التفاسير

< >
عرض

الۤمۤر تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ وَٱلَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ٱلْحَقُّ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ
١
ٱللَّهُ ٱلَّذِي رَفَعَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّـى يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ يُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَآءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ
٢
وَهُوَ ٱلَّذِي مَدَّ ٱلأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِىَ وَأَنْهَاراً وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ يُغْشِى ٱلَّيلَ ٱلنَّهَارَ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ
٣
وَفِي ٱلأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَىٰ بِمَآءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِي ٱلأُكُلِ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
٤
-الرعد

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

لقد افتتحت سورة الرعد ببعض الحروف المقطعة، وقد سبق أن تكلمنا عن آراء العلماء فى هذه الحروف فى سور: البقرة، وآل عمران، والأعراف، ويونس، وهود، ويوسف.
وقلنا ما ملخصه: إن أقرب الأقوال إلى الصواب، أن هذه الحروف المقطعة، قد وردت فى افتتاح بعض السور على سبيل الإِيقاظ والتنبيه إلى إعجاز القرآن.
فكأن الله - تعالى - يقول لأولئك المعارضين فى أن القرآن من عند الله: هاكم القرآن ترونه مؤلفاً من كلام هو من جنس ما تؤلفون من كلامكم، ومنظوماً من حروف هى من جنس الحروف الجهائية التى تنظمون منها كلماتكم.
فإن كنتم فى شك من كونه منزلاً من عند الله فهاتوا مثله، وادعوا من شئتم من الخلق لكى يعاونكم فى ذلك، فإن لم تستطيعوا أن تأتوا بمثله فهاتوا عشر سور من مثله، فإن لم تستطيعوا فهاتوا سورة واحدة من مثله..
ومع كل هذا التساهل معهم فى التحدى، فقد عجزوا وانقلبوا خاسرين، فثبت بذلك أن هذا القرآن من عند الله - تعالى -.
{تلك} اسم إِشارة، والمشار إليه الآيات، والمراد بها آيات القرآن الكريم، ويدخل فيها آيات السورة التى معنا.
والمراد بالكتاب: القرآن الكريم الذى أنزله - سبحانه - على نبيه - صلى الله عليه وسلم - لإِخراج الناس من ظلمات الجاهلية إلى نور الإِسلام.
وقوله {وَٱلَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ٱلْحَقُّ} تنويه بشأن القرآن الكريم، ورد على المشركين الذين زعموا أنه أساطير الأولين.
أى: تلك الآيات التى نقرؤها عليك - يا محمد - فى هذه السورة هى آيات الكتاب الكريم، وما أنزله الله - تعالى - عليك فى هذا الكتاب، هو الحق الخالص الذى لا يلتبس به باطل، ولا يحوم حول صحته شك أو التباس.
وفى قوله - سبحانه - {مِن رَّبِّكَ} مزيد من التلطف فى الخطاب معه - صلى الله عليه وسلم - فكأنه - سبحانه - يقول له: إن ما نزل عليك من قرآن هو من عند ربك الذى تعهدك بالرعاية والتربية حتى بلغت درجة الكمال.
واسم الموصول {الذى} مبتدأ، والجملة بعده صلة، والحق هو الخبر...
وقوله {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ} استدراك لبيان موقف أكثر الناس من هذا القرآن الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
أى: لقد أنزلنا عليك يا محمد هذا القرآن بالحق، ولكن أكثر الناس لا يؤمنون به لانطماس بصائرهم، واستيلاء العناد على نفوسهم...
وفى هذا الاستدراك، مدح لتلك القلة المؤمنة من الناس، وهم أولئك الذين فتحوا قلوبهم للحق منذ أن وصل إليهم، فآمنوا به، واعتصموا بحبله، ودافعوا عنه بأموالهم وأنفسهم وعلى رأس هذه القلة التى آمنت بالحق منذ أن بلغها: أبو بكر الصديق وغيره من السابقين إلى الإِسلام.
ثم أقام - سبحانه - الأدلة المتنوعة، عن طريق المشاهدة - على كمال قدرته، وعلى وجوب إخلاص العبادة له فقال - تعالى - {ٱللَّهُ ٱلَّذِي رَفَعَ ٱلسَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا}.
والعمد: جمع عماد، وهو ما تقام عليه القبة أو البيت.
وجملة {ترونها} فى محل نصب حال من السماوات.
أى: الله - سبحانه - هو الذى رفع هذه السماوات الهائلة فى صنعها وفى ضخامتها، بغير مستند يسندها، وبغير أعمدة تعتمد عليها، وأنتم ترون ذلك بأعينكم بجلاء ووضوح.
