التفاسير

< >
عرض

ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ ٱلآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّىٰ حِينٍ
٣٥
وَدَخَلَ مَعَهُ ٱلسِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّيۤ أَرَانِيۤ أَعْصِرُ خَمْراً وَقَالَ ٱلآخَرُ إِنِّي أَرَانِيۤ أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ
٣٦
قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيكُمَا ذٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّيۤ إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ
٣٧
وَٱتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِـيۤ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَآ أَن نُّشْرِكَ بِٱللَّهِ مِن شَيْءٍ ذٰلِكَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ
٣٨
يٰصَاحِبَيِ ٱلسِّجْنِ ءَأَرْبَابٌ مُّتَّفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ
٣٩
مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَآءً سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمْ مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ
٤٠
يٰصَاحِبَيِ ٱلسِّجْنِ أَمَّآ أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَأَمَّا ٱلآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ قُضِيَ ٱلأَمْرُ ٱلَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ
٤١
وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا ٱذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ ٱلشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي ٱلسِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ
٤٢
-يوسف

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

وقوله - سبحانه - {ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ ٱلآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّىٰ حِينٍ} بيان لما فعله العزيز وحاشيته مع يوسف - عليه السلام - بعد أن ثبتت براءته.
وبدا هنا من البداء - بالفتح - وهو - كما يقول الإِمام الرازى - عبارة عن تغير الرأى عما كان عليه فى السابق.
والضمير فى "لهم" يعود إلى العزيز وأهل مشورته.
والمراد بالآيات: الحجج والبراهين الدالة على براءة يوسف ونزاهته، كانشقاق قميصه من دبر، وقول امرأة العزيز ولقد راودته عن نفسه فاستعصم، وشهادة الشاهد بأن يوسف هو الصادق وهى الكاذبة... والحين: الزمن غير المحدد بمدة معينة.
والمعنى: ثم ظهر للعزيز وحاشيته، من بعد ما رأوا وعاينوا البراهين المتعددة الدالة على صدق يوسف - عليه السلام - وطهارة عرضه.. بدا لهم بعد كل ذلك أن يغيروا رأيهم فى شأنه، وأن يسجنوه فى المكان المعد لذلك، إلى مدة غير معلومة من الزمان.
واللام فى قوله "ليسجننه" جواب لقسم محذوف على تقدير القول أى: ظهر لهم من بعد ما رأوا الآيات قائلين، والله ليسجننه حتى حين.
ولا شك أن الأمر بسجن يوسف - عليه السلام - كان بتأثير من امرأة العزيز، تنفيذا لتهديدها بعد أن صمم يوسف - عليه السلام - على عصيانها فيما تدعوه إليه، فقد سبق أن حكى القرآن عنها قولها
{ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَآ آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِّن ٱلصَّاغِرِينَ } ولا شك - أيضا - أن هذا القرار بسجن يوسف يدل على أن المرأة العزيز كانت مالكة لقياد زوجها صاحب المنصب الكبير، فهى تقوده حيث تريد كما يقود الرجل دابته.
ولقد عبر عن هذا المعنى صاحب الكشاف فقال ما ملخصه: قوله {ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ ٱلآيَاتِ...}
وهى الشواهد على براءته، وما كان ذلك إلا باستنزال المرأة لزوجها، وفتلها منه فى الذروة والغارب، وكان مطواعا لها، وجملا ذلولا زمامه فى يدها، حتى أنساه ذلك ما عاين من الآيات، وعمل برأيها فى سجنه، لإِلحاق الصغار به كما أوعدته، وذلك لما أيست من طاعته لها، وطمعت فى أن يذلِّلَه السجن ويسخره لها.
ثم بين - سبحانه - جانبا من أحواله بعد أن دخل السجن فقال: {وَدَخَلَ مَعَهُ ٱلسِّجْنَ فَتَيَانِ..}
والفتيان: تثنية فتى، وهو من جاوز الحلم ودخل فى سن الشباب.
قالوا: وهذان الفتيان كان أحدهما: خبازا للملك وصاحب طعامه وكان الثانى: ساقيا للملك، وصاحب شرابه.
وقد أدخلهما الملك السجن غضبا عليهما، لأنهما اتهما بخيانته.
