التفاسير

< >
عرض

وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِيۤءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقَالَ هَـٰذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ
٧٧
وَجَآءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ قَالَ يٰقَوْمِ هَـٰؤُلاۤءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُواْ اللًّهَ وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ
٧٨
قَالُواْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ
٧٩
قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِيۤ إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ
٨٠
قَالُواْ يٰلُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُوۤاْ إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ ٱلْلَّيْلِ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ ٱمْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَآ أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ ٱلصُّبْحُ أَلَيْسَ ٱلصُّبْحُ بِقَرِيبٍ
٨١
فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنْضُودٍ
٨٢
مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ
٨٣
-هود

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

- تلك هى قصة لوط مع الرسل الذين جاءوا لإِهلاك قومه ومع قومه المجرمين، كما حكتها سورة هود.
- وقد وردت هذه القصة فى سور أخرى وبأساليب متنوعة، ومنها سورة الأعراف، والحجر، والشعراء، والنمل، والعنكبوت، والصافات، والذاريات، والقمر..
قال الإِمام ابن كثير: ولوط ابن هاران بن آزر، فهو ابن أخى إبراهيم، وكان قد آمن مع عمه إبراهيم وهاجر معه إلى أرض الشام، فبعثه الله إلى أهل بلدة سدوم وما حولها يدعوهم إلى وحدانية الله - تعالى -، ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عما كانوا يرتكبونه من المآثم والمحارم والفواحش التى اخترعوها دون أن يسبقهم بها أحد من بنى آدم ولا من غيرهم، وهو إتيان الذكور دون الإِناث، وهذا شئ لم يكن أحد من بنى آدم يعهده ولا يألفه ولا يخطر بباله، حتى صنع ذلك أهل سدوم - "وهم قرية بوادى الأردن عليهم لعائن الله"
- وقد بدأ - سبحانه - القصة هنا بتصوير ما اعترى لوطا - عليه السلام - من ضيق وغم عندما جاءته الرسل فقال: {وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِيۤءَ بِهِمْ...}
- أى: وحين جاء الملائكة إلى لوط - عليه السلام - بعد مفارقتهم لإبراهيم، ساءه وأحزنه مجيئهم، لأنه كان لا يعرفهم، ويعرف أن قومه قوم سوء، فخشى أن يعتدى قومه عليهم، بعادتهم الشنيعة، وهو عاجز عن الدفاع عنهم..
قال ابن كثير ما ملخصه: "يخبر الله - تعالى - عن قدوم رسله من الملائكة إلى لوط - عليه السلام - بعد مفارقتهم لإِبراهيم.. فأتوا لوطاً - عليه السلام - وهو على ما قيل فى أرض له. وقيل فى منزله، ووردوا عليه وهم فى أجمل صورة تكون، على هيئة شبان حسان الوجوه، ابتلاء من الله، وله الحكمة والحجة البالغة، فساءه شأنهم..."
- وقوله: {وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً} تصوير بديع لنفاد حيلته، واغتمام نفسه وعجزه عن وجود حيلة للخروج من المكروه الذى حل بهم.
قال القرطبى: والذرع مصدر ذرع. وأصله: أن يذرع البعير بيديه فى سيره ذرعاً على قدر سعة خطوه فإذا حمل عليه أكثر من طاقته ضاق عن ذلك وضعف ومد عنقه. فضيق الذرع عبارة عن ضيق الوسع. وقيل هو من ذرعه القئ أى غلبه.
أى: ضاق عن حبسه المكروه فى نفسه.
وإنما ضاق ذرعه بهم لما رأى من جمالهم، وما يعلمه من فسوق قومه...".
- و {ذرعا} تمييز محول عن الفاعل. أى: ضاق بأمرهم ذرعه.
{وَقَالَ هَـٰذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ}: أى وقال لوط - عليه السلام - فى ضجر وألم: هذا اليوم الذى جاءنى فيه هؤلاء الضيوف، يوم "عصيب" أى: شديد هوله وكربه.
وأصل العصب: الشد والضغط، فكأن هذا اليوم لشدة وقعه على نفسه قد عصب به الشر والبلاء، أى: شد به.
قال صاحب تفسير التحرير والتنوير: ومن بديع ترتيب هذه الجمل أنها جاءت على ترتيب حصولها فى الوجود، فإن أول ما يسبق إلى نفس الكاره للأمر أن يساء به ويتطلب المخلص منه، فإذا علم أنه لا مخلص له منه ضاق به ذرعاً. ثم يصدر تعبيراً عن المعانى يريح به نفسه".
