التفاسير

< >
عرض

إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإحْسَانِ وَإِيتَآءِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَاءِ وَٱلْمُنْكَرِ وَٱلْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
٩٠
وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ ٱللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ ٱلأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ ٱللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ
٩١
وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَىٰ مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ ٱللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ
٩٢
وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلـٰكِن يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
٩٣
-النحل

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

قال القرطبى ما ملخصه: قوله - تعالى -: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإِحْسَانِ} اختلف العلماء فى تأويل العدل والإِحسان، فقال ابن عباس: العدل: لا إله إلا الله، والإِحسان: أداء الفرائض. وقيل: العدل الفرض. والإِحسان: النافلة، وقال على بن أبى طالب: العدل: الإِنصاف. والإحسان: التفضل.
وقال ابن العربى: العدل بين العبد وربه: إيثار حقه - تعالى - على حظ نفسه، وتقديم رضاه على هواه، والاجتناب للزواجر والامتثال للأوامر. وأما العدل بينه وبين نفسه فمنعه ما فيه هلاكها .. وأما العدل بينه وبين غيره فبذل النصيحة، وترك الخيانة فيما قل أو كثر، والإِنصاف من نفسك لهم بكل وجه.
وأما الإِحسان فهو مصدر أحسن يحسن إحسانا. ويقال على معنيين: أحدهما: متعد بنفسه، كقولك: أحسنت كذا، أى: حسنته وأتقنته وكملته، وهو منقول بالهمزة من حسن الشئ. وثانيهما: متعد بحرف جر، كقولك: أحسنت إلى فلان، أى: أوصلت إليه ما ينتفع به. وهو فى هذه الآية مراد بالمعنيين معا ...
ومن هذا الكلام الذى نقلناه بشئ من التلخيص عن الإِمام القرطبى، يتبين لنا أن العدل هو أن يلتزم الإِنسان جانب الحق والقسط فى كل أقواله وأعماله، وأن الإِحسان يشمل إحسان الشئ فى ذاته سواء أكان هذا الشئ يتعلق بالعقائد أم بالعبادات أم بغيرهما، كما يشمل إحسان المسلم إلى غيره.
فالإِحسان أوسع مدلولا من العدل: لأنه إذا كان العدل معناه: أن تعطى كل ذى حق حقه، بدون إفراط أو تفريط، فإن الإِحسان يندرج تحته أن تضيف إلى ذلك: العفو عمن أساء إليك، والصلة لمن قطعك، والعطاء لمن حرمك.
وإيثار صيغة المضارع فى قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ ...} لإِفادة التجدد والاستمرار. ولم يذكر - سبحانه - متعلقات العدل والإِحسان ليعم الأمر جميع ما يعدل فيه، وجميع ما يجب إحسانه وإتقانه من أقوال وأعمال، وجميع ما ينبغى أن تحسن إليه من إنسان أو حيوان أو غيرهما.
وقوله - تعالى -: {وَإِيتَآءِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ} فضيله ثالثة معطوفة على ما قبلها من عطف الخاص على العام، إذ هى مندرجة فى العدل والإِحسان.
وخصها - سبحانه - بالذكر اهتماما بأمرها، وتنويها بشأنها، وتعظيما لقدرها.
والإِيتاء: مصدر بمعنى الإِعطاء، وهو هنا مصدر مضاف لمفعوله.
والمعنى: إن الله - يأمركم - أيها المسلمون - أمرا دائما وواجبا، أن تلتزموا الحق والإِنصاف فى كل أقوالكم وأفعالكم وأحكامكم، وأن تلتزموا التسامح والعفو والمراقبة لله - تعالى - فى كل أحوالكم.
كما يأمركم أن تقدموا لأقاربكم على سبيل المعاونة والمساعدة، ما تستطيعون تقديمه لهم من خير وبر ..
لأن هذه الفضائل متى سرت بينكم، نلتم السعادة فى دينكم ودنياكم، إذ بالعدل ينال كل صاحب حق حقه، وبالإِحسان يكون التحاب والتواد والتراحم، وبصلة الأقارب يكون التكافل والتعاون ...
