التفاسير

< >
عرض

مَّثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ ٱشْتَدَّتْ بِهِ ٱلرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَىٰ شَيْءٍ ذٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلاَلُ ٱلْبَعِيدُ
١٨
أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحقِّ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ
١٩
وَمَا ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ بِعَزِيزٍ
٢٠
وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعاً فَقَالَ ٱلضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوۤاْ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُمْ مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ قَالُواْ لَوْ هَدَانَا ٱللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ
٢١
وَقَالَ ٱلشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ ٱلأَمْرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوۤاْ أَنفُسَكُمْ مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ ٱلظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
٢٢
وَأُدْخِلَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ
٢٣
-إبراهيم

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

قال الإِمام الرازى: "اعلم أنه - تعالى - لما ذكر أنواع عذابهم فى الآية المتقدمة، بين فى هذه الآية وهى قوله - تعالى - {مَّثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ...} أن أعمالهم بأسرها ضائعة باطلة، لا ينتفعون بشئ منها. وعند هذا يظهر كمال خسرانهم، لأنهم لا يجدون فى القيامة إلا العقاب الشديد وكل ما عملوه فى الدنيا وجدوه ضائعاً باطلاً".
والمثل: النظير والشبيه. ثم أطلق على القول السائر المعروف، لمماثلة مضربه بمورده، ولا يكون إلا فيما فيه غرابة، ثم استعير للصفة، أو الحال، أو القصة إذا كان لها شأن عجيب، وفيها غرابة.
والمراد بأعمال الذين كفروا فى الآية الكريمة: ما كانوا يقومون به فى الدنيا من أعمال حسنة كإطعام الطعام، ومساعدة المحتاجين، وإكرام الضيف، إلى غير ذلك من الأعمال الطيبة.
والرماد: ما يتبقى من الشئ بعد احتراق أصله، كالمتبقى من الخشب أو الحطب بعد احتراقهما.
والعاصف: من العصف وهو اشتداد الريح، وقوة هبوبها.
قال الجمل: "وقوله: {مَّثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ...} فيه أوجه للإِعراب: أحدها وهو مذهب سيبويه: أنه مبتدأ محذوف الخبر تقديره: فيما يتلى عليكم مثل الذين كفروا، وتكون الجملة من قوله {أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ...} مستأنفة جواب لسؤال مقدر، كأنه قيل: كيف مثلهم..؟ فقيل: كيت وكيت.
والثانى: أن يكون "مثل" مبتدأ و "أعمالهم" مبتدأ ثان، و "كرماد" خبر المبتدأ الثانى، والمبتدأ الثانى وخبره خبر المبتدأ الأول...".
والمعنى: حال أعمال الذين كفروا فى حبوطها وذهابها وعدم انتفاعهم بشئ منها فى الآخرة، كحال الرماد المكدس الذى أتت عليه الرياح العاصفة، فمحقته وبددته، ومزقته تمزيقاً لا يجرى معه اجتماع.
فالآية الكريمة تشبيه بليغ لما يعمله الكافرون فى الدنيا من أعمال البر والخير.
ووجه الشبه: الضياع والتفرق وعدم الانتفاع فى كل، فكما أن الريح العاصف تجعل الرماد هباء منثورا، فكذلك أعمال الكافرين فى الآخرة تصير هباء منثوراً، لأنها أعمال بنيت على غير أساس من الإِيمان وإخلاص العبادة لله - تعالى -.
ووصف - سبحانه - اليوم بأنه عاصف - مع أن العصف شدة الريح - للمبالغة فى وصف زمانها - وهو اليوم - بذلك: كما يقال: يوم حار ويوم بارد، مع أن الحر والبرد فيهما وليس منهما.
وقوله - سبحانه - {لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَىٰ شَيْءٍ} بيان للمقصود من التشبيه، وهو أن هؤلاء الكافرين، لا يقدرون يوم القيامة، على الانتفاع بشئ مما فعلوه فى الدنيا من أفعال البر والخير، لأن كفرهم أحبطها فذهب سدى دون أن يستفيدوا منها ثواباً، أو تخفف عنهم عذاباً.
