التفاسير

< >
عرض

ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي ٱلْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ ٱللَّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ وَٱتَّقُونِ يٰأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ
١٩٧
لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ فَإِذَآ أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَٰتٍ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ عِندَ ٱلْمَشْعَرِ ٱلْحَرَامِ وَٱذْكُرُوهُ كَمَا هَدَٰكُمْ وَإِن كُنْتُمْ مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ ٱلضَّآلِّينَ
١٩٨
ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ وَٱسْتَغْفِرُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
١٩٩
فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَّنَاسِكَكُمْ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَآءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً فَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَآ آتِنَا فِي ٱلدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ
٢٠٠
وِمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ رَبَّنَآ آتِنَا فِي ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ
٢٠١
أُولَـٰئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُواْ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ
٢٠٢
وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ فِيۤ أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلاۤ إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ ٱتَّقَىٰ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوآ أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ
٢٠٣
-البقرة

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

قوله: {ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ}.
أى: وقت الحج أشهر معلومات أو أشهر الحج أشهر معلومات فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه.
وجعلت النسبة إلى الحج نفسه لا إلى وقته، للإِشعار بأن هذه الأشهر لكونها تؤدى فيها هذه الفريضة قد اكتسبت تقديساً وبركة منها، حتى لكأن هذه الاشهر هى الفريضة نفسها.
قال القرطبى ما ملخصه: وأشهر الحج هى شوال وذي القعدة والعشرة الأولى من ذى الحجة. وقيل هى شوال وذو القعدة وذو الحجة كله وفائدة الفرق تعلق الدم؛ فمن قال: إن ذا الحجة كله من أشهر الحج لم يوجب دماً على من أخر طواف الإِفاضة إلى آخر ذى الحجة لأنه وقع فى أشهر الحج، ومن قال بأن وقت الحج ينقضى بالعشرة الأولى من ذى الحجة يوجب الدم عليه لتأخيره عن وقته. ولفظ الأشهر قد يقع على شهرين وبعض الثالث، لأن بعض الشهر ينزل منزلة كله، كما يقال: رأيتك سنة كذا ولعله إنما رآه فى ساعة منها".
وعبر - سبحانه - عن هذه الأشهر بأنها معلومات، لأن العرب كانوا يعرفون أشهر الحج من كل عام منذ عهد إبراهيم - عليه السلام - وقد جاء الإِسلام مقرراً لما عرفوه. أو المراد بكونها معلومات أنها مؤقتة بأوقات معينة لا يجوز تقديمها ولا تأخيرها عنها، وهو يتضمن بطلان النسئ الذى كان يفعله الجاهليون تبعاً لأهوائهم.
وقوله: {فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فى ٱلْحَجِّ} بيان لما يحب أن يتحلى به المسلم من فضائل عند أدائه لهذه الفريضة.
قال الإِمام الرازى: ومعنى {فَرَضَ} فى اللغة ألزم وأوجب. يقال: فرضت عليك كذا، أى أوجبته. وأصل معنى الفرض فى اللغة الحز الذى يقع فيه الوتر، ومنه فرض الصلاة وغيرها لأنها لازمة للعبد كلزوم الحز للقدح ففرض هنا بمعنى أوجب وألزم...".
والرفث فى الأصل: الفحش من القول. والمراد به هنا الجماع. أو الكلام المتضمن لما يستقبح ذكره من الجماع ودواعيه.
قال القرطبى: وأجمع العلماء على أن الجماع قبل الوقوف بعرفة مفسد للحج وعليه حج قابل والهدى.
والفسوق: الخروج عن طاعة الله بارتكاب المعاصى، ومن ذلك السباب وفعل محظورات الإِحرام، وغير ذلك مما نهى الله عنه.
والجدال على وزن فعال من المجادلة وهى مشقة من الجدل وهو الفتل ومنه: زمام مجدول.
وقيل: هى مشتقة من الجدالة التى هى الأرض. فكأن كل واحد من الخصمين يقاوم صاحبه حتى يغلبه، فيكون كمن ضرب به الجدالة.
والمراد النهى عن المماراة والمنازعة التى تؤدى إلى البغضاء وتغير القلوب.
والمعنى: أوقات الحج أشهر معلومات فمن نوى وأوجب على نفسه فيهن الحج وأحرم به فعليه أن يجتنب الجماع للنساء ودواعيه؛ وأن يبتعد عن كل قول أو فعل يكون خارجاً عن آداب الإِسلام، ومؤدياً إلى التنازع بين الرفقاء والإِخوان، فإن الجميع قد اجتمعوا على مائدة الرحمن، فعليهم أن يجتمعوا على طاعته، وأن يتعاونوا على البر والتقوى لا على الإِثم والعدوان.
