التفاسير

< >
عرض

فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ قَالُواْ يٰأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا ٱلضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا ٱلْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ إِنَّ ٱللَّهَ يَجْزِي ٱلْمُتَصَدِّقِينَ
٨٨
قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ
٨٩
قَالُوۤاْ أَءِنَّكَ لأَنتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ وَهَـٰذَا أَخِي قَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَآ إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ
٩٠
قَالُواْ تَٱللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ ٱللَّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ
٩١
قَالَ لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ يَغْفِرُ ٱللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ
٩٢
ٱذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَـٰذَا فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ
٩٣
وَلَمَّا فَصَلَتِ ٱلْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ
٩٤
قَالُواْ تَٱللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ ٱلْقَدِيمِ
٩٥
فَلَمَّآ أَن جَآءَ ٱلْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَىٰ وَجْهِهِ فَٱرْتَدَّ بَصِيراً قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إِنِّيۤ أَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ
٩٦
قَالُواْ يٰأَبَانَا ٱسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَآ إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ
٩٧
قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّيۤ إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ
٩٨
-يوسف

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

وقوله - تعالى - {فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ قَالُواْ يٰأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا ٱلضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا ٱلْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ...} حكاية لما قاله إخوة يوسف له، بعد أن امتثلوا أمر أبيهم، فخرجوا إلى مصر للمرة الثالثة، ليتحسسوا من يوسف وأخيه، وليشتروا من عزيزها ما هم فى حاجة إليه من طعام.
والبضاعة: هى القطعة من المال، يقصد بها شراء شئ.
والمزجاة: هى القليلة الرديئة التى ينصرف عنها التجار إهمالاً لها.
وقالوا: وكانت بضاعتهم دراهم زيوفا لا تؤخذ إلا بوضيعة - أى: بأقل قيمة - وقيل غير ذلك.
وأصل الإِزجاء: السوق والدفع قليلاً قليلاً، ومنه قوله - تعالى -
{ أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُزْجِي سَحَاباً... } أى: يرسله رويدا رويدا...
وسميت البضاعة الرديئة القلية مزجاة، لأنها ترد وتدفع ولا يقبلها التجار إلى بأبخس الأثمان.
والمعنى: وقال إخوة يوسف له بأدب واستعطاف، بعد أن دخلوا عليه للمرة الثالثة {يٰأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ} أى: الملك صاحب الجاه والسلطان والسعة فى الرزق، {مَسَّنَا وَأَهْلَنَا ٱلضُّرُّ} أى: أصابنا وأصاب أهلنا معنا الفقر والجدب والهزل من شدة الجوع.
{وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ} أى: وجئنا معنا من بلادنا ببضاعة قليلة رديئة يردها وينصرف عنها كل من يراها من التجار، إهمالاً لها، واحتقارا لشأنها.
وإنما قالوا له ذلك: استدراراً لعطفه، وتحريكاً لمروءته وسخائه، قبل أن يخبروه بمطلبهم الذى حكاه القرآن فى قوله:
{فَأَوْفِ لَنَا ٱلْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ...} أى: هذا هو حالنا شرحناه لك، وهو يدعو إلى الشفقة والرحمة، ما دام أمرنا كذلك، فأتمم لنا كيلنا ولا تنقص منه شيئا، وتصدق علينا فوق حقنا بما أنت أهل له من كرم ورحمة {إِنَّ ٱللَّهَ يَجْزِي ٱلْمُتَصَدِّقِينَ} على غيرهم جزاء كريما حسنا.
ويبدو أن يوسف - عليه السلام - قد تأثر بما أصابهم من ضر وضيق حال، تأثراً جعله لا يستطيع أن يخفى حقيقته عنهم أكثر من ذلك، فبادرهم بقوله: {قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ}.
أى:قال لهم يوسف - عليه السلام - على سبيل التعريض بهم، والتذكير بأخطائهم: هل علمتم ما فعلتموه بيوسف وأخيه من أذى وعدوان عليهما، وقت أن كنتم تجهلون سوء عاقبة هذا الأذى والعدوان.
قالوا: وقوله هذا يدل على سمو أخلاقه حتى لكأنه يلتمس لهم العذر، لأن ما فعلوه معه ومع أخيه كان فى وقت جهلهم وقصور عقولهم، وعدم علمهم بقبح ما أقدموا عليه...
وقيل: نفى عنهم العلم وأثبت لهم الجهل، لأنهم لم يعملوا بمقتضى علمهم.
والأول أولى وأقرب إلى ما يدل عليه سياق الآيات بعد ذلك، من عفوه عنهم، وطلب المغفرة لهم.
