التفاسير

< >
عرض

يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱدْخُلُواْ فِي ٱلسِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ
٢٠٨
فَإِن زَلَلْتُمْ مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْكُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
٢٠٩
هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ ٱلْغَمَامِ وَٱلْمَلاۤئِكَةُ وَقُضِيَ ٱلأَمْرُ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ
٢١٠
سَلْ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ
٢١١
زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ فَوْقَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَٱللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ
٢١٢
-البقرة

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

{ٱلسِّلْمِ} - بكسر السين وفتحها مع إسكان اللام - بمعنى واحد، ويطلقان على الإِسلام وعلى المسالمة. وبعضهم فرق بين اللفظين فجعل {ٱلسِّلْمِ} بكسر السين - للإِسلام، و{ٱلسِّلْمِ} - بفتحها - للمسالمة، وأنكر المبرد هذه التفرقة.
قال الفخر الرازى: وأصل هذه الكلمة من الانقياد. قال - تعالى -:
{ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } والإِسلام إنما سمى إسلاما لهذا المعنى. وغلب اسم السلم على الصلح وترك الحرب، وهذا أيضاً راجع إلى هذا المعنى. لأن عند الصلح ينقاد كل واحد إلى صاحبه".
و {كَآفَّةً} أى جميعاً. وهى فى الأصل صفة من كف بمعنى منع، واستعملت بمعنى الجملة والجميع بعلاقة أنها مانعة من التفرق وهى حال من قوله: {ٱلسِّلْمِ} أى: يأيها المؤمنون ادخلوا فى الإِسلام والتزموا بكل تعاليمه، ونفذوا جميع أحكامه وآدابه، واعملوا بكل أوامره ونواهيه، ولا تكونوا ممن يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض. فالمقصود التزام جميع شرائع الإِسلام وأحكامه وآدابه.
وبعضهم يرى أن قوله: {كَآفَّةً} حال من فاعل ادخلوا وهو ضمير الجماعة والمعنى عليه: ادخلوا فى الإِسلام جميعاً، وانقادوا لأحكامه مجتمعين غير متفرقين، لأنه الدين الذى ألف الله به بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً.
وسواء أكان لفظ {كَآفَّةً} حالا من {ٱلسِّلْمِ} أو من فاعل {ٱدْخُلُواْ} فالمقصود من الآية دعوة المؤمنين إلى التمسك بجميع شعب الإِسلام وشرائعه مع التزامهم برباط الإِخاء الذى ربط الله به بين قلوبهم بسبب اتباعهم لهذا الدين الحنيف.
وإذا كان المراد بكلمة {ٱلسِّلْمِ} المسالمة والمصالحة كان المعنى: يأيها الذين آمنوا إن إيمانكم يوجب عليكم فيما بينكم أن تكونوا متصالحين غير متعادين، متحابين غير متباغضين، متجمعين غير متفرقين، كما أنه يوجب عليكم بالنسبة لغيركم ممن هو ليس على دينكم أن تسالموه متى سالمكم، وأن تحابوه متى اعتدى عليكم، فإن دينكم ما جاء للحرب والخصام وإنما جاء للهداية وللسلام العزيز القوى الذى يرد الاعتداء بمثله.
هذا هو المعنى الذى نراه ظاهراً فى الآية، وهو ما سار عليه المحققون من المفسرين.
وبعضهم ذكر أن الخطاب فى الآية لمؤمنى أهل الكتاب، لما روى عن ابن عباس أنه قال: نزلت فى عبد الله بن سلام وأصحابه، وذلك أنهم حين آمنوا بالنبى صلى الله عليه وسلم وآمنوا بشرائعه وشرائع موسى عليه السلام - فعظموا السبت وكرهوا لحم الإِبل وألبانها بعد أن أسلموا، فأنكر عليهم المسلمون فقالوا، إنا نقوى على هذا وهذا؛ وقالوا للنبى صلى الله عليه وسلم إن التوراة كتاب الله فدعنا فلنعمل بها فأنزل الله هذه الآية. فالخطاب لمؤمنى أهل الكتاب.