روى الشيخان عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
"من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه" .
قال الآلوسى: وقال - سبحانه - {فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فى ٱلْحَجِّ} بالإِظهار ولم يقل فيه مع أن المقام يقتضى الإِضمار، لإِظهار كمال الاعتناء بشأنه، وللإِشعار بعلة الحكم، فإن زيارة البيت المعظم والتقرب بها إلى الله - تعالى - من موجبات ترك الأمور المذكورة المدنسة لمن قصد السير والسلوك إلى ملك الملوك. وإيثار النفى للمبالغة فى النهى، والدلالة على أنها حقيقة بأن لا تكون فإن ما كان منكراً مستقبحاً فى نفسه منهياً عنه مطلقاً فهو للمحرم بأشرف العبادات وأشقها أنكر وأقبح.
والضمير فى قوله: {فِيهِنَّ} للأشهر، لأنه جمع لغير العاقل فيجرى على التأنيث.
وجملة {فَلاَ رَفَثَ..} إلخ فى محل جزم جواب من الشرطية والرابط بين جملة الشرط والجواب ما فى معنى {فَلاَ رَفَثَ} من ضمير يعود على "من"، لأن التقدير فلا يرفث ويجوز أن تكون جملة {فَلاَ رَفَثَ..} وما عطف عليها فى محل رفع خبر لمن على أنها موصولة.
وقد أخذ الشافعية من هذه الآية أنه لا يجوز الإِحرام بالحج فى غير أشهر الحج لأن الإِحرام به فى غير أشهره يكون شروعاً فى العبادة فى غير وقتها فلا تصح.
ويرى الأحناف والحنابلة، أنه يجوز الإِحرام بالحج قبل أشهره ولكنه مع الكراهة: والإِمام مالك لا يرى كراهة فى ذلك.
ويبدو أن رأى الشافعية هنا أرجح، لأن قوله - تعالى -: {فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلْحَجَّ ...} يشهد لهم، فقد جعل - سبحانه - هذه الأشهر وعاء لهذه الفريضة وظرفاً لها.
وقوله: {وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ ٱللَّهُ} حض على فعل الخير عقيب النهى عن فعل الشر.
أى: اتركوا الأقوال والأفعال القبيحة، وسارعوا إلى الأعمال الصالحة خصوصاً فى تلك الأزمنة والأمكنة المفضلة، والله - تعالى - لا يخفى عليه شىء من أعمالكم، وهو - سبحانه - سيجازيكم على فعل الخير بما تستحقون من جزاء.
ثم قال - تعالى -: {وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ}.
قال الإِمام الرازى: فى هذه الجملة الكريمة قولان:
أحدهما: أن المراد وتزودوا من التقوى - أى الأعمال الصالحة - والدليل عليه قوله بعد ذلك {فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ} وتحقيق الكلام فيه أن الإِنسان له سفران: سفر فى الدنيا وسفر من الدنيا، فالسفر فى الدنيا لابد له أيضاً من زاد وهو الطعام والشراب والمال.. إلخ. والسفر من الدنيا لابد له أيضاً من زاد وهو معرفة الله ومحبته والإِعراض عما سواه، وهذا الزاد خير من الزاد الأول لأن زاد الدنيا يخلصك من عذاب منقطع وزاد الآخرة يخلصك من عذاب دائم.. قال الأعشى مقرراً هذا المعنى:

إذا أنت لم ترحل بزاد من التقىولاقيت بعد الموت من قد تزودا
ندمت على أن لا تكون كمثلهوأنك لم ترصد بما كان أرصدا

والقول الثانى: أن هذه الآية نزلت فى أناس من أهل اليمن كانوا يحجون بغير زاد ويقولون إنا متوكلون، ثم كانوا يسألون الناس، وربما ظلموا الناس وغصبوهم فأمرهم الله - تعالى - أن يتزودوا بالمال والطعام الذى يغنيهم عن سؤال الناس.
والذى نراه أن الجملة الكريمة تسع القولين. فهى تدعو الناس إلى أن يتزودوا بالزاد المعنوى النفسى الذى يسعدهم ألا وهو تقوى الله وامتثال أوامره واجتناب نواهيه والاكثار من العمل الصالح وفى الوقت نفسه هى تأمرهم - أيضاً - بأن يتزودوا بالزاد المادى الحقيقى الذى يغنيهم عن سؤال الناس، ويصون لهم ماء وجوههم.
وبذلك نكون قد استعملنا اللفظ فى حقيقته ومجازه، وهو استعمال شائع مستساغ عند كثير من العلماء.
