التفاسير

< >
عرض

أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ ٱلْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ
١٩
ٱلَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَلاَ يَنقُضُونَ ٱلْمِيثَاقَ
٢٠
وَٱلَّذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ
٢١
وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ٱبْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ
٢٢
جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ
٢٣
سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ
٢٤
وَٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي ٱلأَرْضِ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوۤءُ ٱلدَّارِ
٢٥
ٱللَّهُ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَنْ يَشَآءُ وَيَقَدِرُ وَفَرِحُواْ بِٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَمَا ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا فِي ٱلآخِرَةِ إِلاَّ مَتَاعٌ
٢٦
-الرعد

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

قال الإمام الرازى: "قوله - تعالى - {أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ ٱلْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ...} إشارة إلى المثل المتقدم ذكره - فى قوله - تعالى - { أَنْزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاءِ مَآءً } )... وهو أن العالم بالشئ كالبصير، والجاهل به كالأعمى، وليس أحدهما كالآخر، لأن الأعمى إذا أخذ يمشى من غير قائد، فربما يقع فى المهالك.. أما البصير فإنه يكون آمنا من الهلاك والإِهلاك".
والمراد بالأعمى هنا: الكافر الذى انطمست بصيرته، فأصبح لا يفرق بين الحق والباطل.
والاستفهام للانكار والاستبعاد.
المعنى: أفمن يعلم أن ما أنزل إليك - أيها الرسول الكريم - من وحى هو الحق الذى يهدى للتى هى أقوم، كمن هو أعمى القلب: مطموس البصيرة؟؟
فالآية الكريمة تنفى بأبلغ أسلوب، مساواة الذين علموا الحق فاتبعوه، بمن جهلوه وأعرضوا عنه، وصموا آذانهم عن سماعه.
وقوله {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ} مدح لأصحاب العقول السليمة، الذين ذكروا بالحق فتذكروه، وآمنوا به، وتعليل لإِعراض الكافرين عنه، ببيان أن سبب إعراضهم، أنهم ليسوا أهلا للتذكر، لأن التذكر إنما هو من شأن أولى الألباب.
والألباب: جمع لب وهو الخالص من كل شئ.
أى: إنما يتذكر وينتفع بالتذكير، أصحاب العقول السليمة وهم المؤمنون الصادقون.
ثم مدح - سبحانه - أصحاب هذه العقول السليمة، بجملة من الخصال الكريمة فقال: {ٱلَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَلاَ يَنقُضُونَ ٱلْمِيثَاقَ}.
وعهد الله: فرائضه وأوامره ونواهيه. والوفاء بها: يتأتى باتباع ما أمر به - سبحانه - باجتناب ما نهى عنه.
وينقضون: من النقض، بمعنى الفسخ والحل لما كان مركبا أو موصولا.
والميثاق: العهد الموثق باليمين، للتقوية والتأكيد.
أى: إنما يتذكر أولوا الألباب، الذين من صفاتهم أنهم يوقنون بعهد الله - تعالى -، بأن يؤدوا كل ما كلفهم بأدائه، ويجتنبوا كل ما أمرهم باجتنابه ولا ينقضون شيئا من العهود والمواثيق التى التزموا بها. وصدر - سبحانه - صفات أولى الألباب، بصفة الوفاء بعهد الله، وعدم النقض للمواثيق، لأن هذه الصفة تدل على كمال الإِيمان، وصدق العزيمة، وصفاء النفس.
وأضاف - سبحانه - العهد إلى ذاته، للتشريف وللتحريض على الوفاء به.
وجملة {وَلاَ يَنقُضُونَ ٱلْمِيثَاق} تعميم بعد تخصيص، لتشمل عهودهم مع الله - تعالى - ومع غيره من عباده.
ثم بين - سبحانه - صفات أخرى لهم فقال: {وَٱلَّذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ}.