- ثم بين - سبحانه - ما كان من قوم لوط - عليه السلام - عندما علموا بوجود هؤلاء الضيوف عنده فقال: {وَجَآءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ...}
- ويهرعون - بضم الياء وفتح الراء على صيغة المبنى للمفعول - أى: يدفع بعضهم بعضاً بشدة، كأن سائقاً يسوقهم إلى المكان الذى فيه لوط وضيوفه.
يقال: هُرع الرجل وأهرع - بالبناء للمفعول فيهما - إذا أعجل وأسرع لدافع يدفعه إلى ذلك.
قال الآلوسى: والعامة على قراءته مبنياً للمفعول، وقرأ جماعة يهرعون - بفتح الياء مع البناء للفاعل - من هرع - بفتح الهاء والراء - وأصله من الهرع وهو الدم الشديد السيلان، كأن بعضه يدفع بعضاً.
أى: وبعد أن علم قوم لوط بوجود هؤلاء الضيوف عند نبيهم، جاءوا إليه مسرعين يسوق بعضهم بعضاً إلى بيته من شدة الفرح، ومن قبل هذا المجئ، كان هؤلاء القوم الفجرة، يرتكبون السيئات الكثيرة، التى من أقبحها إتيانهم الرجال شهوة من دون النساء.
وقد طوى القرآن الكريم ذكر الغرض الذى جاءوا من أجله، وأشار إليه بقوله: {وَمِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ} للإِشعار بأن تلك الفاحشة صارت عادة من العادات المتأصلة فى نفوسهم الشاذة، فلا يسعون إلا من أجل قضائها.
ثم حكى القرآن بعد ذلك ما بادرهم به نبيهم بعد أن رأى هياجهم وتدافعهم نحو داره فقال: {يٰقَوْمِ هَـٰؤُلاۤءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ...}...
والمراد ببناته هنا: زوجاتهم ونساؤهم اللائى يصلحن للزواج، وأضافهن إلى نفسه؛ لأن كل نبى أب لأمته من حيث الشفقة وحسن التربية والتوجيه.
قال ابن كثير: قوله - تعالى - {يٰقَوْمِ هَـٰؤُلاۤءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ...} يرشدهم إلى نسائهم، فإن النبى للأمة بمنزلة الولد، فأرشدهم إلى ما هو أنفع لهم، كما قال لهم فى آية أخرى:
{ أَتَأْتُونَ ٱلذُّكْرَانَ مِنَ ٱلْعَالَمِينَ. وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ } )... قال مجاهد: لم يكن بناته، ولكن كن من أمته، وكل نبى أبو أمته...
وقال سعيد بن جبير: يعنى نساؤهم، هن بناته وهو أب لهم...
ومنهم من يرى أن المراد ببناته هنا: بناته من صلبه، وأنه عرض عليهم الزواج بهن...
ويضعف هذا الرأى أن لوطا - عليه السلام - كان له بنتان أو ثلاثة - كما جاء فى بعض الروايات - وعدد المتدافعين من قومه إلى بيته كان كثيراً، فكيف تكفيهم بنتان أو ثلاثة للزواج...؟
ويبدو لنا أن الرأى الأول أقرب إلى الصواب، وقد رجحه الإِمام الرازى بأن قال ما ملخصه: "وهذا القول عندى هو المختار، ويدل عليه وجوه. منها: أنه قال {هَـٰؤُلاۤءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ} وبناته اللاتى من صلبه لا تكفى للجمع العظيم، أما نساء أمته ففيهن كفاية للكل..
ومنها: أنه صحت الرواية أنه كان له بنتان وهما: "زنتا وزعورا، وإطلاق لفظ البنات على البنتين لا يجوز، لما ثبت أن أقل الجمع ثلاثة...".
والمعنى: أن لوطا - عليه السلام - عندما رأى تدافعهم نحو بيته لارتكاب الفاحشة التى ما سبقهم بها من أحد من العالمين، قال لهم: برجاء ورفق {يٰقَوْمِ} هؤلاء نساؤكم اللائى بمنزلة بناتى ارجعوا إليهن فاقضوا شهوتكم معهن فهن أطهر لكم نفساً وحسياً من التلوث برجس اللواط، وأفعل التفضيل هنا وهو {أطهر} ليس على بابه، بل هو للمبالغة فى الطهر.
قال القرطبى: وليس ألف أطهر للتفضيل، حتى يتوهم أن فى نكاح الرجال طهارة، بل هو كقولك الله أكبر - أى كبير - ... ولم يكابر الله - تعالى - أحد حتى يكون الله - تعالى - أكبر منه..."