ثم ختم - سبحانه - الآية بتأكيد أمر التقوى ووجوب الإِخلاص فقال: {وَٱتَّقُونِ يٰأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ} والألباب: جمع لب وهو العقل واللب من كل شىء: هو الخالص منه. وسمى به العقل، لأنه اشرف ما فى الإِنسان.
أى: أخلصوا لى يا أصحاب العقول السليمة، والمدارك الواعية، لأنكم لما كنتم كذلك كان وجوبها عليكم أثبت، وأعراضكم عنها أقبح. ورحم الله القائل:

ولم أر فى عيوب الناس عيباًكنقص القادرين على التمام

والجملة الكريمة ليست تكرارا لسابقتها، لأن الأولى حث على التقوى وهذه حث على الإِخلاص فيها.
ثم بين - سبحانه - أن التزود بالزاد الروحى لا يتنافى مع التزود يا لزاد المادى متى توافرت التقوى، فقال - تعالى -: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ}.
الجناح: أصله من جنح الشىء إذا مال: يقال جنحت السفينة إذا مالت إلى أحد جانبيها والمراد بالجناح هنا الإِثم والذنب، لأنه لما كان الإِثم يميل بالإِنسان عن الحق إلى الباطل سمى جناحاً.
والابتغاء: الطلب بشدة، وجملة {أَن تَبْتَغُواْ} فى موضع جر بتقدير فى.
والفضل: الزيادة وتكون فى الخير والشر إلا أنه جرى العرف أن يعبر عن الزيادة الحسنة بالفضل وعن الزيادة القبيحة بالفضول.
والمراد به هنا: المال الحلال المكتسب عن طريق التجارة المشروعة أو غيرها من وجوه الرزق الحلال.
أى: لا إثم ولا حرج عليكم فى أن تطلبوا رزقا حلالا ومالا طيبا عن طريق التجارة أو غيرها من وسائل الكسب المشروعة فى موسم الحج.
وقد ذكر المفسرون أن الناس كانوا يتحاشون من التجارة فى الحج، حتى إنهم كانوا يتجنبون البيع والشراء فى العشر الأوائل من ذى الحجة، فنزلت هذه الآية لتخبرهم أنه لا حرج عليهم فى ذلك.
روى البخارى عن ابن عباس قال: كان ذو المجاز وعكاظ متجر الناس فى الجاهلية فلما جاء الإِسلام كأنهم كرهوا ذلك حتى نزلت {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ}.
وقال ابن كثير: وروى الإِمام أحمد عن أبى أمامة التيمى قال: قلت لابن عمر: إنا نُكْرَى فهل لنا من حج؟ قال: أليس تطوفون بالبيت وترمون الجمار وتحلقون رءوسكم وتقضون المناسك قال: قلت بلى. فقال ابن عمر: جاء رجل إلى النبى صلى الله عليه وسلم فسأله عن الذى سألتنى فلم يجبه حتى نزل عليه جبريل بهذه الآية {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ} فدعاه النبى صلى الله عليه وسلم فقال له "أنتم حجاج".
فالآية الكريمة صريحة فى إباحة طلب الرزق لمن هو فى حاجة إلى ذلك فى موسم الحج، بشرط ألا يشغله عن أداء فرائض الله.
ثم قال - تعالى -: {فَإِذَآ أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ عِندَ ٱلْمَشْعَرِ ٱلْحَرَامِ}.
الفاء فى قوله: فإذا لتفصيل بعض ما أجمل من قبل فى قوله: {فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلْحَجَّ..} وأفضتم. اندفعتم بكثرة متزاحمين. وذلك تشبيه لهم بالماء إذا كثر ودفع بعضه بعضاً فانتشر وسال من حافتى الوادى والإِناء والإِفاضة فى الحديث الاندفاع فيه بإكثار وتصرف فى وجوهه ومنه قوله - تعالى -
{ إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ } فأصل هذه الكلمة الدفع للشىء بكثرة حتى يتفرق. والتقدير: أفضتم أنفسكم فحذف المفعول للعلم به.
والمراد: خروجهم من عرفات بشىء، من السرعة فى تكاثر وازدحام متجهين إلى المزدلفة.
وعرفات: اسم للجبل المعروف، قيل سمى بذلك لأن الناس يتعارفون به فهم يجتمعون عليه فى وقت واحد فيجرى التعارف بينهم.
وقد اتفق العلماء على أن الوقوف بعرفات هو ركن الحج الأكبر ففى الحديث الشريف
"الحج عرفة" ويكون ذلك فى اليوم التاسع من ذى الحجة.
