التفاسير

< >
عرض

وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ ءَامِناً وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ
٣٥
رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
٣٦
رَّبَّنَآ إِنَّيۤ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ فَٱجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِىۤ إِلَيْهِمْ وَٱرْزُقْهُمْ مِّنَ ٱلثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ
٣٧
رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ فَي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ
٣٨
ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى ٱلْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ
٣٩
رَبِّ ٱجْعَلْنِي مُقِيمَ ٱلصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَآءِ
٤٠
رَبَّنَا ٱغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ ٱلْحِسَابُ
٤١
-إبراهيم

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

هذه بعض الدعوات التى ابتهل بها إبراهيم - عليه السلام - إلى ربه، وقد تقبلها الله - تعالى - منه قبولا حسنا.
وفى هذه الدعوات تنبيه لمشركى مكة الذين بدلوا نعمة الله كفرا، والذين جحدوا نعم الله عليهم، بأن من الواجب عليهم أن يثوبوا إلى رشدهم، وأن يستجيبوا لدعوة الحق، وأن يقتدوا بإبراهيم - عليه السلام - فى إيمانه وشكره لخالقه - سبحانه -.
و "إذ" ظرف لما مضى من الزمان، وهو منصوب على المفعولية لفعل محذوف.
و "رب" منادى بحرف نداء محذوف أى: يا رب.
والمراد بالبلد: مكة المكرمة شرفها الله - تعالى -.
والمعنى: واذكر - أيها العاقل - وقت أن قال إبراهيم مناديا ربه: يا رب اجعل هذا البلد ذا أمن وسلام واستقرار.
وقدم إبراهيم - عليه السلام - فى دعائه نعمة الأمن على غيرها - لأنها أعظم أنواع النعم، ولأنها إذا فقدها الإِنسان، اضطرب فكره، وصعب عليه أن يتفرغ لأمور الدين أو الدنيا بنفس مطمئنة، وبقلب خال من المنغصات والمزعجات.
قال الإِمام الرازى: "سئل بعض العلماء: الأمن أفضل أم الصحة؟ فقال الأمن أفضل، والدليل عليه أن شاة لو انكسرت رجلها فإنها تصح بعد زمان، ولا يمنعها هذا الكسر من الإِقبال على الرعى والأكل والشرب.
ولو أنها ربطت - وهى سليمة - فى موضع، وربط بالقرب منها ذئب، فإنها تمسك عن الأكل والشرب، وقد تستمر على ذلك إلى أن تموت.
وذلك يدل على أن الضرر الحاصل من الخوف، أشد من الضرر الحاصل من ألم الجسد.
وقال الإِمام ابن كثير ما ملخصه: "يذكر الله - تعالى - فى هذا المقام - محتجا على مشركى مكة الذين كانوا يزعمون أنهم على ملة إبراهيم - بأن مكة إنما وضعت أول ما وضعت على عبادة الله - تعالى - وحده، وأن إبراهيم قد تبرأ ممن عبد غير الله، وأنه دعا لمكة بالأمن وقد استجاب الله له فقال - تعالى -:
{ أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ.. } وقال - تعالى -: { إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ. فِيهِ آيَاتٌ بَيِّـنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً.. } وقال صاحب الكشاف: "فإن قلت: أى فرق بين قوله - تعالى - فى سورة البقرة { رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَداً آمِناً.. } وبين قوله هنا {رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ آمِناً...}.
قلت: قد سأل فى الأول أن يجعله من جملة البلاد التى يأمن أهلها ولا يخافون، وسأل فى الثانى أن يخرجه من صفة كان عليها من الخوف إلى ضدها من الأمن، كأنه قال: هو بلد مخوف فاجعله آمنا.."
وقوله - سبحانه - {وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ} حكاية لدعوة أخرى من الدعوات التى تضرع بها إبراهيم - عليه السلام - إلى خالقه - سبحانه -.
وقوله {واجنبنى} بمعنى وأبعدنى مأخوذ من قولك جنبت فلانا عن كذا، إذا أبعدته عنه، وجعلته فى جانب آخر، وفعله جنب من باب نصر.