أى: أن من صفات أولى الألباب - أيضا - أنهم يصلون كل ما أمر الله - تعالى - بوصله كصلة الأرحام، وإفشاء السلام، وإعانة المحتاج، والإِحسان إلى الجار.
وقوله {وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ} خشية تحملهم على امتثال أمره واجتناب نهيه.
{وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ} أى: ويخافون أهوال يوم القيامة، وما فيه من حساب دقيق، فيحملهم ذلك على أن يحاسبوا أنفسهم قبل أن يحاسبوا.
قال الآلوسى ما ملخصه: "وهذا من قبيل ذكر الخاص بعد العام للاهتمام، والخشية والخوف قيل: بمعنى.
وفرق الراغب بينهما فقال: الخشية خوف يشوبه تعظيم، وأكثر ما يكون ذلك من علم.
وقال بعضهم: الخشية أشد الخوف، لأنها مأخوذة من قولهم: شجرة خشية، أى: يابسة.
ثم قال الآلوسى: والحق أن مثل هذه الفروق أغلبى لا كلى..".
ثم أضاف - سبحانه - إلى الصفات السابقة لأولى الألباب صفات أخرى حميدة فقال: {وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ٱبْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ} أى: أن من صفاتهم أنهم صبروا على طاعة الله، وصبروا عن معصيته، وصبروا على المصائب وآلامها، صبرا غايته رضا ربهم وخالقهم، لا رضا أحد سواه.
أى: أن صبرهم فى كل مجال يحمد فيه الصبر لم يكن من أجل الرياء أو المباهاة أو المجاملة أو غير ذلك، وإنما كان صبرهم من أجل رضا الله - تعالى - وطلب ثوابه.
وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله: {وَالَّذِينَ صَبَرُواْ} فيما يصبر عليه من المصائب فى النفوس والأموال ومشاق التكليف {ٱبْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ} لا ليقال ما أصبره وأحمله للنوازل، وأوقره عند الزلازل، ولا لئلا يعاب بالجزع، ولئلا يشمت به الاعداء، كقوله:

وتجلدى للشامتين أريهمأنى لريب الدهر لا أتزعزع

ولا لأنه لا طائل تحت الهلع، ولا مرد فيه للفائت.
وكل عمل له وجوه يعمل عليها، فعلى المؤمن أن ينوى منها ما به كان حسنا عند الله - تعالى - وإلا لم يستحق به ثوابا؛ وكان فعلا كلا فعل.
{وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ} أى: أدوها فى أوقاتها كاملة الأركان والسنن والأذكار، بخشوع وإخلاص. {وَأَنْفَقُواْ} بسخاء وطيب نفس {مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ} أى: مما أعطيناهم من عطائنا الواسع العميم. {سِرّاً وَعَلاَنِيَةً} أى: ينفقون مما رزقناهم سرا. حيث يحسن السر، كإعطاء من لم يتعود الأخذ من غيره، وينفقون {علانية} حيث تحسن العلانية، كأن ينفقوا بسخاء فى مجال التنافس فى الخير، ليقتدى بهم غيرهم {وَيَدْرَءُونَ بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ} والدرء: الدفع والطرد. يقال: درأه درءاً، إذا دفعه.
أى: أن من صفات أولى الألباب - أيضاً - أنهم يدفعون بالعمل الصالح العمل السئ، كما فى قوله - صلى الله عليه وسلم -
"وأتبع السيئة الحسنة تمحها" أو أنهم يدفعون سيئة من أساء إليهم بالإِحسان إليه، أو بالعفو عنه، متى كان هذا الإِحسان أو العفو لا يؤدى إلى مفسدة.
قال صاحب الظلال ما ملخصه: "وفى الآية إشارة خفية إلى مقابلة السيئة بالحسنة، عندما يكون فى هذا درء السيئة ودفعها لا إطماعها واستعلاؤها، فأما حين تحتاج السيئة إلى القمع، ويحتاج الشر إلى الدفع، فلا مكان لمقابلتهما بالحسنة، لئلا ينتفش الشر ويتجرأ ويستعلى.