قال القرطبى: أجمع أهل العلم على أن من وقف بعرفة يوم عرفة قبل الزوال ثم أفاض منها قبل الزوال أنه لا يعتد ذلك قبل الزوال. وأجمعوا على تمام حج من وقف بعرفة بعد الزوال وأفاض نهاراً قبل الليل إلا مالك بن أنس فإنه قال: لابد أن يأخذ من الليل شيئاً، وأما من وقف بعرفة بالليل فإنه لا خلاف بين الأمة فى تمام حجه. والحجة للجمهور مطلق قوله: {فَإِذَآ أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ}: فإنه لم يختص ليلا من نهار. وحديث عروة بن مضرس قال:
"أتيت النبى صلى الله عليه وسلم وهو فى الموقف من جَمْع - أى من المزدلفة - قلت: يا رسول الله، جئتك من جبل طىء أكللت مطيتى وأتعبت نفسى.. فهل لى من حج يا رسول الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من صلى معنا صلاة الغداة بجمع وقد أتى عرفات قبل ذلك ليلا أو نهاراً فقد تم حجه"
". ومن فى قوله: {مِّنْ عَرَفَاتٍ} ابتدائية. أى، فإذا أفضتم خارجين من عرفات إلى المشعر الحرام.
والمشعر الحرام: هو المزدلفة وقيل هو موضع بها. والمشعر: اسم مشتق من الشعور أى: العلم، أو من الشعار أى: العلامة.
ووصف المشعر بوصف الحرام لأنه من أرض الحرم، وهو منسك له حرمة وتقديس.
والمزدلفة من الازدلاف وهو القرب وسميت بذلك لأن الحجاج يزدلفون إليها من عرفات ليبيتوا بها قاصدين الاقتراب من منى.
وتسمى المزدلفة - أيضاً - "جَمْع" لاجتماع الناس فى هذا المكان أو جمعهم فيه بين صلاتى المغرب والعشاء جمع تأخير. وتسمى كذلك "قزح".
ويرى الحنفية والشافعية أن الوقوف بالمزدلفة واجب وليس بركن، ومن فاته لا يبطل حجه ويجب عليه دم.
ويرى أكثر المالكية أن الوقوف بها سنة مؤكدة.
ويرى بعض التابعين وبعض الشافعية أن الوقوف بها ركن كالوقوف بعرفات.
والمعنى: فإذا سرتم - يا معشر الحجاج - من عرفات متدافعين متزاحمين متجهين إلى المزدلفة فأكثروا من ذكر الله - تعالى - بالتلبية والتهليل والدعاء بقلوب مخبتة، ونفوس صافية، لأن ذكر الله - تعالى - فى تلك المواطن المقدسة والأوقات الفاضلة من شأنه أن يرفع الدرجات، ويوصل إلى أعلا المقامات.
ثم قال - تعالى -: {وَٱذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ} الكاف للتشبيه: ومعنى التشبيه فى مثل هذا التركيب المشابهة فى التساوى فى الحسن والكمال. كما تقول: اخدمه كما أكرمك تعنى: لا تتقاصر خدمتك عن إكرامه.
والمعنى: اذكروا الله - تعالى - ذكراً حسناً مماثلا لهدايته لكم، وأنتم تعلمون أن هذه الهداية شأنها عظيم فبسببها خرجتم من الظلمات إلى النور، فيجب عليكم أن تكثروا من ذكر الله ومن الثناء عليه.
قال الآلوسى: و "ما" تحتمل أن تكون مصدرية فمحل {كَمَا هَدَاكُمْ} النصب على المصدرية، بحذف الموصوف. أى: ذكراً مماثلا لهداكم.. وتحتمل أن تكون كافة فلا محل لها من الإِعراب. والمقصود من الكاف مجرد تشبيه مضمون الجملة بالجملة، لذا لا تطلب عاملا تفضى بمعناه إلى مدخولها. وقيل: إن الكاف للتعليل، وما مصدرية. أى، اذكروه وعظموه لأجل هدايته السابقة منه - تعالى - لكم.
و{وَإِن} فى قوله: {وَإِن كُنْتُمْ مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ ٱلضَّآلِّينَ} هى المخففة من الثقيلة والضمير فى {مِّن قَبْلِهِ} يعود إلى الهدى المأخوذ من ما المصدرية وما دخلت عليه.
والمراد بالضلال هنا: الجهل بالإِيمان وبالتكاليف التى كلف الله بها عباده.
أى: اذكروا الله - تعالى - ذكراً مشابهاً لهدايته لكم، وإنكم لولا هذه الهداية لبقيتم على ضلالكم وجهلكم بالدين الحق، ولكن الله - تعالى - من عليكم بهذه الهداية فأكثروا من ذكره وشكره عليها.