قال الآلوسى: وفى الصحيح
"عن عائشة - رضى الله عنها - أنها قالت: يا رسول الله. إن ابن جدعان فى الجاهلية كان يصل الرحم، ويطعم المسكين، هل ذلك نافعه؟ قال: لا ينفعه؛ لأنه لم يقل رب اغفر لى خطيئتى يوم الدين" .
وقال الإِمام ابن كثير ما ملخصه: "هذا مثل ضربه الله - تعالى - لأعمال الكفار الذين عبدوا مع الله غيره، وكذبوا رسله، وبنوا أعمالهم على غير أساس صحيح، فانهارت وعدموها وهم أحوج ما كانوا إليها...
كما قال - تعالى -
{ وَقَدِمْنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً } وكما قال تعالى - { مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ } واسم الإِشارة فى قوله {ذٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلاَلُ ٱلْبَعِيدُ} يعود إلى ما دل عليه التمثيل من بطلان أعمالهم، وذهاب أثرها.
أى: ذلك الحبوط لأعمالهم، وعدم انتفاعهم بشئ منها، هو الضلال البعيد.
أى: البالغ أقصى نهايته، والذى ينتهى بصاحبه إلى الهلاك والعذاب المهين.
ووصف - سبحانه - الضلال بالبعد، لأنه يؤدى إلى خسران لا يمكن تداركه، ولا يرجى الخلاص منه.
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك، بعض مظاهر قدرته التى لا يعجزها شئ فقال - تعالى -: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحقِّ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ. وَمَا ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ بِعَزِيزٍ}.
والخطاب فى قوله {أَلَمْ تَرَ...} لكل من يصلح له بدون تعيين. والاستفهام للتقرير.
والرؤية مستعملة فى العلم الناشئ عن النظر والتفكير والتأمل فى ملكوت السماوات والأرض.
قال الآلوسى ما ملخصه: قوله - تعالى - {أَلَمْ تَرَ...} هذا التعبير قد يذكر لمن تقدم عمله فيكون للتعجب، وقد يذكر لمن لا يكون كذلك، فيكون لتعريفه وتعجيبه، وقد اشتهر فى ذلك حتى أجرى مجرى المثل فى هذا الباب، بأن شبه من لم ير الشئ بحال من رآه فى أنه لا ينبغى أن يخفى عليه، وأنه ينبغى أن يتعجب منه، ثم أجرى الكلام معه، كما يجرى مع من رأى، قصداً إلى المبالغة فى شهرته وعراقته فى التعجب...".
والمعنى؛ ألم تعلم - أيها العاقل - أن الله - تعالى - {خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحقِّ} أى: خلقهما بالحكمة البالغة المنزهة عن العبث، وبالوجه الصحيح الذى تقتضيه إرادته، وهو - سبحانه - {إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ} أى - يهلككم أيها الناس - {وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيد} سواكم، لأن القادر على خلق السماوات والأرض وما فيهما من أجرام عظيمة، يكون على خلق غيرهما أقدر، كما قال - تعالى -
{ لَخَلْقُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْـثَرَ ٱلنَّاسِ... } وقوله - سبحانه - {وَمَا ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ بِعَزِيزٍ} معطوف على ما قبله، ومؤكد لمضمونه. أى: إن يشأ - سبحانه - يهلككم - أيها الناس - ويأت بمخلوقين آخرين غيركم، وما ذلك الإِذهاب بكم، والإِتيان بغيركم بمتعذر على الله، أو بمتعاص عليه، لأنه - سبحانه - لا يعجزه شئ، ولا يحول دون نفاذ قدرته حائل.