وبعد أن أمر - سبحانه - بأمهات الفضائل، نهى عن رءوس الرذائل فقال - تعالى -: {وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَاءِ وَٱلْمُنْكَرِ وَٱلْبَغْيِ ..}.
والفحشاء: كل ما اشتد قبحه من قول أو فعل. وخصها بعضهم بالزنا.
والمنكر: كل ما أنكر الشرع بالنهى عنه، فيعم جميع المعاصى والرذائل والدناءات على اختلاف أنواعها.
والبغى: هو تجاوز الحد فى كل شئ يقال: بغى فلان على غيره، إذا ظلمه وتطاول عليه.
وأصله من بغى الجرح إذا ترامى إليه الفساد ...
أى: كما أمركم - سبحانه - بالعدل والإِحسان وإيتاء ذى القربى، فإنه - تعالى - ينهاكم عن كل قبيح وعن كل منكر، وعن كل تجاوز لما شرعه الله - عز وجل -.
وذلك لأن هذه الرذائل ما شاعت فى أمة إلا وكانت عاقبتها خسرا، وأمرها فرطا، والفطرة البشرية النقية تأبى الوقوع أو الاقتراب من هذه الرذائل، لأنها تتنافى مع العقول السليمة، ومع الطباع القويمة.
ومهما روج الذين لم ينبتوا نباتا حسنا لتلك الرذائل، فإن النفوس الطاهرة، تلفظها بعيدا عنها، كما يلفظ الجسم الأشياء الغريبة التى تصل إليه.
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله: {يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} أى: ينبهكم - سبحانه - أكمل تنبيه وأحكمه إلى ما يصلحكم عن طريق اتباع ما أمركم به وما نهاكم عنه، لعلكم بذلك تحسنون التذكر لما ينفعكم، وتعملون بمقتضى ما علمكم - سبحانه.
هذا، وقد ذكر المفسرون فى فضل هذه الآية كثيرا من الآثار والأقوال، ومن ذلك ما أخرجه الحافظ أبو يعلى فى كتاب معرفة الصحابة .. قال:
"بلغ أكثم بن صيفى مخرج النبى صلى الله عليه وسلم فأراد أن يأتيه، فأبى قومه أن يدعوه وقالوا له: أنت كبيرنا لم تكن لتخف إليه. قال: فليأته من يبلغه عنى ويبلغنى عنه. فانتدب رجلان فأتيا النبى صلى الله عليه وسلم فقال له: نحن رسل أكثم بن صيفى وهو يسألك من أنت وما أنت؟ فقال النبى صلى الله عليه وسلم: أما أنا فمحمد ابن عبد الله، وأما ما أنا، فأنا عبد الله ورسوله.
ثم تلا عليهم هذه الآية: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإحْسَانِ ..} الآية.
فقالوا: ردد علينا هذا القول، فردده عليهم حتى حفظوه، فأتيا أكثم فقالا له: أبى أن يرفع نسبه فسألنا عن نسبه فوجدناه زاكى النسب .. وقد رمى إلينا بكلمات قد سمعناها فلما سمعهن أكثم قال: إنى أراه يأمر بمكارم الأخلاق وينهى عن ملائمها، فكونوا فى هذا الامر رءوسا، ولا تكونوا فيه أذنابا"
.
وعن ابن عباس - رضى الله عنهما - قال: أعظم آية فى كتاب الله: { ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ .. } }. وأجمع آية فى كتاب الله للخير والشر: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإحْسَانِ} وأكثر آية فى كتاب الله تفويضا: { وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ .. } }. وأشد آية فى كتاب الله رجاء: { قُلْ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً .. } }. ثم أمرهم - سبحانه - بالوفاء بالعهود فقال: {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ ٱللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ ..}.
والعهد: ما من شأنه أن يراعى ويحفظ، كاليمين والوصية وما يشبههما.
وعهد الله: أوامره ونواهيه وتكاليفه الشرعية التى كلف الناس بها، والوفاء بعهد الله - تعالى -: يتأتى بتنفيذ أوامره وتكاليفه، واجتناب ما نهى عنه.