وبعد أن تحدث - سبحانه - عن الإِفاضة من عرفة إلى المزدلفة وأمر بالإِكثار من ذكره، عقب ذلك ببيان الطريقة المثلى للإِفاضة فقال: {ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ وَٱسْتَغْفِرُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}:
أى: أفيضوا من عرفة لا من المزدلفة. وهناك قولان فى المخاطب بهذه الآية.
أحدهما: أن الخطاب فيها لقريش وحلفائها، وذلك لأنهم كانوا يترفعون على الناس، فلا يقفون معهم على عرفات، وإنما يقفون وحدهم بالمزدلفة، وكانوا يقولون: نحن قطين الله - أى سكان حرمه فينبغى لنا أن نعظم الحرم - وهو المزدلفة - ولا نعظم شيئاً من الحل - وهو عرفات -.
روى البخارى عن عائشة - رضى الله عنها - قالت، كانت قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة، وكانوا يسمون الحمس، وكان سائر العرب يقفون بعرفات، فلما جاء الإِسلام أمر الله - نبيه صلى الله عليه وسلم أن يأتى عرفات ثم يقف بها ثم يفيض منها فذلك قوله: {ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ}.
والمعنى: أفيضوا يا معشر قريش من المكان الذى يفيض منه الناس وهو عرفة، واتركوا ما تفعلونه من الإِفاضة من المزدلفة، فالمقصود إبطال ما كانت تفعله قريش.
والثانى: أن الخطاب فى الآية لجميع الناس، أمرهم الله - تعالى - فيه أن يفيضوا من حيث أفاض الناس.
والمراد بالناس فى الآية إبراهيم وإسماعيل - عليهما السلام -فإن سنتهما كانت الإِفاضة من عرفة لا من المزدلفة.
قال بعضهم: وإيقاع اسم الجمع على الواحد جائز إذا كان رئيساً يقتدى به كما فى قوله - تعالى -:
{ ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ } يعنى "نعيم بن مسعود".
والذى نراه أن القول الثانى أولى بالقبول، لأن المغزى الذى تهدف إليه الآية فى معناها الخاص والعام هو دعوة الناس جميعاً إلى التجمع فى مكان واحد ليشعروا بالإِخاء والمساواة عند أدائهم لفريضة الحج بدون تفرقة بين كبير وصغير، وغنى وفقير، وقرشى وغير قرشى، ويدخل فى النهى دخولا أولياً تلك الحالة التى كانت عليها قريش. وقد قال العلماء: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
و "ثم" للتفاوت المعنوى بين الإِفاضتين - أى الإِفاضة من عرفات والإِفاضة من مزدلفة - لبيان البعد بينهما، إذ أن إحداهما صواب والأخرى خطأ.
أى: لا تفيضوا من المزدلفة لأنه خطأ جسيم، واجعلوا أفاضتكم من عرفات لأن هذا العمل هو الصواب الذى يحبه الله ويرضاه.
وقوله: {وَٱسْتَغْفِرُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} معطوف على {أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ} أى: استغفروا الله من ذنوبكم ومما سلف منكم من أخطاء فإن المؤمن كلما قويت روحه، وصفت نفسه أحس بأنه مقصر أمام نعم خالقه التى لا تحصى. ومن أكثر من التوبة والاستغفار غفر الله له ما فرط منه، لأنه - سبحانه - كثير الغفران، واسع الرحمة.
ثم بين - سبحانه - ما يجب عليهم عمله بعد فراغهم من أعمال الحج فقال - تعالى -: {فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَّنَاسِكَكُمْ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَآءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً}.
المناسك: جمع منسك مشتق من نسك نسكاً من باب نصر إذا تعبد. والمراد هنا العبادات التى تتعلق بالحج.
قال ابن كثير: عن ابن عباس - رضى الله عنهما - قال: كان أهل الجاهلية يقفون الموسم - بين مسجد منى وبين الجبل بعد فراغهم من الحج يذكرون فضائل آبائهم - فيقول الرجل منهم. كان أبى يطعم الطعام ويحمل الديات ... ليس لهم ذكر غير فعال آبائهم فأنزل الله - تعالى - على نبيه صلى الله عليه وسلم هذه الآية".
والمعنى: فإذا فرغتم من عباداتكم، وأديتم أعمال حجكم، فتوفروا على ذكر الله وطاعته كما كنتم تتوفرون على ذكر مفاخر آبائكم، بل عليكم أن تجعلوا ذكركم لله - تعالى - أشد وأكثر من ذكركم لمآثر آبائكم، لأن ذكر مفاخر الآباء إن كان كذبا أدى إلى الخزى فى الدنيا والعقوبة فى الآخرة. وإن كان صدقاً فإنه فى الغالب يؤدى إلى العجب وكثرة الغرور، أما ذكر الله بإخلاص وخشوع فثوابه عظيم، وأجره كبير. وفضلا عن ذلك فإن المرء إذا كان لا ينسى أباه لأنه سبب وجوده فأولى به ثم أولى ألا ينسى خلق أباه وهو الله رب العالمين.