ودرء السيئة بالحسنة يكون غالبا فى المعاملة الشخصية بين المتماثلين فأما فى دين الله فلا.
إن المستعلى الغاشم لا يجدى معه إلى الدفع الصارم، والمفسدون فى الأرض لا يجدى معهم إلا الأخذ الحاسم، والتوجيهات القرآنية متروكة لتدبر المواقف، واستشارة الألباب، والتصرف بما يرجح أنه الخير والصواب."
وجملة {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ} بيان الجزاء الحسن، الذى أعده الله - تعالى - لهؤلاء الأخيار.
والعقبى: مصدر كالعاقبة، وهى الشئ الذى يقع عقب شئ آخر.
والمراد بالدار: الدنيا. وعقباها الجنة. وقيل المراد بالدار: الدار الآخرة. وعقباها الجنة للطائعين، والنار للعاصين.
أى: أولئك الموصوفون بتلك الصفات الكريمة، لهم العاقبة الحسنة وهى الجنة. والجملة الكريمة خبر عن {ٱلَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ...} وما عطف عليها.
وقوله - سبحانه - {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ} تفصيل للمنزلة العالية التى أعدها - سبحانه - لهم.
أى: أولئك الذين قدموا ما قدموا فى دنياهم من العمل الصالح، لهم جنات دائمة باقية، يدخلونها هم {وَمَنْ صَلَحَ} أى: ومن كان صالحا لدخولها {مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ}.
أى: من أصولهم وفروعهم وأزواجهم على سبيل التكريم والزيادة فى فرحهم ومسيرتهم.
وفى قوله - سبحانه - {وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ...} دليل على أن هؤلاء الأقارب لا يستحقون دخول الجنة، إلا إذا كانت أعمالهم صالحة، أما إذا كانت غير ذلك فإن قرابتهم وحدها لا تنفعهم فى هذا اليوم الذى لا ينفع فيه مال ولا بنون
{ إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ } قال الإِمام ابن كثير: وقوله {وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ} أى: يجمع بينهم وبين أحبابهم فيها من الآباء والأهلين والأبناء، ممن هو صالح لدخول الجنة من المؤمنين، لتقر أعينهم بهم، حتى إنه ترفع درجة الأدنى إلى درجة الأعلى، من غير تنقيص لذلك الأعلى عن درجته، بل امتنانا من الله وإحسانا، كما قال - تعالى - { وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَآ أَلَتْنَاهُمْ مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ كُلُّ ٱمْرِىءٍ بِمَا كَسَبَ رَهَينٌ } وقوله - سبحانه - {وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ سَلاَمٌ عَلَيْكُم...} زيادة فى تكريمهم، وحكاية لما تحييهم به الملائكة.
أى: والملائكة يدخلون على هؤلاء الأوفياء الصابرين.. من كل باب من أبواب منازلهم فى الجنة، قائلين لهم: {سَلاَمٌ عَلَيْكُم} أى: أمان دائم عليكم {بِمَا صَبَرْتُمْ} أى: بسبب صبركم على كل ما يرضى الله - تعالى -.
{فَنِعْمَ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ} أى: فنعم العاقبة عاقية دنياكم، والمخصوص بالمدح محذوف لدلالة المقام عليه، أى: الجنة.
وفى قوله - سبحانه - {يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ} إشارة إلى كثرة قدوم الملائكة عليهم، وإلى كثرة أبواب بيوتهم، تكريما وتشريفا وتأنيسا لهم.
وجملة {سَلاَمٌ عَلَيْكُم} مقول لقول محذوف، وهو حال من فاعل يدخلون وهم الملائكة. وهى بشارة لهم بدوام السلامة.