والمراد بقوله {رفع} أى خلقها مرتفعة منذ البداية، وليس المراد أنه - سبحانه - رفعها بعد أن كانت منخفضة.
ولا شك أن خلق السماوات على هذه الصورة من أكبر الأدلة على أن لهذا الكون خالقاً قادراً حكيماً، هو المستحق للعبادة والطاعة.
وقوله - سبحانه - {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ} معطوف على ما قبله، وهو دليل آخر على قدرة الله - تعالى - عن طريق الغائب الهائل الذى تتقاصر دونه المدارك بعد أن أقام الأدلة على ذلك عن طريق الحاضر المشاهد.
الاستواء فى اللغة يطلق على معان منها الاستقرار كما فى قوله - تعالى
- { { وَٱسْتَوَتْ عَلَى ٱلْجُودِيِّ } أى: استقرت، وبمعنى الاستيلاء والقهر.
وعرش الله - تعالى - مما لا يعلمه البشر إلا بالاسم - كما يقول الراغب - .
وقد ذكر لفظ العرش فى إحدى وعشرين آية، كما ذكر الاستواء على العرش فى سبع آيات من القرآن الكريم.
والمعنى: ثم استوى على العرش استواء يليق بذاته - تعالى - بلا كيف ولا انحصار ولا تشبيه ولا تمثيل، لاستحالة اتصافه - سبحانه - بصفات المحدثين.
قال الإِمام مالك -رحمه الله - : "الكيف غير معقول، والاستواء غير مجهول، والإِيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة".
ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر نعمه على عباده فقال: {وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّـى}. والتسخير: التذليل والخضوع.
أى: أن من مظاهر فضله أنه - سبحانه - سخر ذلك وأخضع لقدرته الشمس والقمر، بأن جعلهما طائعين لما أراده منهما من السير فى منازل معينة، ولأجل معين محدد لا يتجاوزانه ولا يتعديانه. بل يقفان عند نهاية المدة التى حددها - سبحانه - لوقوفهما وأفولهما.
قال - تعالى -
{ لاَ ٱلشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ ٱلقَمَرَ وَلاَ ٱلَّيْلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ } ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله: {يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ يُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَآءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ} وتدبير الأمر: تصريفه على أحسن الوجوه وأحكمها وأكملها.
والآيات: جمع آية. والمراد بها هنا: ما يشمل الآيات القرآنية، والبراهين الكونية الدالة على وحدانيته وقدرته - سبحانه -.
أى: أنه - سبحانه - يقضى ويقدر ويتصرف فى أمر خلقه على أكمل الوجوه وأنه - سبحانه - ينزل آياته القرآنية واضحة مفصلة، ويسوق الأدلة الدالة على وحدانيته وقدرته بطرق متعددة، وبوجوه متنوعة.
وقد فعل - سبحانه - ما فعل - من رفعه السماء بلا عمد، ومن تسخيره للشمس والقمر، ومن تدبيره لأمور خلقه، ومن تفصيله للآيات لعكلم عن طريق التأمل والتفكير فيما خلق، توقنون بلقائه، وتعتقدون أن من قدر على إيجاد هذه المخلوقات العظيمة، لا يعجزه أن يعيدكم إلى الحياة بعد موتكم، لكى يحاسبكم على أعمالكم.
وقال - سبحانه - {يدبر} و {يفصل} بصيغة المضارع. وقال قبل ذلك {رَفَعَ ٱلسَّمَاوَاتِ} و {وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ} بصيغة الماضى. لأن التدبير للأمور، والتفصيل للآيات، يتجددان بتجدد تعلق قدرته - سبحانه - بالمقدورات.
وأما رفع السماوات، وتسخير الشمس والقمر، فهى أمور قد تمت واستقرت دفعة واحدة.
وبعد أن ذكر - سبحانه - بعض مظاهر قدرته فى عالم السماوات، أتبعه بذكر بعض هذه المظاهر فى عالم الأرض فقال - تعالى - {وَهُوَ ٱلَّذِي مَدَّ ٱلأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَاراً وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْن} والمد: البسط والسعة. ومنه ظل مديد أى متسع.
والرواسى: الجبال مأخوذ من الرسو، وهو ثبات الأجسام الثقيلة، يقال: رسا الشئ يرسو رسْوا ورسُوًّا، إذا ثبت واستقر، وأرسيت الوتد فى الأرض إذا أثبته فيها.
ولفظ رواسى: صفة لموصوف محذوف. وهو من الصفات التى تغنى عن ذكر موصوفها.
والأنهار: جمع نهر، وهو مجرى الماء الفائض، ويطلق على الماء السائل على الأرض.