والمراد ببنيه: أولاده من صلبه، أو هم من تناسل معهم.
والأصنام جمع صنم، وهو التمثال الذى كان مشركو العرب يصنعونه من الحجر الحجر ونحوه لكى يعبدوه من دون الله.
والمعنى: أسألك يا ربى أن تجعل مكة بلدا آمنا، كما أسألك أن تعصمنى وتعصم ذريتى من بعدى من عبادة الأصنام، وأن تجعل عبادتنا خالصة لوجهك الكريم.
وقد بين - سبحانه - فى آيات أخرى، أنه قد أجابه فى بعض ذريته دون بعض.
ومن ذلك قوله - تعالى -
{ سَلاَمٌ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ. كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِين. إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُؤْمِنِينَ. وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ. وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰ إِسْحَاقَ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ } وقوله: {رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ..} تعليل لسؤال إبراهيم ربه أن يجنبه وذريته عبادة الأصنام.
أى: يا رب لقد تضرعت إليك بأن تعصمنى وبنىّ عن عبادة الأصنام، لأنها كانت سببا فى إضلال كثير من الناس عن اتباع الحق، وعن الهداية إلى الصراط المستقيم.
وأسند الإِضلال إليها مع أنها جمادات لا تعقل، لأنها كانت سببا فى إضلال كثير من الناس، فكأنها أضلتهم، فنسبة الإضلال إليها مجازية من باب نسبة الشئ إلى سببه، كما يقال: فلان فتنته الدنيا وأضلته، وهو إنما فتن وضل بسببها.
وقوله - سبحانه - {فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} بيان لموقفه - عليه السلام - من المهتدين والضالين.
أى: فمن تبعنى من الناس فى دينى وعقيدتى، فإنه يصير بهذا الاتباع من أهل دينى وهو دين الإِسلام، ومن عصانى ولم يقبل الدخول فى الدين الحق، فإنى أفوض أمره إليك، فأنت - سبحانك - لا تسأل عما تفعل وغيرك يسأل.
فالجملة الكريمة تدل على الأدب السامى، والخلق العالى، الذى كان يتحلى به إبراهيم - عليه السلام - فى مخاطبته لربه - عز وجل - حيث فوض الأمور إليه دون أن يقطع فيها برأى، كما تدل على رقة قلبه وشفقته على العصاة من الوقوع فى العذاب الأليم.
وشبيه بهذه الآية ما حكاه - سبحانه - عن عيسى - عليه السلام - فى قوله:
{ إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ } هذا، ولا نرى وجها لما ذهب إليه بعض المفسرين، من أن قول إبراهيم - عليه السلام - {وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} كان قبل أن يعلم بأن الله لا يغفر الشرك، أو أن المراد بالمعصية هنا ما دون الشرك، أو أن المغفرة مقيدة بالتوبة من الشرك.."
نقول: لا نرى وجها لكل ذلك، لأن الجملة الكريمة ليس المقصود بها الدعاء بالمغفرة لمن عصى، وإنا المقصود بها تفويض أمر العصاة إلى الله - تعالى - إن شاء غفر لهم ورحمهم، وإن شاء عذبهم.
ثم حكى - سبحانه - دعاء آخر من تلك الأدعية التى تضرع بها إبراهيم إليه - تعالى - فقال: {رَّبَّنَآ إِنَّيۤ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ..}
و "من" فى قوله {مِنْ ذُرِّيَّتِي} للتبعيض.
والوادى: هو المكان المنخفض بين مرتفعات، والمقصود به وادى مكة المكرمة.
والمعنى: يا ربنا إنى أسكنت بعض ذريتى وهو ابنى إسماعيل ومن سيولد له، بواد غير ذى زرع قريبا من بيتك المحرم، أى: الذى حرمت التعرض له بسوء توقيرا وتعظيما، والذى جعلته مثابة للناس وأمنا، وفضلته على غيره من الأماكن.
وقوله {رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ} بيان للباعث الذى دفعه لإِسكان بعض ذريته فى هذا المكان الطيب.