وشبيه بهذا قوله - تعالى -
{ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ. إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُـمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ. وَمَا ذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ بِعَزِيزٍ } وقوله - تعالى -: { وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوۤاْ أَمْثَالَكُم } وقوله - تعالى -: { إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا ٱلنَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ ذٰلِكَ قَدِيراً } ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك جانباً من الحوار الذى يدور يوم القيامة بين الضعفاء والمستكبرين، بين الأتباع والمتبوعين.. فقال - تعالى -: {وَبَرَزُواْ للَّهِ جَمِيعاً فَقَالَ ٱلضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوۤاْ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُمْ مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ...}
وقوله {وَبَرَزُواْ} من البروز بمعنى الظهور، مأخوذ من البراز وهو الفضاء الواسع، الذى يظهر فيه الناس بدون استتار. أى: وخرج الكافرون جميعاً من قبورهم يوم القيامة وظهروا ظهوراً لا خفاء معه، لكى يحاسبهم - سبحانه - على أعمالهم فى الدنيا.
وقال - سبحانه - {وَبَرَزُواْ} بلفظ الفعل الماضى مع أن الحديث عن يوم القيامة، للتنبيه على تحقق وقوع هذا الخروج، وأنه كائن لا محالة.
وعبر - سبحانه - بهذا التعبير، مع أنهم لا يخفون عليه سواء أبرزوا أم لم يبرزوا، لأنهم كانوا فى الدنيا يستترون عن العيون عند اجتراحهم السيئات ويظنون أن ذلك يخفى على الله - عز وجل - .
ثم بين - سبحانه - ما سيقوله الضعفاء للمستكبرين فى هذا الموقف العصيب فقال:
{فَقَالَ ٱلضُّعَفَاءُ} وهم العوام والأتباع الذين فقدوا نعمة التفكير، ونعمة حرية الإِرادة، فهانوا وذلوا..
قال هؤلاء الضعفاء {لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوۤا} وهم السادة المتبوعون الذين كانوا يقودون أتباعهم إلى طريق الغى والضلال.
{إِنَّا كُنَّا لَكُمْ} - أيها السادة - {تبعا} جمع تابع كخادم وخدم.
أى: إنا كنا فى الدنيا تابعين لكم، ومنقادين لأمركم، فى تكذيب الرسل، وفى كل ما تريدونه منا.
والاستفهام فى قوله - سبحانه - {فَهَلْ أَنتُمْ مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ} للتقريع والتفجع.
ومغنون من الإِغناء بمعنى الدفاع والنصرة.
قال الشوكانى: "يقال: أغنى عنه إذا دفع عنه الأذى، وأغناه إذا أوصل إليه النفع".
أى: فهل أنتم - أيها المستكبرون - دافعون عنا شيئا من عذاب الله النازل بنا، حتى ولو كان هذا الشئ المدفوع قليلا؟ إن كان فى إمكانكم ذلك فاظهروه لنا، فقد كنتم فى الدنيا سادتنا وكبراءنا، وكنتم تزعمون أنكم أصحاب الحظوة يوم القيامة.
قال صاحب الكشاف: "فإن قلت: أى فرق بين "من" فى {مِنْ عَذَابِ ٱللَّهِ} وبينه فى {مِن شَيْءٍ}؟
قلت: الأولى للتبيين، والثانية للتبعيض، كأنه قيل: هل أنتم مغنون عنا بعض الشئ الذى هو عذاب الله؟ ويجوز أن يكون للتبعيض معا بمعنى: هل أنتم مغنون عنا بعض شئ، هو بعض عذاب الله؟ أى: بعض بعض عذاب الله".
ثم حكى - سبحانه - رد المستكبرين على المستضعفين فقال: {قَالُواْ لَوْ هَدَانَا ٱللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ...}
أى: قال المستكبرون - بضيق وتحسر - فى ردهم على المستضعفين: لو هدانا الله - تعالى - إلى الإِيمان الموصل إلى النجاة من هذا العذاب الأليم {لَهَدَيْنَاكُمْ} إليه، ولكن ضللنا عنه وأضللناكم معنا، واخترنا لكم ما اخترناه لأنفسنا، ولو كنا نستطيع النفع لنفعنا أنفسنا.