ثم أضاف إلى هذا الإِرشاد لهم إرشاداً آخر فقال: {فَاتَّقُواْ اللًّهَ وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي...}
قال الجمل: ولفظ الضيف فى الأصل مصدر، ثم أطلق على الطارق ليلاً إلى المضيف، ولذا يقع على المفرد والمذكر وضديهما بلفظ واحد، وقد يثنى فيقال: ضيفان، ويجمع فيقال: "أضياف وضيوف...".
وتخزون: من الخزى وهو الإِهانة والمذلة. يقال: خزى الرجل يخزى خزياً.... إذا وقع فى بلية فذل بذلك.
أى: بعد أن أرشدهم إلى نسائهم، أمرهم بتقوى الله ومراقبته، فقال لهم: فاتقوا الله. ولا تجعلونى مخزياً مفضوحاً أمام ضيوفى بسبب اعتدائكم عليهم، فإن الاعتداء على الضيف كأنه اعتداء على المضيف.
ويبدو أن لوطاً - عليه السلام - قد قال هذه الجملة ليلمس بها نخوتهم إن كان قد بقى فيهم بقية من نخوة، ولكنه لما رأى إصرارهم على فجورهم وبخهم بقوله:
{أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ} يهدى إلى الرشد والفضيلة. وينهى عن الباطل والرذيلة. فيقف إلى جانبى، ويصرفكم عن ضيوفى؟
ولكن هذا النصح الحكيم من لوط لهم لم يحرك قلوبهم الميتة الآسنة. ولا فطرتهم الشاذة المنكوسة. بل ردوا عليه بقولهم:
{قَالُواْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ}.
أى: قال قوم لوط له بسفاهة ووقاحة: لقد علمت يا لوط علما لا شك معه، أننا لا رغبة لنا فى النساء، لا عن طريق الزواج ولا عن أى طريق آخر، فالمراد بالحق هنا: الرغبة والشهوة.
قال الشوكانى: قوله {مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ} أى: ما لنا فيهن من شهوة ولا حاجة، لأن من احتاج إلى شئ فكأنه حصل له فيه نوع حق، ومعنى ما نسبوه إليه من العلم أنه قد علم منهم المكالبة على إتيان الذكور وشدة الشهوة إليهم، فهم من هذه الحيثية كأنهم لا حاجة لهم إلى النساء. ويمكن أن يريدوا: أنه لا حق لنا فى نكاحهن..."
وقولهم: {وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ} إشارة خبيثة منهم إلى العمل الخبيث الذى ألفوه، وهو إتيان الذكور دون النساء أى: وإنك لتعلم علماً يقينيا الشئ الذى نريده فلماذا ترجعنا؟!
وقولهم هذا الذى حكته الآية الكريمة عنهم، يدل دلالة واضحة على أنهم قد بلغوا النهاية فى الخبث والوقاحة وتبلد الشعور...
لذا رد عليهم لوط - عليه السلام - رد اليائس من ارعوائهم عن غيهم، المتمنى لوجود قوة إلى جانبه تردعهم وتكف فجورهم... {قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِيۤ إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ}
والقوة: ما يتقوى به الإِنسان على غيره.
وآوى: أى ألجأ وأنضوى تقول: أويت إلى فلان فأنا آوى إليه أَوِيَّا أى: انضممت إليه.
والركن فى الأصل: القطعة من البيت أو الجبل، والمراد به هنا الشخص القوى الذى يلجأ إليه غيره لينتصر به...
ولو شرطية وجوابها محذوف، والتقدير: قال لوط - عليه السلام - بعد أن رأى من قومه الاستمرار فى غيهم، ولم يقدر على دفعهم - على سبيل التفجع والتحسر: لو أن معى قوة أدفعكم بها لبطشت بكم.
ويجوز أن تكون لو للتمنى فلا تحتاج إلى جواب أى: ليت معى قوة أستطيع بمناصرتها لى دفع شركم.
وقوله {أَوْ آوِيۤ إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ} معطوف على ما قبله، أو ليتنى أستطيع أن أجد شخصاً قوياً من ذوى المنعة والسلطان أحتمى به منكم ومن تهديدكم لى...
قالوا: وإنما قال لوط - عليه السلام - ذلك؛ لأنه كان غريباً عنهم، ولم يكن له نسب أو عشيرة فيهم.