فالمقصود من الآية الكريمة الحث على ذكر الله - تعالى - والنهى عن التفاخر بالأحساب والأنساب.
و "أو" هنا فى معنى الإِضراب والترقى إلى أعلى، لأنه... سبحانه أمرهم أولا بأن يذكروه ذكراً يماثل ذكرهم لآبائهم ثم ترقى بهم إلى ما هو أعلى من ذلك وأسمى فطالبهم بأن يكون ذكرهم له - سبحانه - أكثر وأعظم من ذكرهم لآبائهم.
قال صاحب الكشاف: وقوله: {أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً} فى موضع جر عطف على ما أضيف إليه الذكر فى قوله: "كذكركم" كما تقول كذكر قريش آباءهم أو قوم أشد منهم ذكراً. أو فى موضع نصب عطف على {آبَآءَكُمْ} بمعنى، أو أشد ذكراً من آبائكم.
وبعد أن أمر - سبحانه - الناس بذكره، بين أنهم بالنسبة لدعائه وسؤاله فريقان، أما الفريق الأول فقد عبر عنه بقوله: {فَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَآ آتِنَا فى ٱلدُّنْيَا وَمَا لَهُ فى ٱلآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ}.
أى: من الناس نوع يقول فى دعائه يا ربنا آتنا ما نرغبه فى الدنيا فنحن لا نطلب غيرها، وهذا النوع ليس له فى الآخرة من {خَلاَقٍ} أى: نصيب وحظ من الخير.
وهذا النوع من الناس هو الذى استولى عليه حب الدنيا وشهواتها ومتعها فأصبح لا يفكر إلا فيها، ولا يهتم إلا بها، صارفا نظره عن الآخرة وما فيها من ثواب وعقاب.
والفاء فى قوله: {فَمِنَ ٱلنَّاسِ} للتفصيل، لأن ما بعدها تقسيم للناس إلى فريقين.
وحذف مفعول {آتِنَا} للدلالة على تعميم المطلوب فهم يطلبون كل ما يمكن أن تصل إليه أيديهم من متاع الدنيا بدون تمييز بين حلال أو حرام. وأما الفريق الثانى فقد عبر - سبحانه - عنه بقوله: {وِمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ رَبَّنَآ آتِنَا فى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وفى ٱلآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ}.
أى: يقولون يا ربنا أعطنا حسنة فى الدنيا أى: حالا حسنة فى الدنيا تكون معها أبداننا سليمة، ونفوسنا آمنة، ومعيشتنا ميسرة بحيث لا نحتاج إلى أحد سواك، ولا نذل إلا لك، وامنحنا حالا حسنة فى الآخرة بأن تجعلنا يوم لقائك ممن رضيت عنهم، ورضوا عنك. وأبعدنا يوم القيامة من عذاب النار. ولم يذكر - سبحانه - قسما ثالثاً من الناس وهو الذى يطلب الآخرة فقط، ولا يطلب الدنيا، لأن الإِسلام دين لا يرضى لأتباعه أن ينسوا حظوظهم من الدنيا، ولا يقر الانقطاع عن زينتها التى أخرجها الله لهم، وإنما يريد لهم أن يكونوا من العاملين بقوله - تعالى -:
{ وَٱبْتَغِ فِيمَآ آتَاكَ ٱللَّهُ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنْيَا } وبين - سبحانه - أن هذا النوع الثانى من الناس قد التمس من خالقه أن يقيه عذاب النار مع أن هذا الدعاء مندرج تحت حسنة الآخرة، وذلك لأن هذا النوع من الناس لقوة إيمانه، وصفاء وجدانه، وشدة خشيته من ربه يغلب الخوف على الرجاء، فهو يستصغر حسناته مهما كثرت بجانب نعم الله وفضله، ويلح فى الدعاء وفى الطلب أملا فى الاستجابة.
وقد أجمع العلماء على أن هذه الآية الكريمة من جوامع الدعاء، وورد فى فضل الدعاء بها أحاديث كثيرة منها ما رواه البخارى عن أنس بن مالك قال كان النبى صلى الله عليه وسلم يقول:
"اللهم ربنا آتنا فى الدنيا حسنة وفى الآخرة حسنة وقنا عذاب النار" .
