التفاسير

< >
عرض

وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّـكُمْ مِّنْ أَرْضِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ ٱلظَّالِمِينَ
١٣
وَلَنُسْكِنَنَّـكُمُ ٱلأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذٰلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ
١٤
وَٱسْتَفْتَحُواْ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ
١٥
مِّن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَىٰ مِن مَّآءٍ صَدِيدٍ
١٦
يَتَجَرَّعُهُ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ ٱلْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِن وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ
١٧
-إبراهيم

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

فقوله - سبحانه -: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّـكُمْ مِّنْ أَرْضِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا...} حكاية لما هدد به رءوس الكفر رسلهم، بعد أن أفحمهم الرسل بالحجة البالغة، وبالمنطق الحكيم.
واللام فى {لَنُخْرِجَنَّـكُمْ} هى الموطئة للقسم. و "أو" للتخيير بين الأمرين.
أى: وقال الذين عتوا فى الكفر - على سبيل التهديد - لرسلهم، الذين جاءوا لهدايتهم، والله لنخرجنكم - أيها الرسل - من أرضنا، أو لتعودن فى ديننا وملتنا.
قال الإِمام الرازى: "اعلم أنه - تعالى - لما حكى عن الأنبياء - عليهم السلام - أنهم قد اكتفوا فى دفع شرور أعدائهم بالتوكل عليه، والاعتماد على حفظه وحياطته، حكى عن الكفار أنهم بالغوا فى السفاهة وقالوا للأنبياء ولنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن فى ملتنا".
والمعنى: ليكونن أحد الأمرين لا محالة، إما إخراجكم وإما عودكم إلى ملتنا.
والسبب فيه أن أهل الحق فى كل زمان يكونون قليلين. وأهل الباطل يكونون كثيرين والظلمة والفسقة يكونون متعاونين متعاضدين، فلهذه الأسباب قدروا على هذه السفاهة.
والتعبير بقوله - سبحانه - {أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} يفيد بظاهره أن الرسل كانوا على ملة الكافرين ثم تركوها، فإن العود معناه: الرجوع إلى الشئ بعد مفارقته. وهذا محال، فإن الأنبياء معصومون - حتى قبل النبوة - عن ارتكاب الكبائر، فضلاً عن الشرك.
وقد أجيب عن ذلك بإجابات منها:
أن الخطاب وإن كان فى الظاهر مع الرسل، إلا أن المقصود به أتباعهم المؤمنون، الذين كانوا قبل الإِيمان بالرسل على دين أقوامهم، فكأنهم يقولون لهؤلاء الاتباع: لقد كنتم على ملتنا ثم تركتموها، فإما أن تعودوا إليها وإما أن تخرجوا من ديارنا، إلا أن رءوس الكفر وجهوا الخطاب إلى الرسل من باب التغليب.
ومنها: أن العود هنا بمعنى الصيرورة، إذ كثيراً ما يرد "عاد" بمعنى صار، فيعمل عمل كان، ولا يستدعى الرجوع إلى حالة سابقة، بل يستدعى الانتقال من حال سابقة إلى حال جديدة مستأنفة، فيكون المعنى: لنخرجنكم من أرضنا أو لتصيرن كفاراً مثلنا.
ومنها: أن هذا القول من الكفار جار على توهمهم وظنهم، أن الرسل كانت قبل دعوى النبوة على ملتهم، لسكوتهم قبل البعثة عن الإِنكار عليهم، فلهذا التوهم قالوا ما قالوا، وهم كاذبون فيما قالوه.
وشبيه بهذه الآية قول قوم شعيب - عليه السلام - له
{ لَنُخْرِجَنَّكَ يٰشُعَيْبُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا... } وقول قوم لوط له { أَخْرِجُوۤاْ آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ } وقوله - سبحانه -: {فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ ٱلظَّالِمِينَ. وَلَنُسْكِنَنَّـكُمُ ٱلأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ..} بشارة عظيمة من الله - تعالى - لرسله، ووعد لهم بالنصر على أعدائهم...
أى: فأوحى الله - تعالى - إلى الرسل - بعد أن قال لهم الكافرون - ما قالوا -: أبشروا أيها الرسل {لَنُهْلِكَنَّ ٱلظَّالِمِينَ} الذين هددوكم بالإِخراج من الديار، أو بالعودة إلى ملتهم، {وَلَنُسْكِنَنَّـكُمُ} - أيها الرسل {الأرض} أى أرضهم {مِن بَعْدِهِمْ} أى من بعد إهلاكهم واستئصال شأفتهم.
قال الآلوسى ما ملخصه: "وأوحى هنا يحتمل أن يكون بمعنى فعل الإِيحاء فلا مفعول له".
وقوله {لَنُهْلِكَنَّ} على إضمار القول، أى: قائلاً لنلهكن، ويحتمل أن يكون جارياً مجرى القول لكونه ضرباً منه، وقوله {لَنُهْلِكَنَّ} مفعوله...
وخص - سبحانه - الظالمين من الذين كفروا، لأنه من الجائز أن يؤمن من الكفرة الذين قالوا تلك المقالة أناس معينون، فالتوعد لإِهلاك من خلص للظلم".
وأكد - سبحانه - إهلاك الظالمين وإسكان الرسل أرضهم، بلام القسم ونون التوكيد.. زيادة فى إدخال السرور على نفوس الرسل، وفى تثبيت قلوبهم على الحق، ورداً على أولئك الظالمين الذين أقسموا بأن يخرجوا الرسل من ديارهم، أو يعودوا إلى ملتهم.