وهنا يعود إلى الإِخوة صوابهم، وتلوح لهم سمات أخيهم يوسف، فيقولون له فى دهشة وتعجب {قَالُوۤاْ أَإِنَّكَ لأَنتَ يُوسُفُ}؟
أى: أئنك لأنت أخونا يوسف الذى أكرمنا ... والذى فارقناه وهو صغير فأصبح الآن عزيز مصر، والمتصرف فى شئونها؟..
فرد عليهم بقوله {قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ} الذى تتحدثون عنه. والذى فعلتم معه ما فعلتم... {وَهَـٰذَا أَخِي} بنيامين الذى ألهمنى الله الفعل الذى عن طريقه احتجزته عندى، ولم أرسله معكم...
{قَدْ مَنَّ ٱللَّهُ} - تعالى - {علينا} حيث جمعنا بعد فراق طويل، وبدل أحوالنا من عسر إلى يسر ومن ضيق إلى فرج...
ثم علل ذلك بما حكاه القرآن عنه فى قوله {إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَِصْبِرْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ}.
أى: إن من شأن الإِنسان الذى يتقى الله - تعالى - ويصون نفسه عن كل ما لا يرضاه، ويصبر على قضائه وقدره، فإنه - تعالى - يرحمه برحمته، ويكرمه بكرمه، لأنه - سبحانه - لا يضيع أجر من أحسن عملا، وتلك سنته - سبحانه - التى لا تتخلف...
وهنا يجسد فى أذهان إخوة يوسف ما فعلوه معه فى الماضى، فينتابهم الخزى والخجل، حيث قابل إساءتهم إليه بالإِحسان عليهم، فقالوا له فى استعطاف وتذلل: {قَالُواْ تَٱللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ ٱللَّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ} أى: نقسم بالله - تعالى - لقد اختارك الله - تعالى - لرسالته، وفضلك علينا بالتقوى وبالصبر وبكل الصفات الكريمة.
أما نحن فقد كنا خاطئين فيما فعلناه معك، ومتعمدين لما ارتكبناه فى حقك من جرائم، ولذلك أعزك الله - تعالى - وأذلنا، وأغناك وأفقرنا، ونرجو منك الصفح والعفو.
فرد عليهم يوسف - عليه السلام - بقوله: {قَالَ لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ يَغْفِرُ ٱللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ}.
والتثريب: التعيير والتوبيخ والتأنيب. وأصله كما يقول الآلوسى: من الثرب، وهو الشحم الرقيق فى الجوف وعلى الكرش... فاستعير للتأنيب الذى يمزق الأعراض ويذهب بهاء الوجه، لأنه بإزالة الشحم يبدو الهزال، كما أنه بالتأنيب واللوم تظهر العيوب، فالجامع بينهما طريان النقص بعد الكمال.
أى: قال يوسف لإِخوته على سبيل الصفح والعفو يا إخوتى: لا لوم ولا تأنيب ولا تعيير عليكم اليوم، فقد عفوت عما صدر منكم فى حقى وفى حق أخى من أخطاء وآثام وأرجو الله - تعالى - أن يغفر لكم ما فرط منكم من ذنوب وهو - سبحانه - أرحم الراحمين بعباده.
وقوله {لاَ تَثْرِيبَ} اسم لا النافية للجنس، و {عَلَيْكُمُ} متعلق بمحذوف خبر لا، و {ٱلْيَوْمَ} متعلق بذلك الخبر المحذوف.
أى: لا تقريع ولا تأنيب ثابت أو مستقر عليكم اليوم.
وليس التقييد باليوم لإِفادة أن التقريع ثابت فى غيره، بل المراد نفيه عنهم فى كل ما مضى من الزمان، لأن الإِنسان إذا لم يوبخ صاحبه فى أول لقاء معه على أخطائه فلأن يترك ذلك بعد أول لقاء أولى.
ثم انتقل يوسف - عليه السلام - من الحديث عن الصفح عنهم إلى الحديث عن أبيه الذى ابيضت عيناه عليه من الحزن فقال:
{ٱذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَـٰذَا فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ}.
أى: اذهبوا يا إخوتى بقميصى هذا {فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِي} الذى طال حزنه بسبب فراقى له {يَأْتِ بَصِيراً} أى يرتد إيله كامل بصره، بعد أن ضعف من شدة الحزن.
{وأتونى} معه إلى هنا ومعكم أهلكم جميعاً من رجال ونساء وأطفال.
وقول يوسف هذا إنا هو بوحى من الله - تعالى - فهو - سبحانه - الذى ألهمه أن إلقاء قميصه على وجه أبيه يؤدى إلى ارتداد بصره إليه كاملا، وهذا من باب خرق العادة بالنسبة لهذين النبيين الكريمين.