أى: يا ربنا إنى أسكنتهم، هذا المكان ليتفرغوا لإِقامة الصلاة فى جوار بيتك، وليعمروه بذكرك وطاعتك.
فاللام فى قوله {ليقيموا} للتعليل وهى متعلقة بأسكنت.
وخصت الصلاة بالذكر من بين سائر العبادات، لمزيد فضلها، ولكمال العناية بشأنها.
قال القرطبى: "تضمنت هذه الآية أن الصلاة بمكة أفضل من الصلاة بغيرها، لأن معنى {رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ} أى: أسكنتهم عند بيتك المحرم ليقيموا الصلاة فيه.
وقد اختلف العلماء هل الصلاة بمكة أفضل أو فى مسجد النبى - صلى الله عليه وسلم - ؟
فذهب عامة أهل الأثر إلى أن الصلاة فى المسجد الحرام أفضل من الصلاة فى مسجد الرسول - صلى الله عليه وسلم - بمائة صلاة، واحتجوا بحديث عبد الله بن الزبير قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
"صلاة فى مسجدى هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد، إلا المسجد الحرام، وصلاة فى المسجد الحرام أفضل من صلاة فى مسجدى هذا بمائة صلاة" .
وقد روى عن ابن عمر عن النبى - صلى الله عليه وسلم - حديث ابن الزبير"
وقوله {فَٱجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِيۤ إِلَيْهِمْ وَٱرْزُقْهُمْ مِّنَ ٱلثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} دعاء جامع لمطالب الدين والدنيا، لأن الناس يذهبون إلى البيت الحرام للتقرب إلى الله - تعالى -، وليتبادلوا المنافع عن طريق التجارة وغيرها مع السكان المجاورين لهذا البيت المعمور.
والأفئدة: جمع فؤاد، والمراد بها القلوب والنفوس.
والمراد بالناس فى قوله {مِّنَ ٱلنَّاسِ} المؤمنون منهم، لأنهم هم الذين يذهبون إلى البيت الحرام، ليشهدوا منافع لهم، وليتقربوا إليه - سبحانه - بحج بيته.
وتهوى إليهم: أى تسرع إليهم، يقال: هوى - بفتح الواو - يهوى - بكسرها - إذا أسرع فى السير، ومنه قولهم: هوت الناقة تهوى هويا، إذا عدت عدوا شديدا.
والأصل فيه أن يتعدى باللام، وعدى هنا بإلى لتضمنه معنى تميل وتسرع.
أى: يا ربنا إنى تركت بعض ذريتى فى جوار بتيك، فأسألك يا إلهى أن تجعل نفوس الناس وقلوبهم تحن إلى هذا المكان، وتطير فرحا إليه، وارزق من تركتهم وديعة فى جوار بيتك من الثمرات المختلفة ما يغنيهم لعلهم بهذا العطاء الجزيل يزدادون شكرا لك، ومسارعة فى طاعتك وعبادتك.
وقال - سبحانه - {فَٱجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِيۤ إِلَيْهِمْ} ولم يقل فاجعل الناس تهوى إليهم، للإِشارة إلى أن سعى الناس إليهم يكون عن شوق ومحبة حتى لكأن المسرع إلى هذا الجوار الطيب هو القلب والروح وليس الجسد وحده.
قال صاحب الكشاف ما ملخصه: "وقد أجاب الله - تعالى - دعوة إبراهيم - عليه السلام - فجعل البيت الحرام حرما آمنا تجبى إليه ثمرات كل شئ رزقا من لدنه، ثم فضله ثم وجود أصناف الثمار فيه على كل ريف وعلى أخصب البلادء وأكثرها ثمارا، وفى أى بلد من الشرق والغرب، ترى الأعجوبة التى يريكها الله بواد غير ذى زرع - وهى اجتماع البواكير والفواكه المختلفة والأزمان من الربيعية والصيفية والخريفية فى يوم واحد، وليس ذلك من آياته عجيب، متعنا الله بسكنى حرمه، ووفقنا لشكر نعمه وأدام لنا التشرف بالدخول تحت دعوة إبراهيم، ورزقنا طرفا من سلامة ذلك القلب السليم".