وروى ابن أبى حاتم عن عبد السلام بن شداد قال: كنت عند أنس بن مالك فقال له ثابت: إن إخوانك يحبون أن تدعو لهم. فقال: "اللهم آتنا فى الدنيا حسنة وفى الآخرة حسنة وقنا عذاب النار" وتحدثوا حتى إذا أرادوا القيام قام: يا أبا حمزة إن إخوانك يريدون القيام فادع الله لهم فقال: أتريدون أن أشقق لكم الأمور!! إذا آتاكم الله فى الدنيا حسنة وفى الآخرة حسنة ووقاكم عذاب النار فقد آتاكم الخير كله.
قال الإِمام الرازى: اعلم أن الله - تعالى - بين أولا تفصيل مناسك الحج، ثم أمر بعدها بالذكر فقال: {فَإِذَآ أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ عِندَ ٱلْمَشْعَرِ ٱلْحَرَامِ} ثم بين أن الأولى أن يترك ذكر غيره وأن يقتصر على ذكره - سبحانه - ثم بين بعد ذلك كيفية الدعاء فقال: {فَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ...} وما أحسن هذا الترتيب فإنه لا بد من تقديم العبادة لكسر النفس وإزالة ظلماتها ثم بعد العبادة لابد من الاشتغال بذكر الله - تعالى - لتنوير القلب وتجلى نور جلاله. ثم بعد ذلك الذكر يشتغل الرجل بالدعاء، فإن الدعاء إنما يكمل إذا كان مسبوقاً بالذكر كما حكى عن إبراهيم - عليه السلام - أنه قدم الذكر فقال:
{ ٱلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ } ثم قال: { رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِٱلصَّالِحِينَ } فقدم الذكر على الدعاء".
ثم بين - سبحانه - جزاء هذا الفريق الثانى فقال: {أُولَـٰئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُواْ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ}.
فاسم الإِشارة يعود إلى الفريق الثانى باعتبار اتصافهم بما ذكر من النعوت الجميلة وكانت الإِشارة للبعيد لبيان علو منزلتهم، وسمو درجاتهم ولم بعطف على ما قبله لأنه كالنتيجة له.
وقيل: إن الإِشارة تعود إلى الفريقين. أى: لكل من الفريقين نصيب من عمله على قدر ما نواه. ويضعفه أن الله - تعالى - قد ذكر قبل ذلك عاقبة الفريق الأول بقوله: {وَمَا لَهُ فى ٱلآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ}.
والمعنى: أولئك الذين جمعوا فى دعائهم بين طلب حسنتى الدنيا والآخرة لهم نصيب جزيل، وحظ عظيم من جنس ما كسبوا من الأعمال الصالحة، أو من أجل ما كسبوا من الفعال الطيبة. فحرف الجر "من" يصح أن يكون للابتداء أو للتبعيض.
وفى هذه الجملة الكريمة وعد من الله لعباده أنهم متى تضرعوا إليه بقلب سليم، أجاب لهم دعاءهم، وأعطاهم سؤالهم.
قال القرطبى: وقوله: {وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} من سرع يسرع - مثل عظم يعظم - فهو سريع. و {ٱلْحِسَابِ} مصدر كالمحاسبة، وقد يسمى المحسوب حساباً. والحساب: العد. ويقال: حسب يحسب حساباً وحسابة وحسباناً أى: عد.
والمعنى فى الآية: أن الله - تعالى - سريع الحساب لا يحتاج إلى عد ولا إلى عقد ولا إلى إعمال فكر كما يفعله الحساب، ولهذا قال وقوله الحق
{ وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ } فالله - تعالى - عالم بما للعباد وما عليهم فلا يحتاج إلى تذكر وتأمل.
وقيل: سريع المجازاة للعباد بأعمالهم، وقيل لعلى بن أبى طالب: كيف يحاسب الله العباد فى يوم؟ قال: كما يرزقهم فى يوم. ومعنى الحساب: تعريف الله عبادة مقادير الجزاء على أعمالهم وتذكيره إياهم بما قد نسوه. وقيل: معنى الآية سريع بمجئ يوم الحساب، فالمقصود بالآية الإِنذار بيوم: القيامة.
وقوله: {وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ فِيۤ أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ} معطوف على قوله - تعالى - {فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَآءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً} وما بينهما اعتراض.
والمراد بالأيام المعدودات أيام التشريق الثلاثة التى بعد يوم النحر. والتشريق: تقديد اللحم.
قال القرطبى: ولا خلاف بين العلماء أن الأيام المعدودات فى هذه الآية هى أيام منى، وهى أيام التشريق، وأن هذه الثلاثة الأسماء واقعة عليها، وهى أيام رمى الجمار".
فالآية الكريمة تأمر الحجاج وغيرهم من المسلمين أن يكثروا من ذكر الله فى هذه الأيام المباركة، لأن أهل الجاهلية كانوا يشغلونها بالتفاخر ومغازلة النساء "ويزعمون أن الحج قد انتهى يوم النحر وهو اليوم العاشر من ذى الحجة.