قال القرطبى: قوله - تعالى -: {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ ٱللَّهِ ...} لفظ عام لجميع ما يعقد باللسان، ويلتزمه الإِنسان من بيع أو صلة، أو مواثقة فى أمر موافق للديانة.
وهذه الآية مضمن قوله - تعالى -: {إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإحْسَانِ} لأن المعنى فيها: افعلوا كذا، وانتهوا عن كذا، فعطف على ذلك التقدير.
وقد قيل إنها نزلت فى بيعة النبى صلى الله عليه وسلم على الإِسلام. وقيل: نزلت فى التزام الحلف الذى كان فى الجاهلية، وجاء الإِسلام بالوفاء به - كحلف الفضول -.
والعموم يتناول كل ذلك ....
والمعنى: إن الله يأمركم - أيها المسلمون - بالعدل والإِحسان وإيتاه ذى القربى، ويأمركم - أيضا - بالوفاء بالعهود التى التزمتم بها مع الله - تعالى - أو مع الناس.
والآيات التى وردت فى وجوب الوفاء بالعهود كثيرة ومن ذلك قوله - تعالى -:
{ وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ ٱلْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً } }. وخص - سبحانه - الأمر بالوفاء بالعهد بالذكر - مع أنه داخل فى المأمورات التى اشتملت عليها الآية السابقة كما أشار إلى ذلك القرطبى فى كلامه السابق - لأن الوفاء بالعهود من آكد الحقوق وأوجبها على الإِنسان.
وقوله تعالى:
{ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيۤ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَٱرْهَبُونِ } }. ومن الأحاديث التى وردت فى ذلك ما رواه الشيخان عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان" .
وقوله - سبحانه -: {وَلاَ تَنقُضُواْ ٱلأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا ...} تأكيد للأمر بالوفاء، وتحذير من الخيانة والغدر.
والنقض فى اللغة: حقيقة فى فسخ ما ركب بفعل يعاكس الفعل الذى كان به التركيب. واستعمل هنا على سبيل المجاز فى إبطال العهد.
والأيمان: جمع يمين. وتطلق بمعنى الحلف والقسم. وأصل ذلك أن العرب كانوا إذا أرادوا توثيق عهودهم بالقسم يقسمونه، ووضع كل واحد من المتعاهدين يمينه فى يمين صاحبه.
أى: كونوا أوفياء بعهودكم، ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها، أى: بعد توثيقها وتغليظها عن طريق تكرارها بمرة ومرتين، أو عن طريق الإِتيان فيها ببعض أسماء الله - تعالى - وصفاته.
وقوله - تعالى -: {بعد توكيدها} للإِشعار بأن نقض الأيمان وإن كان قبيحا فى كل حالة، فهو فى حالة توكيد الأيمان وتغليظها أشد قبحا.
ولذا قال بعض العلماء: "وهذا القيد لموافقة الواقع، حيث كانوا يؤكدون أيمانهم فى المعاهدة، وحينئذ فلا مفهوم له، فلا يختص النهى عن النقض بحالة التوكيد، بل نقض اليمين منهى عنه مطلقا. أو يراد بالتوكيد القصد، ويكون احترازا عن لغو اليمين. وهى الصادرة عن غير قصد للحلف".
وقال الإِمام ابن كثير ما ملخصه: "ولا تعارض بين هذه الآية وبين قوله صلى الله عليه وسلم فيما ثبت عنه فى الصحيحين أنه قال:
"إنى والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها، إلا أتيت الذى هو خير وتحللتها" - وفى رواية - "وكفرت عن يمينى" لأن هذه الأيمان المراد بها فى الآية: الداخلة فى العهود والمواثيق، لا الأيمان التى هى واردة فى حث أو منع ...".