وهنا - وبعد أن بلغ الضيق بلوط ما بلغ - كشف له الملائكة عن حقيقتهم، وبشروه بما يدخل الطمأنينة على قلبه {قَالُواْ يٰلُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُوۤاْ إِلَيْكَ} أى: إنا رسل ربك أرسلنا إليك لنخبرك بهلاكهم، فاطمئن فإنهم لن يصلوا إليك بسوء فى نفسك أو فينا.
روى أن الملائكة لما رأوا ما لقيه لوط - عليه السلام - من الهم والكرب بسببهم قالوا له: يا لوط إن ركنك لشديد... ثم ضربهم جبريل بجناحه فطمس أعينهم، فارتدوا على أدبارهم يقولون النجاء، وإليه الإِشارة بقوله - تعالى - فى سورة القمر:
{ وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَآ أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُواْ عَذَابِي وَنُذُرِ } وقوله: {فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ ٱلَّيلِ} أى: فاخرج من هذه القرية مصحوباً بالمؤمنين من أهلك فى جزء من الليل يكفى لابتعادك عن هؤلاء المجرمين.
قال القرطبى: قرئ "فاسر وفأسر بوصل الهمزة وقطعها لغتان فصيحتان. قال - تعالى -
{ وَٱلَّيلِ إِذَا يَسْرِ } وقال { سُبْحَانَ ٱلَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ... } وقيل "فأسر" بالقطع تقال لمن سار من أول الليل... وسرى لمن سار فى آخره، ولا يقال فى النهار إلا سار..."
وقوله: {وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ ٱمْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَآ أَصَابَهُمْ....} معطوف على ما قبله وهو قوله: {فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ...}.
أى: فأسر بأهلك فى جزء من الليل، ولا يلتفت منكم أحد إلى ما وراءه، اتقاء لرؤية العذاب، {إِلاَّ ٱمْرَأَتَكَ} يا لوط فاتركها ولا تأخذها معك لأنها كافرة خائنة، ولأنها سيصيبها العذاب الذى سينزل بهؤلاء المجرمين. فيهلكها معهم.
قال الإِمام الرازى ما ملخصه: قوله {إِلاَّ ٱمْرَأَتَكَ} قرأ ابن كثير وأبو عمرو {إِلاَّ ٱمْرَأَتَكَ} بالرفع، وقرأ الباقون بالنصب.
قال الواحدى: من نصب فقد جعلها مستثناة من الأهل، على معنى: فأسر بأهلك إلا امرأتك أى فلا تأخذها معك...
وأما الذين رفعوا فالتقدير؛ ولا يلتفت منكم أحد لكن امرأتك تلتفت فيصيبها ما أصابهم.
روى عن قتادة أنه قال: إنها كانت مع لوط حين خرج من القرية، "فلما سمعت العذاب التفتت وقالت واقوماه فأصابها حجر فأهلكها".
وقوله - سبحانه - {إِنَّ مَوْعِدَهُمُ ٱلصُّبْحُ أَلَيْسَ ٱلصُّبْحُ بِقَرِيبٍ} بشارة أخرى للوط - عليه السلام - الذى تمنى النصرة على قومه.
أى: إن موعد هلاك هؤلاء المجرمين يبتدئ من طلوع الفجر وينتهى مع طلوع الشمس، أليس الصبح بقريب من هذا الوقت الذى نحدثك فيه؟
قال - تعالى - فى سورة الحجر:
{ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ } أى: وهم داخلون فى وقت الشروق. فكان ابتداء العذاب عند طلوع الصبح وانتهاؤه وقت الشروق.
والجملة الكريمة {إِنَّ مَوْعِدَهُمُ ٱلصُّبْحُ...} كالتعليل للأمر بالإِسراء بأهله بسرعة، أو جواب عما جاش بصدره من استعجاله العذاب لهؤلاء المجرمين.
والاستفهام فى قوله - سبحانه - {أَلَيْسَ ٱلصُّبْحُ بِقَرِيبٍ} للتقرير أى: بلى إنه لقريب.
قال الآلوسى: روى أنه - عليه السلام - سأل الملائكة عن موعد هلاك قومه فقالوا له؛ موعدهم الصبح. فقال: أريد أسرع من ذلك. فقالوا له؛ أليس الصبح بقريب. ولعله إنما جعل ميقات هلاكهم الصبح لأنه وقت الدعة والراحة فيكون حلول العذاب حينئذ أفظع، ولأنه أنسب بكون ذلك عبرة للناظرين.
ثم حكى - سبحانه - فى نهاية القصة ما حل بهؤلاء المجرمين من عذاب فقال: {فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنْضُودٍ. مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ}.