والجملة الكريمة عطف على كلام محذوف يفهم من السياق، والتقدير بعد أن بدا للعزيز وحاشيته سجن يوسف. نفذا ما بدا لهم فسجنوه، ودخل معه فى السجن فتيان من خدم الملك "قال أحدهما" وهو ساقى الملك ليوسف - عليه السلام - :
{إِنِّيۤ أَرَانِيۤ أَعْصِرُ خَمْراً} أى: إنى رأيت فيما يرى النائم. إنى أعصر عنبا ليصير خمرا. سماه بما يؤول إليه.
{وَقَالَ ٱلآخَرُ إِنِّي أَرَانِيۤ أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِنْهُ} أى: وقال الثانى وهو خباز الملك، إنى رأيت فى المنام أنى أحمل فوق رأسى سلالا بها خبز، وهذا الخبز تأكل الطير منه وهو فوق رأسى.
والضمير المجرور فى قوله: {نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ} يعود إلى المرئى فى المنام أى: أخبرنا بتفسير ما رأيناه فى منامنا، إذ نراك ونعتقدك من القوم الذين يحسنون تأويل الرؤى، كما أننا نتوسم فيك الخير والصلاح، لإِحسانك إلى غيرك، من السجناء الذين أنت واحد منهم.
وقبل أن يبدأ يوسف - عليه السلام - فى تأويل رؤياهما، أخذ يمهد لذلك بأن يعرفهما بنفسه، وبعقيدته، ويدعوهما إلى عبادة الله وحده ويقيم لهما الأدلة على ذلك..
وهذا شأن المصلحين العقلاء المخلصين لعقيدتهم الغيورين على نشرها بين الناس، إنهم يسوقون لغيرهم من الكلام الحكيم ما يجعل هذا الغير يثق بهم، ويقبل عليهم، ويستجيب لهم..
وهذا ما كان من يوسف - عليه السلام - فقد بدأ فى رده عليهما بقوله: {قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيكُمَا..}.
أى: قال يوسف لرفيقيه فى السجن اللذين سألاه أن يفسر لهما رؤياهما: "لاَ يَأْتِيكُمَا" أيها الرفيقان {طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ} فى سجنكما، فى حال من الأحوال، إلا وأخبرتكما بماهيته وكيفيته وسائر أحواله قبل أن يصل إليكما.
وإنما قال لهما ذلك ليبرهن على صدقه فيما يقول،فيستجيبا لدعوته لهما إلى وحدانية الله بعد ذلك.
وقوله {ذٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّيۤ} نفى لما قد يتبادر إلى ذهنهما من أن علمه مأخوذ عن الكهانة أو التنجيم أو غير ذلك مما لا يقره الدين.
أى: ذلك التفسير الصحيح للرؤيا، والأخبار عن المغيبات، كأخباركما عن أحوال طعامكما قبل أن يصل إليكما..
ذلك كله إنما هو العلم الذى علمنى إياه ربى وخالقى ومالك أمرى، وليس عن طريق الكهانة أو التنجيم كما يفعل غيرى.
وقوله: {مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّيۤ} فيه إشعار بأن ما أخبرهما به من مغيبات هو جزء من علوم كثيرة علمها إياه ربه - عز وجل - فضلا منه - سبحانه - وكرما.
ثم أضاف إلى ذلك قوله: {إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ} أى دين قوم {لاَّ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ} أى لا يدينون بالعبودية لله - تعالى - وحده الذى خلقهم ورزقهم، وإنما يدينون بالعبودية لآلهة أخرى لا تنفع ولا تضر.
{وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ} وما فيها من ثواب وعقاب {هُمْ كَافِرُونَ} جاحدون لما يجب الإِيمان به.
وفى هذه الجملة الكريمة تعريض بما كان عليه العزيز وقومه، من إشراك وكفر، ولم يواجه الفتيان بأنهما على دين قومهما، وإنما ساق كلامه على سبيل العموم، لكى يزيد فى استمالتهما إليه، وإقبالهما عليه..
وهذا شأن الدعاة العقلاء، يلتزمون فى دعوتهم إلى الله الحكمة والموعظة الحسنة، بدون إحراج أو تنفير.
ولما كان تركه لملة هؤلاء القوم، يقتضى دخوله فى ملة قوم آخرين، تراه يصرح بالملة التى اتبعها فيقولك {وَٱتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِـيۤ} الكرام المؤمنين بوحدانية الله وبالآخرة وما فيها من حساب وجزاء.
{إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ}. وسماهم آباء جميعا، لأن الأجداد آباء، وقدم الجد الأعلى ثم الجد الأقرب ثم الأب، لكون إبراهيم هو أصل تلك الملة التى اتبعها، ثم تلقاها عنه إسحاق، ثم تلقاها عن إسحاق يعقوب - عليهم السلام -.
وفى هذه الجملة الكريمة، بيان منه - عليه السلام - لرفيقيه فى السجن، بأنه من سلسلة كريمة، كلها أنبياء، فحصل له بذلك الشرف الذى ليس بعده شرف، وقوله {مَا كَانَ لَنَآ أَن نُّشْرِكَ بِٱللَّهِ مِن شَيْءٍ} تنزه عن الشرك بأبلغ وجه.
أى: ما صح وما استقام لنا أن نشرك بالله - تعالى - أى شئ من الإِشراك، فنحن أهل بيت النبوة الذين عصمهم الله - تعالى - عن ذلك.
و "من" فى قوله {مِن شَيْءٍ} لتأكيد النفى وتعميمه. أى: ما كان لنا أهل هذا البيت الكريم أن نشرك بالله شيئا من الإِشراك، قليلا ذلك الشئ أو حقيرا.
وقوله {ذٰلِكَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى ٱلنَّاسِ...} اعتراف منه - عليه السلام - برعاية الله - تعالى - له ولآبائه.
واسم الإِشارة. يعود إلى الإيمان بالله - تعالى - المدلول عليه بنفى الشرك.
أى: ذلك الإِخلاص لله - تعالى - فى العبادة، كائن من فضله - سبحانه - علينا معاشر هذا البيت، وعلى غيرنا من الناس، الذين هداهم إلى الإِيمان الحق.
وقوله: {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ} إنصاف للقلة الشاكرة لله - تعالى -.
أى: ولكن أكثر الناس لا يشكرون الله - تعالى - على نعمه الجزيلة وآلائه التى لا تحصى.
وبعد أن عرف يوسف صاحبيه فى السجن بنفسه وبملته وبآبائه. شرع يقيم لهم الأدلة على صحة عقيدته، وعلى فساد عقيدتهما فقال - كما حكى القرآن عنه: {يٰصَاحِبَيِ ٱلسِّجْنِ ءَأَرْبَابٌ مُّتَّفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ}.
أى: يا صاحبى ورفيقى فى السجن أخبرانى بربكما، أعبادة عدد من الأرباب المتفرقة فى ذواتها وصفاتها "خير" لكما "أم" عبادة الله - تعالى - "الواحد" فى ذاته وصفاته "القهار" لكل من غالبه أو نازعه؟
وكرر نداءهما بالصحبة ليتحبب إليهما بهذه الصفة التى فيها إيناس للقلوب، وليسترعى انتباههما إلى ما سيقوله لهما.
قال صاحب المنار ما ملخصه: "وقوله: {ءَأَرْبَابٌ مُّتَّفَرِّقُونَ خَيْرٌ...} هذا استفهام تقرير بعد تخيير، ومقدمة لأظهر برهان على التوحيد، وكان المصريون المخاطبون به، يعبدون كغيرهم من الأمم أربابا متفرقين فى ذواتهم وفى صفاتهم وفى الأعمال التى يسندونها إليهم بزعمهم، فهو يقول لصاحبيه أأرباب متفرقون، أى عديدون هذا شأنهم فى التفرق والانقسام "خير" لكما ولغيركما {أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ..}
ولا شك أن الجواب الذى لا يختلف فيه عاقلان، أن عبادة الله - تعالى - الواحد القهار، هى العبادة الصحيحة التى توافق الفطرة السليمة والعقول القويمة.
ثم انتقل يوسف - عليه السلام - إلى تفنيد العقائد الباطلة والأوهام الكاذبة فقال: {مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ} أى من دون الله - تعالى - المستحق للعبادة.
{إِلاَّ أَسْمَآءً} أى ألفاظا فارغة لا قيمة لها.
{سَمَّيْتُمُوهَآ} آلهة بزعمكم {أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمْ} أما هى فليس لها من هذا الاسم المزعوم ظل من الحقيقة، لأنها مخلوقة وليست خالقة، ومرزوقة وليست رازقة، وزائلة وليست باقية، وما كان كذلك لا يستحق أن يكون إلها.