والمراد بالثمرات: ما يشملها هى وأشجارها، وإنما ذكرت الثمرات وحدها، لأنها هى موضع المنة والعبرة.
والمراد بالزوجين: الذكر والأنثى، وقيل المراد بهما الصنفان فى اللون أو فى الطعم أو فى القدر وما أشبه ذلك.
والمعنى: وهو - سبحانه - الذى بسط الأرض طولاً وعرضاً إلى المدى الذى لا يدركه البصر، ليتيسر الاستقرار عليها.
ولا تنافى بين مدها وبسطها، وبين كونها كروية، لأن مدها وبسطها على حسب رؤية العين، وكرويتها حسب الحقيقة.
وجعل فى هذه الأرض جبالاً ثوابت راسخات، لتمسكها من الاضطراب، وجعل فيها - أيضاً - أنهاراً، لينتفع الناس والحيوان وغيرهما بمياه هذه الأنهار.
وجعل فيها كذلك من كل نوع من أنواع الثمرات ذكرا وأنثى.
قال صاحب الكشاف: "أى خلق فيها من جميع أنواع الثمرات زوجين زوجين حين مدها، ثم تكاثرت بعد ذلك وتنوعت.
وقيل: أراد بالزوجين، الأسود والأبيض، والحلو والحامض، والصغير والكبير، وما أشبه ذلك من الأوصاف المختلفة".
وقال صاحب الظلال: "وهذه الجملة تتضمن حقيقة لم تعرف للبشر من طريق علمهم وبحثهم إلا قريباً، وهى أن كل الأحياء وأولها النبات تتألف من ذكر وأنثى، حتى النباتات التى كان مظنوناً أنه ليس لها من جنسها ذكور، تبين أنها تحمل فى ذاتها الزوج الآخر، فتضم أعضاء التذكير وأعضاء التأنيث مجتمعة فى زهرة، أو متفرقة فى العود..."
وقوله {يُغْشِي ٱلَّيْلَ ٱلنَّهَارَ} بيان لمظهر آخر من مظاهر قدرته - سبحانه - ورحمته بعباده.
ولفظ {يغشى} من التغشية بمعنى التغطية والستر.
والمعنى: أن من مظاهر قدرته - سبحانه - أنه يجعل الليل غاشيا للنهار مغطياً له فيذهب بنوره وضيائه، فيصير الكون مظلماً بعد أن كل مضيئاً. ويجعل النهار غاشياً لليل، فيصير الكون مضيئاً بعد أن كان مظلماً، وفى مكان من منافع الناس ما فيه، إذ بذلك يجمع الناس بين العمل والراحة، وبين السعى والسكون.
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله: {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}.
أى: إن فى ذلك الذى فعله الله - تعالى - من بسط الأرض طولاً وعرضاً ومن تثبيتها بالرواسى، ومن شقها بالأنهار... لآيات باهرة، ودلائل ظاهرة على قدرة الله - تعالى - ورحمته بعباده، لقوم يحسنون التفكر، ويطيلون التأمل فى ملكوت السماوات والأرض.
ثم ساق - سبحانه - مظاهر أخرى لقدرته فقال - تعالى -: {وَفِي ٱلأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ}.
والقطع: جمع قطعة - بكسر القاف - وهى الجزء من الشئ، تشبيها لها، بما يقتطع من الشئ.
ومتجاورات: أى: متلاقيات ومتقاربات.
وليس هذا الوصف مقصوداً لذاته، بل المقصود أنها من تجاورها وتقاربها مختلفة فى أوصافها مما يشهد بقدرة الله - تعالى - العظيمة.
ولذا قال ابن كثير ما ملخصه: {وَفِي ٱلأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ} أى: أراض يجاور بعضها بعضاً، مع أن هذه طيبة تنبت ما ينتفع به الناس، وهذه سبخة مالحة لا تنبت شيئاً، وهذه تربتها حمراء، وتلك تربتها سوداء... وهذه محجرة وتلك سهلة... والكل متجاورات، فهذا كله مما يدل على الفاعل المختار، لا إله إلا هو ولا رب سواه.
وقال - سبحانه - {وَفِي ٱلأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ} بإعادة اسم الأرض الظاهر، ولم يقل وفيها قطع متجاورات كما قال: {جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ} فى الآية السابقة، وذلك ليكون كاملاً مستقلا، وليتجدد الأسلوب فيزداد حلاوة وبلاغة. وقوله {وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَىٰ بِمَآءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِي ٱلأُكُلِ...} بيان لمظهر آخر من مظاهر قدرته - سبحانه - ورحمته بعباده.
والجنات: جمع جنة، والمراد بها البستان ذو الشجر المتكاثف، الملتف الأغصان الذى يظلل ما تحته ويستره.