ثم أضافوا إلى ذلك قولهم: {سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ}.
والجزع: حزن يصرف الإِنسان عما هو بصدده لشدة اضطرابه وذهوله.
يقال: جزع فلان يجزع جزعا وجزوعا، إذا ضعف عن حمل ما نزل به ولم يجد صبرا.
والمحيص: المهرب والمنجى من العذاب. يقال: حاص فلان عن الشئ يحيص حيصا ومحيصا، إذا عدل عنه على جهة الهرب والفرار.
أى: مستو عندنا الجزع مما نحن فيه من عذاب، أو الصبر على ذلك، وليس لنا من مهرب أو منجى من هذا المصير الأليم.
فالآية الكريمة تحكى أقوال الضعفاء يوم القيامة، وهى أقوال يبدو فيها طابع الذلة والمهانة كما هو شأنهم فى الدنيا، كما تحكى رد المستكبرين عليهم، وهو رد يبدو فيه التبرم والتفجع والتأنيب من طرف خفى لهؤلاء الضعفاء، والتسليم بالواقع الأليم الذى لا محيص لهم عنه.
قال الإِمام ابن كثير: "قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: إن أهل النار قال بعضهم لبعض: تعالوا، فإنما إدرك أهل الجنة الجنة ببكائهم وتضرعهم إلى الله - تعالى -، تعالوا نبك ونتضرع إلى الله، فبكوا وتضرعوا، فلما رأوا ذلك لا ينفعهم قالوا: تعالوا، فإنما أدرك أهل الجنة الجنة بالصبر، تعالوا حتى نصبر، فصبروا صبرا لم ير مثله، فلم ينفعهم ذلك. فعند ذلك قالوا: {سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ}.
ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك ما يقوله الشيطان لأتباعه يوم القيامة، فقال - تعالى -:
{ وَقَالَ ٱلشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ ٱلأَمْرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ.. } والمراد بالشيطان هنا: إبليس - لعنه الله -.
قال الفخر الرازى: "وأما الشيطان فالمراد به إبليس لأن لفظ الشيطان مفرد فيتناول الواحد، وإبليس رأس الشياطين ورئيسهم، فحمل اللفظ عليه أولى. ولا سيما وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "إذا جمع الله الخلق وقضى بينهم، يقول الكافر: قد وجد المسلمون من يشفع لهم فمن يشفع لنا، ما هو إلا إبليس، فهو الذى أضلنا، فيأتونه ويسألونه فعند ذلك يقول هذا القول...".
والمراد بقوله - سبحانه - {لَمَّا قُضِيَ ٱلأَمْرُ} أى: حين تم الحساب، وعرف أهل الجنة ثوابهم، وعرف أهل النار مصيرهم، كل فريق فى المكان الذى أعده الله تعالى له.
والمقصود من حكاية ما يقوله الشيطان للكافرين فى هذا اليوم. تحذير المؤمنين من وسوسته وإغوائه، حتى ينجوا من العذاب الذى سيحل بأتباعه يوم القيامة.
والمراد بالحق فى قوله {إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ}: الصدق والوفاء بما وعدكم به على ألسنة رسله.
والمراد بالإِخلاف فى قوله {وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ} الكذب والغدر وعدم الوفاء بما مناهم به، من أمانى باطلة.
قال - تعالى -:
{ يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً } وإضافة الوعد إلى الحق من إضافة الموصوف إلى الصفة أى إن الله - تعالى - وعدكم الوعد الحق الذى لا نقض له، وهو أن الجزاء حق، والبعث حق، والجنة حق، والنار حق، ووعدتكم وعدا باطلا بأنه لا بعث ولا حساب.. فأخلفتكم ما وعدتكم به، وظهر كذبى فيما قلته لكم. ثم أضاف إلى ذلك قوله - كما حكى القرآن عنه -: {وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي}...