ومفعول {سَمَّيْتُمُوهَآ} الثانى محذوف. والتقدير سميتموها آلهة.
وقوله {وَآبَآؤُكُمْ} لقطع عذرهم، حتى لا يقولوا: إنا وجدنا آباءنا كذلك يفعلون، فكأنه - تعالى - يقول لهم: إن آباءكم كانوا أشد منكم جهلا وضلالا، فلا يصح لكم أن تقتدوا بهم.
والمراد بالسلطان فى قوله - تعالى - {مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ} الحجة والبرهان.
أى: ما أنزل الله - تعالى - بتسميتها أربابا - كما سميتموها بزعمكم - من برهان أو دليل يشعر بتسميتها بذلك، وإنما أنتم الذين خلعتم عليها هذه الأسماء.
وقوله: {إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ} إبطال لجميع التصرفات المزعومة لآلهتهم..
أى: ما الحكم فى شأن العقائد والعبادات والمعاملات وفى صحتها أو عدم صحتها إلا الله - تعالى - وحده، لأنه الخالق لكل شئ، والعليم بكل شئ.
وقوله {أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ} انتقال من الأدلة الدالة على وحدانيته - سبحانه - إلى الأمر بإخلاص العبادة له وحده.
أى: أمر - سبحانه - عباده أن لا يجعلوا عبادتهم إلا له وحده، لأنه هو خالقهم ورازقهم، وهو يحييهم ويمييتهم.
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله: {ذٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ}.
أى: ذلك الذى أمرناكم به من وجوب إخلاص العبادة لله - تعالى - وحده، هو الدين القيم.
أى: الحق المستقيم الثابت، ولكن أكثر الناس لا يعلمون ذلك حق العلم، لاستيلاء الشهوات والمطامع على نفوسهم.
وبعد أن عرف يوسف صاحبيه فى السجن بنفسه، وأقام لهما الأدلة على أن عبادة الله - تعالى - وحده هى الدين الحق ودعاهما إلى الدخول فيه..
بعد كل ذلك شرع فى تفسير رؤياهما ثقة فى قوله، فقال: {يٰصَاحِبَيِ ٱلسِّجْنِ أَمَّآ أَحَدُكُمَا} وهو ساقى الملك، فيخرج من السجن بريئا ويسقى "ربه" أى: سيده الملك "خمرا".
{وَأَمَّا ٱلآخَرُ} وهو خباز الملك وصاحب طعامه "فيصلب" أى: فيقتل ثم يصلب {فَتَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ} بعد موته.
ولم يعين يوسف - عليه السلام - من هو الذى سيسقى ربه خمرا، ومن هو الذى سيصلب، وإنما اكتفى بقوله "أما أحدكما... وأما الآخر" تلطفا معهما، وتحرجا من مواجهة صاحب المصير السئ بمصيره، وإن كان فى تعبيره ما يشير إلى مصير كل منهما بطريق غير مباشر.
ثم أكد لهما الأمر واثقا من صدق العلم الذى علمه الله إياه، فقال: {قُضِيَ ٱلأَمْرُ ٱلَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ}.
والاستفتاء: مصدر استفتى إذا طلب الفتوى من غيره فى أمر خفى عليه فهمه أى: تم التفسير الصحيح لرؤييكما اللتين سألتمانى عن تأويلهما.
ثم ختم يوسف - عليه السلام - حديثه مع صاحبيه فى السجن، بأن أوصى الذى سينجو منهما بوصية حكاها القرآن فى قوله: {وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا ٱذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ ٱلشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي ٱلسِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ}.
أى: "وقال" يوسف - عليه السلام - للفتى الذى اعتقد أنه سينجو منهما وهو ساقى الملك، أيها الساقى بعد أن تخرج من السجن وتعود إلى عملك عند سيدك الملك، اذكر حقيقة حالى عنده، وأنى سجين مظلوم.
ولكن الساقى بعد أن عاد إلى عمله عند الملك، لم ينفذ الوصية، لأن الشيطان أنساه ما قاله له يوسف، فكانت النتيجة أن لبث يوسف - عليه السلام - فى السجن مظلوما بضع سنين.