واستجاب الإِخوة لتوجيه يوسف، فأخذوا قميصه وعادوا إلى أوطانهم ويصور القرآن ما حدث فيقول: {وَلَمَّا فَصَلَتِ ٱلْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ}.
و {فَصَلَتِ ٱلْعِيرُ} أى خرجت من مكان إلى مكان آخر. يقال: فصل فلان من بلده كذا فصولاً، إذا جاوز حدودها إلى حدود بلدة أخرى.
و {تفندون} من الفند وهو ضعف العقل بسبب المرض والتقدم فى السن.
والمعنى: وحين غادرت الإِبل التى تحمل إخوة يوسف حدود مصر، وأخذت طريقها إلى الأرض التى يسكنها يعقوب وبنوه، قال يعقوب - عليه السلام - لمن كان جالساً معه من أهله وأقاربه، استمعوا إلى {إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ}.
أى: رائحته التى تدل عليه، وتشير إلى قرب لقائى به.
و {لولا} أن تنسبونى إلى الفند وضعف العقل لصدقتمونى فيما قلت، أو لولا أن تنسبونى إلى ذلك لقلت لكم إنى أشعر أن لقائى بيوسف قد اقترب وقته وحان زمانه.
فجواب لولا محذوف لدلالة الكلام عليه.
وقد أشم الله - تعالى - يعقوب - عليه السلام - ما عبق من القميص من رائحة يوسف من مسيرة أيام، وهى معجزة ظاهرة له - عليه السلام -.
وقال الإِمام مالك -رحمه الله - أوصل الله - تعالى - ريح قميص يوسف ليعقوب، كما أوصل عرش بلقيس إلى سليمان قبل أن يرتد إلى سليمان طرفه.
ولكن المحيطين بيعقوب الذين قال لهم هذا القول، لم يشموا ما شمه، ولم يجدوا ما وجده، فردوا عليه بقولهم: {قَالُواْ تَٱللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ ٱلْقَدِيمِ}.
قالوا له على سبيل التسلية: إنك يا يعقوب مازلت غارقاً فى خطئك القديم الذى لا تريد أن يفارقك. وهو حبك ليوسف وأملك فى لقائه والإِكثار من ذكره.
وتحقق ما وجده يعقوب من رائحة يوسف.. وحل أوان المفاجأة التى حكاها القرآن فى قوله {فَلَمَّآ أَن جَآءَ ٱلْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَىٰ وَجْهِهِ فَٱرْتَدَّ بَصِيراً قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إِنِّيۤ أَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}.
أى: وحين أقترب أبناء يعقوب من دار أبيهم، تقدم البشير الذى يحمل قميص يوسف إلى يعقوب، فألقى القميص على وجهه فعاد إلى يعقوب بصره كأن لم يكن به ضعف أو مرض من قبل ذلك.
وهذه معجزة أكرم الله - تعالى - بها نبيه يعقوب - عليه السلام - حيث رد إليه بصره بسبب إلقاء قميص يوسف على وجهه.
وهنا قال يعقوب لأبنائه ولمن أنكر عليه قوله {إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ} {أَلَمْ أَقُلْ} قبل ذلك {إِنِّيۤ أَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ} أى: من رحمته وفضله وإحسانه {مَا لاَ تَعْلَمُونَ} أنتم.
وهنا قال الأبناء لأبيهم فى تذلل واستعطاف: {يٰأَبَانَا ٱسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَآ}.
أى: تضرع إلى الله - تعالى - أن يغفر لنا ما فرط منا من ذنوب فى حقك وفى حق أخوينا يوسف وبنيامين.
{إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ} فى حقك وفى حق أخوينا، ومن شأن الكريم أن يصفح ويعفو عمن اعترف له بالخطأ.
فكان رد أبيهم عليهم أن قال لهم: {سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّيۤ} أى: سوف أتضرع إلى ربى لكى يغفر لكم ذنوبكم.
{إِنَّهُ} - سبحانه - {هُوَ ٱلْغَفُورُ} أى الكثير المغفرة {ٱلرَّحِيمُ} أى: الكثير الرحمة لمن شاء أن يغفر له ويرحمه من عباده.
وهكذا صورت لنا السورة الكريمة ما دار بين يوسف وإخوته، وبين يعقوب وبنيه فى هذا اللقاء المثير الحافل بالمفاجآت والبشارات.
ولكن الأمر لم ينته عند هذا الحد، فقد كانت هناك مفاجآت وبشارات أخرى تحققت معها رؤيا يوسف وهو صغير، كما تحقق معها تأويل يعقوب لها فقد هاجر يعقوب ببنيه وأهله إلى مصر للقاء ابنه يوسف، وهناك اجتمع شملهم واستمع إلى القرآن الكريم وهو يحكى ذلك فى نهاية القصة فيقول:
{فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَىٰ يُوسُفَ...}.