ولقد بين لنا النبى صلى الله عليه وسلم أن هذه الأيام ينبغى أن تعمر بذكر الله وبشكره على نعمه.
روى الإمام مسلم عن نبيشة الهذلى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله" .
وروى البخارى عن ابن عمر: أنه كان يكبر بمنى تلك الأيام، وخلف الصلوات، وعلى فراشه وفى فسطاطه. وفى مجلسه، وفى ممشاه، فى تلك الأيام جميعاً.
ومن الذكر فى تلك الأيام التكبير مع كل حصاة من حصى الجمار كل يوم من أيام التشريق. فقد أخرج البخارى عن ابن عمر أن النبى صلى الله عليه وسلم كبر مع كل حصاة.
ويرى جمهور الفقهاء أن هذه الأيام يحرم فيها الصيام، لأنها أيام أكل وشرب وذكر لله.
والمعنى. اذكروا الله، أى: كبروه فى أدبار الصلوات وعند ذبح القرابين، وعند رمى الجمار وغيرها فى تلك الأيام المعدودات التى هى موسم من مواسم العبادة والطاعات، فإن الإِكثار من ذكر الله يرفع الدرجات، ويمسح السيئات.
ثم قال - تعالى -: {فَمَن تَعَجَّلَ فى يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلاۤ إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ ٱتَّقَىٰ}. تعجل واستعجل يجيئان مطاوعين بمعنى عجل، يقال: تعجل الأمر واستعجل. ويأتيان متعديين فيقال: تعجل الذهاب واستعجله ويرى الزمخشرى أن المطاوعة أوفق لقوله - تعالى -: {وَمَن تَأَخَّر}.
وإيضاح ذلك: أنه يجب على الحاج المبيت بمنى الليلة الأولى والثانية من ليالى أيام التشريق، ليرمى كل يوم بعد الزوال إحدى وعشرين حصاة يرمى عند كل جمرة سبع حصيات. ثم من رمى فى اليوم الثانى وأراد أن ينفر ويترك المبيت بمنى فى الليلة الثالثة ورمى يومها بعد الزوال - كما يرى الشافعية - وبعده أو قبله - كما يرى الحنفية - فلا إثم عليه فى عدم مبيته بمنى فى الليلة الثالثة.
أى: فمن تعجل فسافر فى اليومين الأولين فلا إثم عليه فى التعجيل، ومن بقى إلى تمام اليوم الثالث فلا إثم عليه كذلك إذا اتقى كل منهما الله ووقف عند حدوده.
فالتقييد بالتقوى للتنبيه إلى أن العبرة فى الأفعال إنما هى بتقوى القلوب وطهارتها وسلامتها.
قال الآلوسى: وقوله {لِمَنِ ٱتَّقَىٰ} خبر لمبتدأ محذوف، واللام إما للتعليل أو للاختصاص.
أى: ذلك التخيير المذكور لأجل المتقى لئلا يتضرر بترك ما يقصده من التعجيل والتأخر أو ذلك المذكور من أحكام مطلقاً مختصة بالمتقى لأنه هو الحاج على الحقيقة. والمراد من التقوى على التقديرين تجنب ما يؤثم من فعل أو ترك..."
ثم ختمت الآية بقوله - تعالى -: {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوآ أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} اتقوا الله فى كل ما تأتون وما تذرون، واعلموا أنكم ستجمعون بعد تفرقكم وتساقون إلى خالقكم يوم القيامة ليجازيكم على أعمالكم.
وقد ختمت الآيات التى تحدثت عن فريضة الحج بهذا الختام المكون من عنصرين، أحدهما: تقوى الله.
والثانى: العلم اليقينى بالحشر، للإِشعار بأنهما خلاصة التدين، وثمرة العبادات بكل أنواعها وكل طرقها، وإذا خلت أية عبادة من هذين العنصرين كانت صورة لا روح فيها.
وإلى هنا تكون الآيات الكريمة قد ساقت لنا بعض أحكام الحج وآدابه ومناسكه بأسلوب يهدى القلوب، ويسعد النفوس، ومن شأن من يعمل بهذه الآيات أن يكون ممن رضى الله عنهم ورضوا عنه.
وبعد أن بين - سبحانه - فريضة الحج وما اشتملت عليه من أحكم وآداب، وبين أصناف الناس فى أدعيتهم التى تكشف عن خبايا قلوبهم، ومعادن نفوسهم، بعد أن بين ذلك أعقبه بالحديث عن صنفين من الناس فقال:
{وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي...وَٱللَّهُ رَؤُوفٌ بِٱلْعِبَادِ}.