والبضع - بالكسر - من ثلاث إلى تسع، وهو مأخوذ من البضع - بالفتح - بمعنى القطع والشق. يقال: بضعت الشئ أى: قطعته.
وقد اختلفوا فى المدة التى قضاها يوسف فى السجن على أقوال من أشهرها أنه لبث فيه سبع سنين.
وعلى هذا التفسير يكون الضمير فى "فأنساه" يعود إلى ساقى الملك، ويكون المراد بربه أى: سيده ملك مصر.
وهناك من يرى أن الضمير فى قوله "فأنساه" يعود إلى يوسف - عليه السلام - وأن المراد بالرب هنا: الخالق - عز وجل -، وعليه يكون المعنى.
وقال يوسف - عليه السلام - للفتى الذى اعتقد نجاته وهو ساقى الملك: اذكر مظلمتى عند سيدك الملك عندما تعود إليه. واذكر له إحسانى لتفسير الرؤى..
وقوله {فَأَنْسَاهُ ٱلشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ} أى: فأنسى الشيطان يوسف أن يذكر حاجته لله وحد، ولا يذركها للساقى ليبلغها إلى الملك.
فكانت النتيجة أن لبث يوسف فى السجن بضع سنين بسبب هذا الاعتماد على المخلوق.
والذى يبدو لنا أن التفسير الأول أقرب إلى الصواب، لأنه هو الظاهر من معنى الآية الكريمة، ولأن قوله - تعالى - بعد ذلك {وَقَالَ ٱلَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَٱدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَاْ أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ...} يدل دلالة واضحة على أن الضمير فى قوله "فأنساه" يعود إلى ساقى الملك، وأن المراد بربه أى سيده.
وقد علق الإِمام الرازى على هذه الآية تعليقا يشعر بترجيحه للرأى الثانى فقال ما ملخصه: "واعلم أن الاستعانة بالناس فى دفع الظلم جائزة فى الشريعة، إلا أن حسنات الأبرار سيئات المقربين، فهذا وإن كان جائزا لعامة الخلق، إلا أن الأولى بالصديقين أن يقطعوا نظرهم عن الأسباب بالكلية، وألا يشتغلوا إلا بمسبب الأسباب..
ثم قال والذى جربته من أول عمري إلى آخره أن الإِنسان كلما عول فى أمر من الأمور على غير الله، صار ذلك سببا إلى البلاء وإلى المحنة.. وإذا عول العبد على الله ولم يرجع إلى أحد من الخلق حصل ذلك المطلوب على أحسن الوجوه، فهذه التجربة قد استمرت لى من أول عمرى إلى هذا الوقت الذى بلغت فيه السابعة والخمسين من عمرى.
ثم قال: واعلم أن الحق هو قول من قال إن الضمير فى قوله: {فَأَنْسَاهُ ٱلشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ} راجع إلى يوسف.. والمعنى: أن الشيطان أنسى يوسف أن يذكر ربه وخالقه..".
ونحن مع احترامنا لرأى الفخر الرازى، إلا أننا ما زلنا نرى أن عودة الضمير فى قوله "فأنساه" إلى الساقى الذى ظن يوسف أنه هو الناجى من العقوبة، أولى لما سبق أن ذكرناه.
قال ابن كثير: وقوله {ٱذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ ٱلشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ...}
أى: "قال يوسف اذكر قصتى عند ربك وهو الملك، فنسى ذلك الموصى أن يذكر مولاه بذلك، وكان نسيانه من جملة مكايد الشيطان.. هذا هو الصواب أن الضمير فى قوله: "فأنساه".. عائد على الناجى كما قال مجاهد ومحمد بن إسحاق وغير واحد...".
وإلى هنا تكون الآيات الكريمة قد قصت علينا بأسلوبها المشوق الحكيم جانبا من حياة يوسف - عليه السلام - فى السجن فماذا كان بعد ذلك؟
لقد كان بعد ذلك أن أراد الله - تعالى - فتح باب الفرج ليوسف - عليه السلام -، وكان من أسباب ذلك أن رأى الملك فى منامه رؤيا أفزعته، ولم يستطع أحد تأويلها تأويلا صحيحا سوى يوسف - عليه السلام - استمع إلى القرآن وهو يقص ذلك فيقول:
{وَقَالَ ٱلْمَلِكُ إِنِّيۤ أَرَىٰ سَبْعَ...}.