قال صاحب الكشاف: "والمراد بالأرض فى قوله {وَلَنُسْكِنَنَّـكُمُ ٱلأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ} أرض الظالمين وديارهم، ونحوه:
{ وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ ٱلَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ ٱلأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا } } { { وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ } }. وعن النبى - صلى الله عليه وسلم - "من آذى جاره ورثه الله داره" .
ثم قال: ولقد عاينت هذا فى مدة قريبة، كان لى خال يظلمه عظيم القرية التى أنا منها ويؤذينى فيه، فمات ذلك العظيم وملكنى الله ضيعته، فنظرت يوماً إلى أبناء خالى يترددون فيها، ويدخلون فى دورها ويخرجون ويأمرون وينهون، فذكرت قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "وحدثتهم به، وسجدنا شكراً لله" .
واسم الإِشارة فى قوله - سبحانه - {ذٰلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ} يعود إلى ما قضى الله به من إهلاك الظالمين، وتمكين الرسل وأتباعهم من أرضهم.
أى: ذلك الذى قضيت به كائن لمن خاف قيامى عليه، ومراقبتى له، ومكان وقوفه بين يدى للحساب، وخاف وعيدى بالعذاب لمن عصانى.
قال الجمل: "ومقامى فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه مقحم - وهو بعيد إذ الأسماء لا تقحم، أى ذلك لمن خافنى - الثانى: أنه مصدر مضاف للفاعل.
قال الفراء: مقامى مصدر مضاف لفاعله، أى قيامى عليه بالحفظ. الثالث: أنه اسم مكان، قال الزجاج: مكان وقوفه بين يدى الحساب".
وقوله - سبحانه - {واستفتحوا} من الاستفتاح بمعنى الاستنصار، أى: طلب النصر من الله - تعالى - على الأعداء. والسين والتاء للطلب.
ومنه قوله - تعالى -
{ إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَآءَكُمُ ٱلْفَتْحُ... } وقوله - تعالى - { وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ... } أو يكون {واستفتحوا} من الفتاحة بمعنى الحكم والقضاء، أى: واستحكموا الله - تعالى - وطلبوا منه القضاء والحكم، ومنه قوله - تعالى - { رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْفَاتِحِينَ } والجملة الكريمة معطوفة على {فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ}، والضمير يعود إلى الرسل.
والمعنى: والتمس الرسل من خالقهم - عز وجل - أن ينصرهم على أعدائه وأعدائهم، وأن يحكم بحكمه العادل بينهم وبين هؤلاء المكذبين.
قالوا: ومما يؤيد ذلك قراءة ابن عباس ومجاهد وابن محيصن {واستفتحوا} - بكسر التاء - أمراً للرسل.
ومنهم من يرى أن الضمير يعود للفريقين: الرسل ومكذبيهم. أى: أن كل فريق دعا الله أن ينصره على الفريق الآخر.
وقوله {وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ} بيان لنتيجة الاستفتاح. والجبار: الإِنسان المتكبر المغرور المتعالى على غيره، المدعى لمنزلة أو لشئ ليس من حقه.
والعنيد: مأخوذ من العند - بفتح النون - بمعنى الميل. يقال: عند فلان عن الطريق - كنصر وضرب وكرم - عنودا، إذا مال عنها. وعند فلان عن الحق، إذا خالفه.
والجملة الكريمة معطوفة على محذوف، والتقدير: واستفتحوا فنصر الله - تعالى - رسله على أعدائهم، وخاب وخسر، كل متكبر متجبر معاند للحق.
قال ابن كثير: قوله: {وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ} أى: متجبر فى نفسه معاند للحق، كما قال - تعالى -
{ أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ. مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُّرِيبٍ. ٱلَّذِي جَعَلَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي ٱلْعَذَابِ ٱلشَّدِيدِ } وفى الحديث: "يؤتى بجهنم يوم القيامة، فتنادى الخلائق فتقول: إنى وكلت بكل جبار عنيد..." .
وقال - سبحانه - {وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ} ولم يقل وخاب الذين كفروا كما هو مقتضى الظاهر من السياق، للتنبيه على أن الذين كفروا كانوا جبابرة معاندين للحق، وأن كل من كان كذلك فلا بد من أن تكون عاقبته الخيبة والخسران.
وقوله {مِّن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ} صفة لجبار عنيد.
والمراد بقوله: {مِّن وَرَآئِهِ} أى: من أمامه، أو من بعد هلاكه.
أى: من أمام خيبة هذا الجبار العنيد جهنم، تنتظر ليحل بها، بسبب كفره وظلمه.
قال صاحب أضواء البيان: قوله {مِّن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ...} الوراء هنا بمعنى الأمام كما هو ظاهر، ومنه قوله - تعالى -
{ وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً } أى: وكان أمامهم ملك.. ومنه قول الشاعر:

أترجو بنو مروان سمعى وطاعتىوقومى تميم والفلاة ورائيا

أى: والفلاة أماميا.
وقال بعضهم: قوله {مِّن وَرَآئِهِ} أى من بعد هلاكه، ومنه قول النابغة:

حلفت فلم أترك لنفسك ريبةوليس وراء الله للمرء مذهب

أى: وليس بعد الله للمرء مذهب، والأول هو الظاهر وهو الحق.
وعلى أية حال فإن الجملة الكريمة تدل على أن جنهم تنتظر هذا الجبار العنيد، وتترصد له، وتتبعه حيث كان، بحيث لا يستطيع الفرار منها، أو الهرب عنها.
وجملة {وَيُسْقَىٰ مِن مَّآءٍ صَدِيدٍ} معطوفة على مقدر، أى: من ورائه جهنم يلقى فيها مذءوماً مدحوراً، ويسقى من ماء مخصوص ليس كالمياه المعهودة، هو الصديد، أى ما يسيل من أجساد هذا النار من دم مختلط بقيح، واشتقاقه من الصد، لأنه يصد الناظرين عن رؤيته. وهو بدل أو عطف بيان من ماء.
وقوله {يَتَجَرَّعُهُ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ..} بيان لحالة هذا الجبار العنيد عند تعاطيه الصديد.
والتجرع: تكلف الجرع وهو بلع الماء، وفعله - كسمع ومنع -.
ويسيغه: من السوغ وهو انحدار الشراب فى الحلق بسهولة وقبول. يقال: ساغ الشراب سوغا وسواغا، إذا كان سهل المدخل.
أى: يتكلف بلع هذا الصديد مرة بعد أخرى لمرارته وقبحه، ولا يقارب أن يسيغه فضلاً عن الإِساغة. بل يغص به فيشربه بعد عناء ومشقة جرعة عقب جرعة".
وقوله {وَيَأْتِيهِ ٱلْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِن وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ} معطوف على قوله {يَتَجَرَّعُهُ} لبيان حالة أخرى من أحوال شقائه وعذابه.
أى: وتأتيه الأسباب المؤدية للموت والهلاك من كل جهة من الجهات، ومن كل موضع من مواضع بدنه، وما هو بميت فيستريح من هذا الشقاء والعذاب، ومن وراء كل ذلك عذاب غليظ أى: شاق شديد لا يقل فى ألمه عما هو فيه من نكال.
وشبيه بهذه الجملة قوله - تعالى -
{ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لاَ يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ } وقوله - تعالى - { وَيَتَجَنَّبُهَا ٱلأَشْقَى. ٱلَّذِى يَصْلَى ٱلنَّارَ ٱلْكُبْرَىٰ. ثُمَّ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَا } وبذلك نرى الآيات الكريمة قد صورت لنا سوء عاقبة المكذبين للحق تصويراً مؤثراً، تهتز له النفس، وتوجل منه القلوب.
ثم ضرب - سبحانه - مثلاً لأعمال الكافرين فى حبوطها وذهابها يوم القيامة، وساق الأدلة الدالة على قدرته القاهرة، وصور أحوال الكافرين يوم يقوم الناس لرب العالمين، وحكى ما يقوله الضعفاء للمستكبرين وما يقوله الشيطان لأتباعه فى هذا اليوم العصيب، وما أعده الله للمؤمنين الصادقين فى هذا اليوم فقال - تعالى - :
{مَّثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ...}.