هذا، وقد ساق الإِمام الآلوسى عند تفسيره لهذه الآية قصة إسكان إبراهيم لبعض ذريته فى هذا المكان فقال ما ملخصه: "وهذا الإِسكان إنما كان بعد أن حدث ما حدث بين إبراهيم وبين زوجه سارة، وذلك أن هاجر أم إسماعيل كانت أمة من القبط لسارة فوهبتها - لإِبراهيم عليه السلام - فتزوجها فولدت له إسماعيل. فدبت الغيرة فى قلب سارة ولم تصبر على بقائها معها فأخرج إبراهيم - عليه السلام - هاجر وابنها إلى أرض مكة، فوضعهما عند البيت، عند دوحه فوق زمزم فى أعلى المسجد، وليس يومئذ أحد، وليس بها ماء، ووضع عندهما جرابا فيه تمر وسقاء فيه ماء، ثم قفى منطلقا فتبعته هاجر،فقالت له: يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادى الذى ليس فيه أنيس.
قالت له ذلك مرارا وهو لا يلتفت إليها، فقالت له: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذا لا يضيعنا، ثم رجعت.
وانطلق إبراهيم - عليه السلام - حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه، استقبل بوجهه البيت - وكان إذ ذاك مرتفعا من الأرض كالرابية - ثم دعا بهذه الدعوات، ورفع يديه فقال: {رَّبَّنَآ إِنَّيۤ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ...} الآية.
ثم إنها جعلت ترضع ابنها وتشرب مما فى السقاء حتى إذا نفد ما فى السقاء، عطشت وعطش ابنها وجعلت تنظر إليه يتلبط - أى يتلوى ويتمرغ - من شدة العطش، فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل فى الأرض يليها، فقامت عليه، ثم استقبلت الوادى تنظر هل ترى أحدا. فلم تر أحدا، فهبطت من الصفا، حتى إذا بلغت الوادى، رفعت طرف درعها، ثم سعت سعى الإِنسان المجهود حتى جاوزت الوادى، ثم أتت المروة فقامت عليها ونظرت هل ترى أحدا، فلم تر أحدا، ففعلت ذلك سبع مرات، ولذلك سعى الناس بينهما سبعا.
فلما أشرفت على المروة سمعت صوتا فقالت: صه! تريد نفسها ثم تسمعت فسمعت أيضا صوتا فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواث، فإذا هى بالملك عند موضع زمزم، فبحث بعقبه حتى ظهر الماء، فجعلت تحوضه وتغرف منه فى سقائها وهو يفور، فشربت وأرضعت ولدها، وقال لها الملك: لا تخافى الضيعة، فإن هاهنا بيت الله - تعالى - يبنيه هذا الغلام وأبوه، وإن الله - تعالى - لن يضيع أهله.
ثم إنه مرت بهما رفقة من جرهم، فرأوا طائراً عائفا - أى يتردد على الماء ولا يمضى - فقالوا: لا طير إلا على الماء، فبعثوا رسولهم فنظر فإذا بالماء، فأتاهم فقصدوه وأم إسماعيل عنده، فقالوا: أشركينا فى مائك نشركك فى ألباننا، ففعلت، فلما أدرك إسماعيل - عليه السلام - زوجوه امرأة منهم".
ثم حكى - سبحانه - دعاء آخر من تلك الدعوات الخاشعة التى تضرع بها إبراهيم إلى ربه فقال: {رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ فَي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ}.
أى: يا ربنا إنك وحدك العليم بما تخفيه نفوسنا من أسرار؛ وما تعلنه وتظهره من أقوال، لأن الظاهر والمضمر بالنسبة إليك سواء، فأنت يا إلهى لا يخفى عليك شئ من الأشياء، سواء أكان هذا الشئ فى الأرض أم فى السماء أم فى غيرهما.
وإنما ذكر السماء والأرض لأنهما المشاهدتان للناس، وإلا فعلمه - سبحانه - محيط بكل ما فى هذا الكون.
ثم حكى - سبحانه - ما قاله إبراهيم - عليه السلام - فى مقام شكره لله على نعمه فقال - تعالى -: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى ٱلْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ}.