والخلاصة، أن الآية الكريمة تنهى المؤمن عن نقض الأيمان نهيا عاما، إلا أن السنة النبوية الصحيحة قد خصصت هذا التعميم بإباحة نقض اليمين إذا كانت مانعة من فعل الخير، ويؤيد هذا التخصيص قوله - تعالى -:
{ وَلاَ تَجْعَلُواْ ٱللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ .. } }. وجملة {وَقَدْ جَعَلْتُمُ ٱللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً ..} حال من فاعل {تنقضوا}، وهى مؤكدة لمضمون ما قبلها من وجوب الوفاء بالعهود والنهى عن نقضها.
والكفيل: من يكفل غيره، أى: يضمنه فى أداء ما عليه.
أى: ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها، والحال أنكم قد جعلتم الله - تعالى - ضامنا لكم فيما التزمتم به من عهود، وشاهدا ورقيبا على أقوالكم وأعمالكم.
فالجملة الكريمة تحذر المتعاهدين من النقض بعد أن جعلوا الله - تعالى - كفيلا عليهم.
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بهذا التهديد الخفى فقال - تعالى -: {إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ}. أى: إن الله - تعالى - يعلم ما تفعلون من الوفاء أو النقض، وسيجازيكم بما تستحقون من خير أو شر، فالمراد من العلم لازمه، وهو المجازاة على الأعمال.
ثم ضرب - سبحانه - مثلا لتقبيح نقض العهد، فقال - تعالى -: {وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثاً}.
وقوله: {غزلها} اى: مغزولها، فهو مصدر بمعنى المفعول. والفعل منه غزل يغزل - بكسر الزاى .. من باب ضرب. يقال غزلت المرأة الصوف أو القطن غزلا.
والجار والمجرور فى قوله {مِن بَعْدِ قُوَّةٍ} متعلق بالفعل {نقضت} أى: نقضته وأفسدته من بعد إبرامه وإحكامه.
و{أنكاثا} حال مؤكدة من {غزلها}، ويجوز أن يكون مفعولا ثانيا، بتضمين الفعل نقضت معنى صيرت أو جعلت.
والأنكاث: جمع نكث - بكسر النون -، بمعنى منكوث أى منقوض، وهو ما نقض وحل فتله ليغزل ثانيا، والجمع أنكاث كحمل وأحمال.
يقال: نكث الرجل العهد نكثا - من باب قتل - إذا نقضه ونبذه، ومنه قوله - تعالى -
{ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ } }. قال ابن كثير: هذه امرأة خرقاء كانت بمكة، كلما غزلت شيئا نقضته بعد إبرامه.
وقال مجاهد وقتادة وابن زيد: هذا مثل لمن نقض عهده بعد توكيده. وهذا أرجح وأظهر سواء أكان بمكة امرأة تنقض غزلها أم لا.
والمعنى: كونوا - أيها المسلمون - أوفياء بعهودكم، ولا تنقضوها بعد إبرامها، فإنكم إن نقضتموها كان مثلكم كمثل تلك المرأة الحمقاء، التى كانت تفتل غزلها فتلا محكما، ثم تنقضه بعد ذلك، وتتركه مرة أخرى قطعا منكوثة محلولة ..
فالجملة الكريمة تحقر فى كل جزئية من جزئياتها، حال من ينقض العهد، وتشبهه على سبيل التنفير والتقبيح بحال امرأة ملتاثه فى عقلها، مضطربة فى تصرفاتها.
وقوله - سبحانه -: {تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ}.
إبطال للأسباب التى كان يتخذها بعض الناس ذرائع ومبررات لنقض العهود.
والدَّخَل - بفتح الخاء -: المكر والغش والخديعة. وهو فى الأصل اسم للشئ الذى يدخل فى غيره وليس منه.
قال الراغب: والدخل كناية عن الفساد والعداوة المستبطنة، كالدَّغلَ، وعن الدعوة فى النسب ... ومنه قيل: شجرة مدخولة - أى ليست من جنس الأشجار التى حولها.
وقوله {أَن تَكُونَ أُمَّةٌ ...} متعلق بقوله {تتخذون}.
وقوله {أربى} مأخوذ من الربو بمعنى الزيادة والكثرة. يقال: رَبَا الشئ يربوا إذا زاد وكثر.