وفى قوله {بِمَا صَبَرْتُمْ} إشارة إلى أن صبرهم على مشاق التكاليف، وعلى الأذى، وعلى كل ما يحمد فيه الصبر، كان على رأس الأسباب التى أوصلتهم إلى تلك المنازل العالية.
هذا ومن الأحاديث التى ذكرها الإِمام ابن كثير هنا، ما رواه الإِمام أحمد - بسنده - عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:
"هل تدرون أول من يدخل الجنة من خلق الله؟ قالوا: الله ورسوله أعلم: قال: أول من يدخل الجنة من خلق الله الفقراء المهاجرون، الذين تسد بهم الثغور، وتتقى بهم المكاره، ويموت أحدهم وحاجته فى صدره لا يستطيع لها قضاء، فيقول الله لمن يشاء من ملائكته: ائتوهم فحيوهم، فتقول الملائكة: نحن سكان سمائك وخيرتك من خلقك، أفتأمرنا أن نأتى هؤلاء فنسلم عليهم؟
قال: إنهم كانوا عبادا يعبدوننى لا يشركون بى شيئا، وتسد بهم الثغور، وتتقى بهم المكاره، ويموت أحدهم وحاجته فى صدره، فلا يستطيع لها قضاء. قال: فتأتيهم الملائكة عند ذلك، فيدخلون عليهم من كل باب {سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ}"
.
وبعد أن ذكر - سبحانه صفات هؤلاء الأوفياء، وما أعد لهم من ثواب جزيل، أتبع ذلك ببيان سوء عاقبة الناقضين لعهودهم، القاطعين لما أمر الله بوصله. المفسدين فى الأرض فقال - تعالى - {وَٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ}.
ونقض العهد: إبطاله وعدم الوفاء به.
وقوله: {مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ} زيادة فى تشنيع النقض: أى: ينقضون عهد الله تعالى ولا يوفون به. من بعد أن أكدوا التزامهم به وقبولهم لهم.
وقوله: {وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ} أى: ويقطعون كل ما أوجب الله - تعالى - وصله، ويدخل فيه وصل الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالاتباع والموالاة، ووصل المؤمنين بالمعاونة، والمحبة، ووصل أولى الارحام بالمودة والتعاطف، فالجملة الكريمة بيان لحال هؤلاء الأشقياء بأنهم كانوا على الضد من أولئك الأوفياء الأخيار الذين كانوا يصلون ما أمر الله به أن يوصل.
وقوله: {وَيُفْسِدُونَ فِي ٱلأَرْضِ} بيان لصفة ثالثة من صفاتهم القبيحة.
أى: أنهم كانوا يفسدون فى الأرض عن طريق حربهم لدعوة الحق، واعتدائهم على المؤمنين، وغير ذلك من الأمور التى كانوا يقترفونها مع أن الله - تعالى - قد حرمها ونهى عنها.
وقوله - تعالى -: {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوۤءُ ٱلدَّارِ} إخبار عن العذاب الشديد الذى سيلقونه فى آخرتهم. أى: أولئك الموصوفون بتلك الصفات الذميمة {لهم} من الله - تعالى - {اللعنة} والطرد من رحمته.
{ولهم} فوق ذلك، الدار السيئة وهى جهنم التى ليس فيها إلا ما يسوء الصائر إليها.
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك أن الغنى والفقر بيده، وأن العطاء والمنع بأمره فقال - تعالى -: {ٱللَّهُ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَنْ يَشَآءُ وَيَقَدِرُ..}. وبسط الرزق كناية عن سعته ووفرته وكثرته. ومعنى: "يقدر" يضيق ويقلل.
قال الإمام الشوكانى: "لما ذكر - سبحانه - عاقبة المشركين بقوله {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوۤءُ ٱلدَّارِ} كان لقائل أن يقول: قد نرى كثيرا منهم قد وفر الله له فى الرزق وبسط له فيه. فأجاب - سبحانه - عن ذلك: {ٱللَّهُ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَنْ يَشَآءُ وَيَقَدِرُ} فقد يبسط الرزق لمن كان كافرا، ويقتره على من كن مؤمنا ابتلاء وامتحانا، ولا يدل البسط على الكرامة، ولا القبض على الإِهانة.."