والسلطان: اسم مصدر بمعنى التسلط والقهر والغلبة.
أى: وما كان لى فيما وعدتكم به من تسلط عليكم، أو إجبار لكم، لكنى دعوتكم إلى ما دعوتكم إليه من باطل وغواية، فانقدتم لدعوتى واستجبتم لوسوستى عن طواعية واختيار.
فالاستثناء فى قوله {إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ} استثناء منقطع، لأن ما بعد حرف الاستثناء ليس من جنس ما قبله، وبعضهم يرى أن الاستثناء متصل.
قال الجمل: "وفى هذا الاستثناء وجهان: أظهرهما: أنه استثناء منقطع، لأن دعاءه ليس من جنس السلطان وهو الحجة البينة، والثانى: أنه متصل لأن القدرة على حمل الإِنسان على الشئ تارة تكون بالقهر، وتارة تكون بتقوية الداعية فى قلبه بإلقاء الوساوس إليه. فهو نوع من التسليط"
وقوله {فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوۤاْ أَنفُسَكُمْ} زيادة فى تأنيبهم وفى حسراتهم على انقيادهم له.
أى: فلا تلومونى بسبب وعودى إياكم. ولوموا أنفسكم، لأنكم تقبلتم هذه الوعود الكاذبة بدون تفكر أو تأمل، وأعرضتم عن الحق الواضح الذى جاءكم من عند ربكم، ومالك أمركم.
ثم ينفض يده منهم، ويخلى بينهم وبين مصيرهم السئ فيقول: {مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ} أى: ما أنا بمغيثكم ومنقذكم مما أنتم فيه من عذاب، وما أنتم بمغيثى مما أنا فيه من عذاب - أيضا - فقد انقطعت بيننا الأواصر والصلات...
قال القرطبى ما ملخصه: "والصارخ والمستصرخ هو الذى يطلب النصرة والمعاونة، والمصرخ هو المغيث لغيره.. قال أمية بن أبى الصلت:

ولا تجزعا إنى لكم غير مصرخوليس لكم عندى غناء ولا نصر

ويقال: صرخ فلان أى استغاث يصرخ صرخا وصراخا وصرخة..
ومنه: استصرخنى فلان فأصرخته، أى استغاث بى فأغثته..
وجملة {إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ..} مستأنفة، لإِظهار المزيد من التنصل والتبرى من كل علاقة بينه وبينهم.
و "ما" فى قوله {بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ} الظاهر أنها مصدرية..
قال الآلوسى ما ملخصه: "وأراد بقوله {إِنِّي كَفَرْتُ} أى: ِإنى كفرت اليوم {بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ}.
أى: من قبل هذا اليوم، يعنى فى الدنيا و "ما" مصدرية و "من قبل" متعلق بأشركتمون.
والمعنى: إنى كفرت بإشراككم إياى لله - تعالى - فى الطاعة، لأنهم كانوا يطيعون الشيطان فيما يزينه لهم من عبادة غير الله - تعالى -، ومن أفعال الشر..
ومراد اللعين: أنه إن كان إشراككم لى مع الله - تعالى -، هو الذى أطعمكم فى نصرتى لكم.. فإنى متبرئ من هذا الشرك، لم يبق بينى وبينكم علاقة.. فالكلام محمول على إنشاء التبرى منهم يوم القيامة.
ثم قال: وجوز غير واحد أن تكون "ما" موصولة بمعنى من، والعائد محذوف، و "من قبل" متعلق بكفرت. أى: إنى كفرت من قبل - حين أبيت السجود لآدم - بالذى أشركتمونيه. أى: جعلتمونى شريكا له فى الطاعة وهو الله - عز وجل -.
والكلام على هذا إقرار من اللعين بقدم كفره، وبسبق خطيئته فلا يمكنه أن يقدم لهم عونا أو نصرا...