والأعناب: جمع عنب وهو شجر الكرم.
والمراد بالزرع: أنواع الحبوب على اختلاف ألوانها وطعومها وصفاتها وقوله {صنوان} صفة لنخيل، وهو جمع صنو.
والصنو: الفرع الذى يجمعه مع غيره أصل واحد، فإذا خرجت نخلتان أو أكثر من أصل واحد، فكل واحدة منهن يطلق عليها اسم صنو.
ويطلق على الاثنتين صنوان - بكسر النون - ويطلق على الجمع صنوان - بضم النون-.
والصنو: بمعنى المثل ومنه قيل لعم الرجل: صنو أبيه، أى: مثله، فأطلق على كل غصن صنو لمماثلته للآخر فى التفرع من أصل واحد "والأكل" اسم لما يؤكل من الثمار والحب.
والمعنى: أن من مظاهر قدرت الله - أيضا - ومن الأدلة على وحدانيته - سبحانه - أنه جعل فى الأرض بقاعا كثيرة متجاورة ومع ذلك فهى مختلفة فى أوصافها وفى طبيعتها.. وفيها أيضا بساتين كثيرة من أعناب ومن كل نوع من أنواع الحبوب.
وفيها كذلك نخيل يجمعها أصل واحد فهى صنوان، ونخيل أخرى لا يجمعها أصل واحد فهى غير صنوان.
والكل من الأعناب والزرع والنخيل وغيرها {يُسْقَىٰ بِمَآءٍ وَاحِدٍ} لا اختلاف فى ذاته سواء أكان السقى من ماء الأمطار أم من ماء الأنهار ومع وجود أسباب التشابه، فإننا لعظيم قدرتنا وإحساننا {وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ} آخر منها {فِي ٱلأُكُلِ} أى: فى اختلاف الطعوم.
قال الإِمام الرازى: "قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحفص عن عاصم {وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ} كلها بالرفع عطفا على قوله {وجنات} وقرأ الباقون بالجر عطفاً على الأعناب..."
وخص - سبحانه - النخيل بوصفه بصنوان، لأن العبرة به أقوى، إذ المشاهدة له أكثر من غيره.
ووجه زيادة {غَيْرُ صِنْوَانٍ} تجديد العبرة باختلاف الأحوال، واقتصر - سبحانه - فى التفاضل على الأكل، لأنه أعظم المنافع.
وقوله - سبحانه - {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} تذييل قصد به الحض على التعقل والتدبر.
أى: إن فى ذلك الذى فصل الله - تعالى - أحواله من اختلاف أجناس الثمرات والزروع فى أشكالها وألوانها وطعومها وأوراقها... مع أنها تسقى بماء واحد. وتنبت فى أرض متجاورة، إن فى ذلك كله لدلائل باهرة، على قدرة الله - تعالى - واختصاصه بالعبادة، لقوم يستعملون عقولهم فى التفكير السليم، والتأمل النافع.
أما الذين يستعملون عقولهم فيما لا ينفع، فإنهم يمرون بالعبر والعظات وهم عنها معرضون.
وبذلك نرى أن الله - تعالى - قد ساق فى هذه الآيات أدلة متعددة ومتنوعة من العالم العلوى والسفلى، وكلها تدل على عظيم قدرته، وجليل حكمته.
وهذه الأدلة منها:
1 - خلقه السماوات مرتفعة بغير عمد.
2 - تسخيره الشمس والقمر لمنافع الناس.
3 - خلقه الأرض بتلك الصورة الصالحة للاستقرار عليها.
4 - خلقه الجبال فيها لتثبيتها.
5 - خلقه الأنهار فيها لمنفعة الإِنسان والحيوان والنبات.
6 - خلقه زوجين اثنين من كل نوع من أنواع الثمار.
7 - معاقبته بين الليل والنهار.
8 - خلقه بقاعا فى الأرض متجاورة مع اختلافها فى الطبيعة والخواص.
9 - خلقه أنواعاً من الزروع المختلفة فى ثمارها وأشكالها.
10 - خلقه النخيل صنواناً وغير صنوان، وجميعها تسقى بماء واحد.
ومع كل ذلك فضل - سبحانه - بعضها على بعض فى الأكل.
وهذه الأدلة يشاهدها الناس بأبصارهم، ويحسونها بحواسهم، تبصرة وذكرى لكل عبد منيب.
وبعد هذا الحديث المتنوع عن مظاهر قدرة الله فى خلقه، ساق - سبحانه - بعض أقوال المشركين الفاسدة، ورد عليها بما يدحضها فقال - تعالى - :
{وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَاباً أَإِنَّا لَفِي...}.