وبعضهم ذكر أن المراد بالآية المنافقون والتقدير: يأيها الذين آمنوا بألسنتهم ادخلوا بكليتكم فى الإِسلام ولا تتبعوا خطوات الشيطان. وهذان القولان ضعفهما ظاهر، إذ لا سند لهما يعتمد عليه، ولا يؤيدها سياق الآية الكريمة، لأن الآية الكريمة صريحة فى دعوة المؤمنين إلى التمسك بجميع تعاليم الإِسلام، وإلى الإِخاء الجامع ونبذ التفرق والاختلاف والاعتداء.
وقوله: {وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} تحذير لهم مما يصدهم عن الدخول فى السلم.
أى: أدخلوا فى السلم واحذورا أن تتبعوا مدارج الشيطان وطرقه إنه لكم عدو ظاهر العداوة بحيث لا تخفى عداوته على عاقل.
والخطوات. جمع خطوة - بفتح الخاء وضمها - وهى ما بين قدمى من يخطو.
وفى قوله: {وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ} إشعار بأن الشيطان كثيراً ما يجر الإِنسان إلى الشر خطوة فخطوة ودرجة فدرجة حتى يجعله يألفه ويقتحمه بدون تردد، وبذلك يكون ممن استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله. والعاقل من الناس هو الذى يبتعد عن كل ما هو من نزغات الشيطان ووساوسه، فإن صغير الذنوب قد يوصل إلى كبيرها، ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه.
وقوله: {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} جملة تعليلية، مؤكدة للنهى ومبينة لحكمته.
وقوله: {فَإِن زَلَلْتُمْ مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْكُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} تفريع على النهى، وترهيب من العقاب الذى سيصيب المتبعين للشيطان.
قال القرطبى: وأصل الزلل فى القدم، ثم استعمل فى الاعتقادات والآراء وغير ذلك.
يقال: زل يزل زلا وزللا وزلولا، أى: دحضت قدمه.
والبينات: جمع بينة، وهى الأدلة والمعجزات، ومجيئها: ظهورها.
والمعنى: فإن تنحيتم عن طريق الحق، وعدلتم عنه إلى الباطل، من بعد أن ظهرت لكم الأدلة المفرقة بين الصواب والخطأ، والتى تدعوكم إلى اتباع طريق الحق، فاعلموا أن الله {عَزِيزٌ} لا يقهر ولا يعجزه الانتقام ممن زل {حَكِيمٌ} لا يترك ما تقتضيه الحكمة وإنما يضع الأمور فى مواضعها.
وجىء فى الشرط بإن، لندرة حصول الزلل من المؤمنين، إذ الشأن فيهم ذلك.
وقوله: {فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} جواب الشرط.
وقوله: {مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْكُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ} قطع لعذرهم حتى لا يقولوا يوم الحساب إننا زللنا لأننا لا نعرف الحق من الباطل. وفى الآية دليل على أن عقوبة العالم بالذنب أعظم من عقوبة الجاهل به - كما قال القرطبى -.
وقال الفخر الرازى ما ملخصه: "وقوله: {فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} نهاية فى الوعيد، لأنه يجمع من ضروب الخوف مالا يجمعه الوعيد بذكر العقاب. وربما قال الوالد لولده: إن عصيتنى فأنت عارف بى وأنت تعلم قدرتى عليك وشدة سطوتى. فيكون هذا الكلام فى الزجر أبلغ من ذكر الضرب وغيره. فإن قيل: أفهذه الآية مشتملة على الوعد كما أنها مشتملة على الوعيد؟ قلنا: نعم من حيث أتبعه بقوله: {حَكِيمٌ} فإن اللائق بالحكمة أن يميز بين المحسن والمسىء، فكما يحسن من الحكيم إيصال العذاب إلى المسىء فكذلك يحسن منه إيصال الثواب إلى المحسن، بل هذا أليق بالحكمة وأقرب للرحمة".