والمعنى: لا تكونوا مشبهين لامرأة هذا شأنها، حالة كونكم متخذين أيمانكم وأقسامكم وسيلة للغدر والخيانة، من أجل أن هناك جماعة أوفر عددا وأكثر مالا من جماعة أخرى.
قال القرطبى: قال المفسرون: نزلت هذه الآية فى العرب الذين كانت القبيلة منهم إذا حالفت أخرى، ثم جاءت إحداهما قبيلة أخرى كبيرة قوية فداخلتها غدرت بالأولى ونقضت عهدها، ورجعت إلى هذه الكبرى، فنهاهم الله - تعالى -: أن ينقضوا العهود من أجل أن طائفة أكثر من طائفة أخرى، أو أكثر أموالا ...
وقال الفراء: المعنى: لا تغدروا بقوم لقلتهم وكثرتكم، أو لقلتكم وكثرتهم وقد عززتموهم بالأيمان.
وقال ابن كثير: قال مجاهد: كانوا يحالفون الحلفاء، فيجدون أكثر منهم وأعز، فينقضون حلف هؤلاء ويحالفون أولئك الذين هم أكثر وأعز، فنهوا عن ذلك.
والخلاصة: أن الآية الكريمة تدعو إلى وجوب الوفاء بالعهود فى جميع الأحوال، وتنهى عن اللجوء إلى الذرائع الباطلة، من أجل نقض العهود، إذ الإِسلام لا يقر هذه الذرائع وتلك المبررات، بدعوى أن هناك جماعة أقوى من جماعة، أو دولة أعز من دولة، وإنما الذى يقره الإِسلام هو مراعاة الوفاء بالعهود، وعدم اتخاذ الأيمان وسيلة للغش والخداع.
والضمير المجرور فى قوله: {إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ ٱللَّهُ بِهِ} يعود على مضمون الجملة المتقدمة وهى قوله - تعالى -: {أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ}.
أى: إنما يبلوكم الله ويختبركم بكون أمة أربى من أمة، لينظر أتفُون بعهودكم أم لا. وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله: قوله - تعالى -: {إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ ٱللَّهُ بِهِ} الضمير لقوله: {أَن تَكُونَ أُمَّةٌ ...} لأنه فى معنى المصدر. أى: إنما يختبركم بكونهم أربى، لينظر أتتمسكون بحبل الوفاء بعهد الله، وما عقدتم على أنفسكم ووكدتم من أيمان البيعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم أم تغترون بكثرة قريش وثروتهم وقوتهم. وقلة المؤمنين وفقرهم وضعفهم.
ويجوز أن يعود إلى ما أمر الله به من الوفاء بالعهد، فيكون المعنى: إنما يبلوكم الله ويختبركم بما أمركم به من الوفاء بالعهود، ومن النهى عن النقض ليظهر لكم المطيع من العاصى، وقوى الإِيمان من ضعيفه.
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة ببيان أن مرد الفصل بين العباد فيما اختلفوا فيه إليه - تعالى - وحده، فقال: {وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} فيجازى أهل الحق بما يستحقون من ثواب، ويجازى أهل الباطل بما هم أهله من عقاب.
ثم بين - سبحانه - أن قدرته لا يعجزها شئ فقال - تعالى -: {وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ} أيها الناس {أمة واحدة} متفقة على الحق {ولكن} لحكم يعلمها ولا تعلمونها، ولسنن وضعها فى خلقه {يُضِلُّ مَن يَشَآءُ} إضلاله لاستحبابه العمى على الهدى، وإيثاره الغى على الرشد {وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ} هدايته لحسن استعداده، وسلامة اختياره، ونهيه النفس عن الهوى.
{ولتسألن} أيها الناس يوم القيامة سؤال محاسبة ومجازاة {عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} فى الدنيا، فيثيب الطائعين بفضله، ويعاقب العصاة بعدله.
وبعد أن أمر - سبحانه - بالوفاء بالعهود ونهى عن نقضها بصفة عامة، أتبع ذلك بالنهى عن الحنث فى الإِيمان بصفة خاصة، فقال تعالى: {وَلاَ تَتَّخِذُوۤاْ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُواْ ٱلْسُّوۤءَ بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ...}.