أى: الله - تعالى - وحده هو الذى يبسط الرزق لمن يشاء من خلقه، وهو وحده - أيضا - الذى يضيقه على من يشاء منهم لحكم هو يعلمها، ولا تعلق لذلك بالكفر أو الإِيمان، فقد يوسع على الكافر استدراجا له، وقد يضيق على المؤمن امتحانا له، أو زيادة فى أجره.
والضمير فى قوله: {وَفَرِحُواْ بِٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} يعود إلى مشركى مكة، وإلى كل من كان على شاكلتهم فى الكفر والطغيان. والمراد بالفرح هنا: الأشر والبطر وجحود النعم.
أى: وفرح هؤلاء الكافرون بربهم، الناقضون لعهودهم، بما أوتوا من بسطة فى الرزق فى دنياهم، فرح بطر وأشر ونسيان للآخرة لا فرح سرور بنعم الله، وشكر له - سبحانه - عليها، وتذكر للآخرة وما فيها من ثواب وعقاب..
وقوله - سبحانه - {وَمَا ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا فِي ٱلآخِرَةِ إِلاَّ مَتَاعٌ} بيان لقلة نعيم الدنيا بالنسبة لنعيم الآخرة.
والمتاع: ما يتمتع به الإنسان فى دنياه من مال وغيره لمدة محددة ثم ينقضى.
أى: إن هؤلاء الفرحين بنعم الله عليهم فى الدنيا، فرح بطر وأشر وجحود، لن يتمتعوا بها طويلا، لأن نعيم الدنيا ليس إلا شيئا قليلا بالنسبة لنعيم الآخرة.
وتنكير "متاع" للتقليل، كقوله - تعالى - فى آية أخرى:
{ لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي ٱلْبِلاَدِ. مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ } قال الآلوسى ما ملخصه: قوله {وَمَا ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا فِي ٱلآخِرَةِ} أى: كائنة فى جنب نعيم الآخرة، فالجار والمجرور فى موضع الحال، و "فى" هذه معناها المقايسة وهى كثيرة فى الكلام، كما يقال: ذنوب العبد فى رحمة الله - تعالى - كقطرة فى بحر، وهى الداخلة بين مفضول سابق، وفاضل لاحق...
والمراد بقوله: {إِلاَّ مَتَاعٌ} أى: إلا شيئا يسيرا يتمتع به كزاد الراعى.
والمعنى: أنهم رضوا بحظ الدنيا معرضين عن نعيم الآخرة، والحال أن ما فرحوا به فى جنب ما أعرضوا عنه قليل النفع، سريع النفاد.
أخرج الترمذى وصححه عن عبد الله بن مسعود قال:
"نام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على حصير، فقام وقد أثر فى جنبه، فقلنا يا رسول الله: لو اتخذنا لك؟ فقال - صلى الله عليه وسلم -: مالى وللدنيا، ما أنا فى الدنيا إلا كراكب استظل بشجرة ثم راح وتركها..." .
وبذلك نرى الآيات الكريمة قد بينت صفات المؤمنين وحسن عاقبتهم، وصفات الكافرين وسوء مصيرهم كما وضحت أن الأرزاق بيد الله - تعالى - يعطيها بسعة لمن يشاء من عباده، ويعطيها بقلة لغيرهم..
ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك بعض المطالب المعنتة التى طلبها الكافرون من النبى - صلى الله عليه وسلم -، ورد عليها بما يبطلها، ومدح المؤمنين لاطمئنان قلوبهم إلى سلامة دينهم من كل نقص، وأيأسهم من إيمان أعدائهم لاستيلاء العناد والجحود على قلوبهم، فقال - تعالى -:
{وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاَ...}.