وجملة {إِنَّ ٱلظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} فى موقع التعليل لما تقدم، والظاهر أنها ابتداء كلام من جهته - تعالى -: لبيان سوء عاقبة الظالمين.
ويجوز أن تكون من تتمة كلام إبليس - الذى حكاه القرآن عنه -، ويكون الغرض منها قطع أطماعهم فى الإِغاثة أو النصر، وتنبيه المؤمنين فى كل زمان ومكان إلى عداوة الشيطان لهم وتحذيرهم من اتباع خطواته.
قال الشيخ الشوكانى -رحمه الله - ما ملخصه: "لقد قام الشيطان للكافرين فى هذا اليوم مقاما يقصهم ظهورهم، ويقطع قلوبهم، فأوضح لهم أولا: أن مواعيده التى كان يعدهم بها فى الدنيا باطلة معارضة لوعد الحق من الله - تعالى - وأنه أخلفهم ما وعدهم به..
ثم أوضح لهم ثانيا: بأنهم قبلوا قوله بما لا يتفق مع العقل، لعدم الحجة التى لا بد للعاقل منها فى قبول قول غيره.
ثم أوضح لهم ثالثا: بأنه لم يكن منه إلا مجرد الدعوة العاطلة عن البرهان، الخالية عن أيسر شئ مما يتمسك به العقلاء.
ثم نعى عليهم رابعا: ما وقعوا فيه، ودفع لومهم له، وأمرهم بأن يلوموا أنفسهم، لأنهم هم الذين قبلوا الباطل البحت الذى لا يلتبس بطلانه على من له أدنى عقل.
ثم أوضح لهم خامسا: بأنه لا نصر عنده ولا إغاثة.. بل هو مثلهم فى الوقوع فى البلية..
ثم صرح لهم سادسا: بأنه قد كفر بما اعتقدوه فيه وأثبتوه له، وهو إشراكه مع الله - تعالى - فتضاعفت عليهم الحسرات، وتوالت عليهم المصائب.
وإذا كانت جملة {إِنَّ ٱلظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} من تتمة كلامه - كما ذهب إليه البعض - فهو نوع سابع من كلامه الذى خاطبهم به، فيكون قد أثبت لهم الظلم، وذكر لهم جزاءه".
وبعد هذا الحديث عن سوء عاقبة الكافرين.. بين - سبحانه ما أعده للمؤمنين من ثواب جزيل، وأجر عظيم فقال - تعالى - :
{وَأُدْخِلَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ}.
أى: وأدخل الله - تعالى - فى هذا اليوم، وهو يوم القيامة، الذين آمنوا بكل ما يجب الإِيمان به، وعملوا الأعمال الصالحة، أدخلهم - سبحانه - جنات تجرى تجرى من تحت ثمارها وأشجارها الأنهار، حالة كونهم خالدين فيها خلودا أبديا لا موت معه ولا تعب.
وجاء التعبير بصيغة الماضى لتحقيق الوقوع، وتعجيل البشارة، وقوله، {بِإِذْنِ رَبِّهِمْ} أى: بإرادته - سبحانه - وتوفيقه وهدايته لهم.
وقوله {تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ} أى: تحيتهم فى الجنة سلام لهم من خالقهم - عز وجل - ومن الملائكة، ومن بعضهم لبعض.
كما قال - تعالى -:
{ تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلاَمٌ } وكما قال - تعالى -: { وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ. سَلاَمٌ عَلَيْكُم... } وكما قال - سبحانه -: { وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلاَماً } وبذلك نرى الآيات الكريمة قد بينت بأبلغ أسلوب بوار أعمال الذين كفروا، وسوء أحوالهم يوم القيامة، كما بينت حسن عاقبة المؤمنين، ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حى عن بينة.
وبعد أن بين - سبحانه - حال السعداء والأشقياء يوم القيامة، أتبع ذلك بضرب مثل لهما زيادة فى التوضيح والتقرير فقال - تعالى -:
{أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً...}.