أثبت العلم خلافه لا يضرنا، لأنه لا ينقض نصا قطعيا عندنا.
6 - أن سنة الله - تعالى - فى خلقه لا تتخلف ولا تتبدل وهى أن العاقبة للمتقين، مهما طال الصراع بين الحق والباطل، وبين الأخيار والأشرار.
فلقد لبث نوح - عليه السلام - فى قومه ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم إلى عبادة الله وحده، وقد لقى خلال تلك المدة الطويلة ما لقى من الأذى... ولكن كانت النتيجة فى النهاية نجاته ومن معه من المؤمنين، وإغراق أعدائه بالطوفان العظيم.
ولقد أفاض صاحب الظلال -رحمه الله - وهو يتحدث عن هذا المعنى فقال ما ملخصه: "ثم نقف الوقفة الأخيرة مع قصة نوح، لنرى قيمة الحفنة المسلمة فى ميزان الله - سبحانه -.
إن حفنة من المسلمين من أتباع نوح - عليه السلام - تذكر بعض الروايات، أنهم اثنا عشر، هم كانوا حصيلة دعوة نوح فى ألف سنة إلا خمسين عاما.
إن هذه الحفنة - وهى ثمرة ذلك العمر الطويل والجهد الطويل -، قد استحقت أن يغير الله لها المألوف من ظواهر هذا الكون، وأن يجرى لها ذلك الطوفان الذى يغمر كل شئ... وأن يجعل هذه الحفنة وحدها هى وارثة الأرض بعد ذلك، وبذرة العمران فيها.
وهذه هى عبرة الحادث الكونى العظيم.
إنه لا ينبغى لأحد يواجه الجاهلية بالإِسلام، أن يظن أن الله تاركه للجاهلية وهو يدعو إلى إفراد الله - سبحانه - بالربوبية. كما أنه لا ينبغى له أن يقبس قوته الذاتية إلى قوى الجاهلية فيظن أن الله تاركه لهذه القوى، وهو عبده الذى يستنصر به حين يغلب فيدعوه:
{ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَٱنتَصِرْ } إن القوى فى حقيقتها ليست متكافئة ولا متقاربة.. إن الجاهلية تملك قواها.. ولكن الداعى إلى الله يستند إلى قوة الله. والله يملك أن يسخر له بعض القوى الكونية - حينما يشاء وكيفما يشاء - وأيسر هذه القوى يدمر على الجاهلية من حيث لا تحتسب!!.
والذين يسلكون السبيل إلى الله ليس عليهم أن يؤدوا واجبهم كاملا، ثم يتركوا الأمور لله فى طمأنينة وثقة. وعندما يغلبون عليهم أن يلجأوا إلى الناصر المعين، وأن يجأروا إليه وحده كما جأر عبده الصالح نوح:
{ فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَٱنتَصِرْ } ثم عليهم أن ينتظروا فرج الله القريب، وانتظار الفرج من الله عبادة، فهم على هذا الانتظار مأجورون.. والعاقبة للمتقين.
ثم تابعت السورة الكريمة حديثها عن قصة هود - عليه السلام - مع قومه، بعد حديثها عن قصة نوح - عليه السلام - مع قومه، فقال - تعالى - :
{وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً...}.