التفاسير

< >
عرض

وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ
٦
وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَق ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى ٱلْمَآءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُمْ مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ ٱلْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ
٧
-هود

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

قال الآلوسى ما ملخصه: الدابة اسم لكل حيوان ذى روح، ذكرا كان أو أنثى، عاقلا أو غيره، مأخوذ من الدبيب وهو فى الأصل المشى الخفيف.. واختصت فى العرف بذوات القوائم الأربع.
والمراد بها هنا المعنى اللغوى باتفاق المفسرين..."
قال - تعالى -
{ وَٱللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ مِّن مَّآءٍ فَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي عَلَىٰ بَطْنِهِ وَمِنهُمْ مَّن يَمْشِي عَلَىٰ رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي عَلَىٰ أَرْبَعٍ يَخْلُقُ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } والمراد برزقها: طعامها وغذاؤها الذى به قوام حياتها.
والمعنى: وما من حيوان يدب على الأرض، إلا على الله - تعالى - غذاؤه ومعاشه، فضلا منه - سبحانه - وكرما على مخلوقاته.
وقدم - سبحانه - الجار والمجرور {عَلَى ٱللَّهِ} على متعلقه وهو {رِزْقُهَا} لإِفادة القصر. أى على الله وحده لا على غيره رزقها ومعاشها.
وكون رزقها ومعاشها على الله - تعالى - لا ينافى الأخذ بالأسباب، والسعى فى سبيل الحصول على وسائل العيش، لأنه - سبحانه - وإن كان قد تكفل بأرزاق خلقه، إلا أنه أمرهم بالاجتهاد فى استعمال كافة الوسائل المشروعة من أجل الحصول على ما يغنيهم ويسد حاجتهم.
قال - تعالى -:
{ هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ ذَلُولاً فَٱمْشُواْ فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُواْ مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ ٱلنُّشُورُ } وجملة {وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا} بيان لشمول علمه - سبحانه - لكل شئ فى هذا الكون.
والمستقر والمستودع: اسما مكان لمحل الاستقرار والإِيداع للدابة فى هذا الكون، سواء أكان ذلك فى الأصلاب أم فى الأرحام أم فى القبور أم فى غيرها.
قال الشوكانى: أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبى حاتم وأبو الشيخ، عن ابن عباس فى قوله {وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا} قال: حيث تأوى. ومستودعها قال: حيث تموت.
وأخرج ابن أبى شيبة وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه عن ابن مسعود قال: مستقرها فى الأرحام ومستودعها حيث تموت.
قال: ويؤيد هذا التفسير الذى ذهب إليه ابن مسعود ما أخرجه الترمذى الحكيم فى نوادر الأصول والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقى فى الشعب عن ابن مسعود عن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال:
"إذا كان أجل أحدكم بأرض، أتيحت له إليها حاجة، حتى إذا بلغ أقصى أثره منها فيقبض، فتقول الأرض يوم القيامة: هذا ما استودعتنى" .
وقوله: {كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} تذييل قصد به بيان دقة علمه - سبحانه - بعد بيان شمول هذا العلم وإحاطته بكل شئ.
والتنوين فى {كل} هو تنوين العوض، أى: كل ما يتعلق برزق هذه الدواب ومستقرها ومستودعها مسجل فى كتاب مبين، أى: فى كتاب واضح جلى ظاهر فى علم الله - سبحانه -، بحيث لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، وهذا الكتاب هو اللوح المحفوظ.
ثم ساق - سبحانه - ما يشهد بعظيم قدرته فقال - تعالى -: {وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَق ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ...}.
والأيام جمع يوم، والمراد به هنا مطلق الوقت الذى لا يعلم مقداره إلا الله - تعالى -.
أى: وهو - سبحانه - الذى أنشأ السماوات والأرض وما بينهما، على غير مثال سابق، فى ستة أيام من أيامه - تعالى -، التى لا يعلم مقدار زمانها إلا هو.
وقيل: أنشأهن فى مقدار ستة أيام من أيام الدنيا.
قال سعيد بن جبير - رضى الله عنه -: كان الله قادرا على خلق السماوات والأرض وما بينهما فى لمحة ولحظة، فخلقهن فى ستة أيام، تعليما لعباده التثبت والتأنى فى الأمور.
وقد جاءت آيات تدل على أنه - سبحانه - خلق الأض فى يومين، وخلق السماوات فى يومين وخلق ما بينهما فى يومين، وهذه الآيات هى قوله - تعالى -:
{ قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ. وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا فِيۤ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ. ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ. فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَىٰ فِي كُلِّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا... } وجملة {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى ٱلْمَآءِ} اعتراضية بين قوله {خَلَق ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ} وبين {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} ويجوز أن تكون حالية من فاعل خلق وهو الله - تعالى - وعرش الله - تعالى - من الألفاظ التى لا يعلمها البشر إلا بالاسم. وقد جاء ذكر العرش فى القرآن الكريم إحدى وعشرين مرة.
ونحن مكلفون بأن نؤمن بأن له - سبحانه - عرشا، أما كيفيته فنفوض علمها إليه - تعالى - .
والمعنى: أن الله - تعالى - خلق السماوات والأرض فى ستة أيام، وكان عرشه قبل خلقهما ليس تحته شئ سوى الماء.
قالوا: وفى ذلك دليل على أن العرش والماء كانا موجودين قبل وجود السماوات والأرض.
قال القرطبى: قوله: {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى ٱلْمَآءِ} بين - سبحانه - أن خلق العرش والماء، كان قبل خلق الأرض والسماء...
ثم قال: وروى البخارى عن عمران بين حصين قال كنت عند النبى - صلى الله عليه وسلم - إذ جاءه قوم من بنى تميم فقال:
"اقبلوا البشرى يا بنى تميم قالوا: بشرتنا فأعطنا. فدخل ناس من أهل اليمن فقالوا: جئنا لنتفقه فى الدين، ولنسألك عن هذا الدين ونسألك عن أول هذا الأمر.
قال: إن الله ولم يكن شئ غيره، وكان عرشه على الماء. ثم خلق السماوات والأرض، وكتب فى الذكر كل شئ"
.
وقال ابن كثير بعد هذا الحديث وغيره: وفى صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو ابن العاص قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء" .
وروى الإِمام أحمد عن لقيط بن عامر العقبلى قال: قلت يا رسول الله، أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه؟ قال: كان فى عماء، ما تحته هواء، وما فوقه هواء، ثم خلق العرش بعد ذلك.
والعماء: السحاب الرقيق، أى فوق سحاب مدبرا له، وعاليا عليه. والسحاب ليس تحته سوى الهواء، وليس فوقه سوى الهواء. والمراد أنه ليس مع الله - تعالى - شئ آخر.
وقوله - سبحانه - {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} جملة تعليلية. ويبلوكم من الابتلاء بمعنى الاختبار والامتحان.
أى: خلق ما خلق من السماوات والأرض وما فيهما من كائنات، ورتب فيهما جميع ما تحتاجون إليه من أسباب معاشكم، ليعاملكم معاملة من يختبر غيره، ليتميز المحسن من المسئ، والمطيع من العاصى، فيجازى المسحنين والطائعين بما يستحقون من ثواب، ويعاقب المسيئين والعاصين بما هم أهله من عقاب.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: كيف قيل: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} وأعمال المؤمنين هى التي تتفاوت إلى حسن وأحسن، فأما أعمال المؤمنين والكافرين فتفاوتها إلى حسن وقبيح؟ قلت: الذين هم أحسن عملا هم المتقون وهم الذين استبقوا إلى تحصيل ما هو مقصود الله - تعالى - من عباده، فخصهم بالذكر، وطرح ذكر من وراءهم، تشريفا لهم، وتنبيها على مكانهم منه، وليكون ذلك لطفا للسامعين، وترغيبا فى حيازة فضلهم.
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة ببيان موقف الكافرين من البعث والحساب فقال: {وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُمْ مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ ٱلْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ}.
أى: ولئن قلت يا محمد لهؤلاء الكافرين الذين أرسلك الله لإِخراجهم من ظلمات الكفر إلى نور الإِيمان، لئن قلت لهم {إِنَّكُمْ مَّبْعُوثُونَ} يوم القيامة {مِن بَعْدِ ٱلْمَوْتِ} الذى سيدرككم فى هذه الدنيا عند نهاية آجالكم {لَيَقُولَنَّ} لك هؤلاء الكافرون على سبيل الأنكار والتهكم ما هذا الذى تقوله يا محمد {إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ} أى: إلا سحر واضح جلى ظاهر لا لبس فيه ولا غموض.
وقرأ حمزة والكسائى وخلف {إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ} فتكون الإِشارة بقوله {هذا} إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - أى: أنه فى زعمهم يقول كلاما ليسحرهم به، وليصرفهم عما كان عليه آباؤهم وأجدادهم.
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك لونا من ألوان غرور المشركين، كما بين أحوال بعض الناس فى حالتى السراء والضراء فقال - تعالى -:
{وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ...}