والحمد هو الثناء باللسان على من صدرت منه النعمة، وأل فيه للاستغراق أى: جميع أجناس الحمد ثابتة لله رب العالمين، لأن كل ما يستحق أن يقابل بالثناء والحمد فهو صادر عنه - سبحانه - إذ هو الخالق لكل شئ.
وعلى فى قوله {عَلَى ٱلْكِبَرِ} للاستعلاء المجازى وهى بمعنى مع. أى: وهب لى مع الكبر الذى لا تحصل معه فى الغالب ولادة.
وإسماعيل هو الابن الأكبر لإبراهيم، وقد رزقه الله به من زوجه هاجر كما سبق أن أشرنا -، أما إسحاق فكان أصغر من إسماعيل، وقد رزقه الله به من زوجه ساره.
قال الفخر الرازى: "اعلم أن القرآن يدل على أنه - تعالى - إنما أعطى إبراهيم - عليه السلام - هذين الولدين على الكبر والشيخوخة، فأما مقدار ذلك السن فغير معلوم من القرآن. وإنما يرجع فيه الروايات فقيل لما ولد إسماعيل كان سن إبراهيم تسعا وتسعين سنة، ولما ولد إسحاق كان سنه مائة واثنتى عشرة سنة.
وإنما ذكر قوله "على الكبر لأن المنة بهبة الولد فى هذا السن أعظم، من حيث إن هذا الزمان زمان وقوع اليأس من الولادة، والظفر بالحاجة فى وقت اليأس من أعظم النعم، ولأن الولادة فى هذه السن المتقدمة كانت آية لإِبراهيم".
وجملة {إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ} تعليل لجملة {وَهَبَ لِي عَلَى ٱلْكِبَرِ} أى: وهب لى على الكبر هذين الولدين، لأنه - سبحانه - سمع دعائى وتقبله، وأجاب طلبى دون أن يخيبنى.
فالسميع هنا مستعمل على سبيل المجاز فى إجابة المطلوب، ومنه قول القائل: سمع الملك كلام فلان، إذا اعتد به وقبله وعمل بمقتضاه، وهو من إضافة الصفة المتضمنة للمبالغة إلى المفعول. أى: إن ربى يسمع دعائى ويجيبه.
ثم ختم إبراهيم - عليه السلام - تلك الدعوات الطيبات التى تضرع بها إلى ربه، بما حكاه الله عنه فى قوله {رَبِّ ٱجْعَلْنِي مُقِيمَ ٱلصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَآءِ. رَبَّنَا ٱغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ ٱلْحِسَابُ}
أى: يا رب اجعلنى من عبادك الذين يؤدون الصلاة فى أوقاتها بإخلاص وخشوع، واجعل من ذريتى من يقتدى بى فى ذلك، كما أسألك يا رب أن تتقبل دعائى ولا تخيبنى فى مطلوب أسألك إياه.
كما أسألك - يا إلهى - أن تغفر لى ذنوبى، وأن تغفر لوالدى وللمؤمنين، يوم يقوم الناس للحساب، فتجازى كل إنسان بما يستحقه من ثواب أو عقاب.
وإنما طلب إبراهيم لوالديه المغفرة، قبل أن يتبين له أن والده عدو لله. فلما تبين له ذلك تبرأ منه. قال - تعالى -
{ وَمَا كَانَ ٱسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ للَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ } أما أمه فقال بعضهم: إنها كانت مؤمنة، وقال آخرون: لعلها توفيت قبل نبوته.
وبعد أن حكى - سبحانه - تلك الدعوات الطيبات التى تضرع بها إبراهيم إلى ربه، والتى تضمنت أمهات الفضائل، كسلامة القلب، وطهارة النفس، ورقة العاطفة، وحسن المراقبة، وحب الخير لغيره.
بعد كل ذلك حكى - سبحانه - أحوال الظالمين يوم القيامة، وأقوالهم فى ذلك اليوم الشديد، ورده - تعالى - عليهم، والأسباب التى أدت إلى خسرانهم.. فقال - تعالى -:
{وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَافِلاً...}.