أى: "فلما أمرنا" بإهلاك هؤلاء القوم المفسدين {جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا} أى: جعلنا أعلى بيوتهم أسفلها، بأن قلبناها عليهم، وهى عقوبة مناسبة لجريمتهم حيث قلبوا فطرتهم، فأتوا الذكران من العالمين؛ وتركوا ما خلق لهم ربهم من أزواجهم...
وقوله: {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنْضُودٍ} زيادة فى عقوبتهم ولعنهم.
أى: جعلنا أعلى قراهم أسفلها، وأمطرنا عليها حجارة {مِّن سِجِّيلٍ} أى: من حجر وطين مختلط، قد تحجر وتصلب {مَّنْضُودٍ} أى: متتابع فى النزول بدون انقطاع موضوع بعض على بعض، من النضد وهو وضع الأشياء بعضها إلى بعض.
{مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ} أى: معلمة بعلامات من عند ربك لا يعلمها إلا هو، ومعدة إعداداً خاصاً لإِهلاك هؤلاء القوم.
{وَمَا هِيَ} أى تلك القرى المهلكة {مِنَ ٱلظَّالِمِينَ} وهم مشركو مكة {بِبَعِيدٍ} أى: ببعيدة عنهم، بل هى قريبة منهم، ويمرون عليها فى أسفارهم إلى الشام.
قال - تعالى -
{ وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ. وَبِٱلَّيلِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } أى: وإنكم يا أهل مكة لتمرون على هؤلاء القوم المهلكين من قوم لوط فى وقت الصباح أى النهار، وتمرون عليهم بالليل أفلا تعقلون ذلك فتعتبروا وتتعظوا؟؟
ويجوز أن يكون الضمير فى قوله {وَمَا هِيَ} يعود إلى الحجارة التى أهلك الله بها هؤلاء القوم.
أى: وما هى تلك الحجارة الموصوفة بما ذكر من الظالمين ببعيد، بل هى حاضرة مهيئة بقدرة الله - تعالى - لإِهلاك الظالمين بها.
والمراد بالظالمين ما يشمل قوم لوط، ويشمل كل من عصى الله وتجاوز حدوده، ولم يتبع ما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
وهكذا كانت نهاية قوم لوط، فقد انطوت صفحتهم كما انطوت من قبلهم صفحات قوم نوح وهود وصالح - عليهم الصلاة والسلام -.
هذا ومن العبر والأحكام التى نأخذها من هذه الآيات الكريمة، أنه لا بأس على المسلم من أن يستعين بغيره لنصرة الحق الذى يدعو إليه، ولخذلان الباطل الذى ينهى عنه.
فلوط - عليه السلام - عندما رأى من قومه الإِصرار على غوايتهم ومفاسدهم تمنى لو كانت معه قوة تزجرهم وتردعهم وتمنعهم عن فسادهم.
وقد علق الإِمام ابن حزم على ما جاء فى الحديث الشريف بشأن لوط - عليه السلام - فقال ما ملخصه:
وظن بعض الفرق أن ما جاء فى الحديث الصحيح من قوله - صلى الله عليه وسلم -
"رحم الله لوطا لقد كان يأوى إلى ركن شديد" إنما هو من باب الإِنكار على لوط - عليه السلام - فى قوله {لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِيۤ إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ}.
والحق أنه لا تخالف بين القولين، بل كلاهما حق، لأن لوطاً - عليه السلام - إنما أراد منعة عاجلة يمنع بها قومه مما هم عليه من الفواحش. من قرابة أو عشيرة أو أتباع مؤمنين، وما جهل قط لوط - عليه السلام - أنه يأوى من ربه - تعالى - إلى أمنع قوة، وأشد ركن.
ولا جناح على لوط - عليه السلام - فى طلب قوة من الناس - فقد قال الله - تعالى -
{ وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ ٱلأَرْضُ } وقد طلب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الأنصار نصرته حتى يبلغ كلام ربه، فكيف ينكر على لوط أمراً هو فعله؟!!
تالله ما أنكر ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وإنما أخبر أن لوطا كان يأوى إلى ركن شديد، يعنى من نصر الله له بالملائكة، ولم يكن لوط علم بأنه ملائكة ...
ثم انتقلت السورة الكريمة بعد ذلك فقصت علينا ما كان بين شعيب - عليه السلام - وقومه وكيف أنه دعاهم إلى عبادة الله - تعالى - وحده بأسلوب بليغ حكيم، ولكنهم لم يستجيبوا له، فكانت عاقبتهم الهلاك كالذين من قبلهم قال - تعالى - :
{وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً...}