وبعد أن أمر الله المؤمنين بالدخول فى السلم كافة، ونهاهم عن الزلل عن طريقه المستقيم، عقب ذلك بتهديد الذين امتنعوا عن الدخول فى السلم فقال: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فى ظُلَلٍ...}.
ينظرون: أى ينتظرون. يقال: نظرته وانتظرته بمعنى واحد.
وظلل: جمع ظلة. كظلم جمع ظلمة - وهى ما أظلك من شعاع الشمس وغيره.
والغمام: اسم جنس جمعى لغمامة، وهى السحاب الرقيق الأبيض، سمى بذلك لأنه يغم، أى يستر. ولا يكون الغمام ظلة إلا حيث يكون متراكباً والاستفهام للإِنكار والتوبيخ.
والمعنى: ما ينتظر أولئك الذين أبوا الدخول فى الإِسلام من بعد ما جاءتهم البينات، إلا أن يأتيهم الله يوم القيامة فى ظل كائنة من الغمام الكثيف العظيم ليحاسبهم على أعمالهم، وتأتيهم ملائكته الذين لا يعلم كثرتهم إلا هو - سبحانه -.
وإتيان الله - تعالى - إنما هو بالمعنى اللائق به - سبحانه - مع تنزيهه عن مشابهة الحوادث، وتفويض علم كيفيته إليه - تعالى -. وهذا هو رأى علماء السلف.
وقوله: {وَقُضِيَ ٱلأَمْرُ} معناه على هذا الرأى: أتم - سبحانه - أمر العباد وحسابهم فأثيب الطاتع وعوقب العاصى، ولم تعد لدى العصاة فرصة للتوبة أو تدارك ما فاتهم. وقد ارتضى هذا الرأى عدد من المفسرين منهم ابن كثير فقد قال فى معنى الآية: يقول الله - تعالى - مهدداً للكافرين بمحمد صلى الله عليه وسلم {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فى ظُلَلٍ مِّنَ ٱلْغَمَامِ وَٱلْمَلاۤئِكَةُ} يعنى: يوم القيامة نفصل القضاء بين الأولين والآخرين، فيجزى كل عامل بعمله: إن خيراً فخير وإن شراً فشر!! ولهذا قال - تعالى - {وَقُضِيَ ٱلأَمْرُ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ}.
أما علماء الخلف فيؤولون إتيان الله بما يتناسب مع ذاته - سبحانه -، ولذا فسروا إتيانه بأمره أو بأسه فى الدنيا.
وقد عبر صاحب الكشاف عن وجهة نظر هؤلاء بقوله: "إتيان الله: إتيان أمره وبأسه كقوله
{ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ } ) ( { جَآءَهُمْ بَأْسُنَا } ويجوز أن يكون المأتى به محذوفاً، بمعنى أن يأتيهم الله ببأسه أو بنقمته للدلالة عليه بقوله - قبل ذلك - {فَإِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}. فإن قلت: لم يأتيهم العذاب فى الغمام؟ قلت: لأن الغمام مظنته الرحمة، فإذا نزل منه العذاب كان الأمر أفظع وأهول؛ لأن الشر إذا جاء من حيث لا يحتسب كان أغم كما أن الخير إذا جاء من حيث لا يحتسب كان أسر، فكيف إذا جاء الشر من حيث يحتسب الخير؛ ولذلك كانت الصاعقة من العذاب المستفظع لمجيئها من حيث يتوقع الغيث: {وَقُضِيَ ٱلأَمْرُ} أى: تم أمر إهلاكهم وتدميرهم وفرغ منه.
وقال الجمل ما ملخصه: وقوله: {إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ} استئناف مفرغ من مقدر، أى ليس لهم شىء ينتظرونه إلا إتيان العذاب وهذا مبالغة فى توبيخهم وقوله: {وَٱلْمَلاۤئِكَةُ} بالرفع عطفا على اسم الجلالة أى، وتأتيهم الملائكة فإنهم وسائط فى إتيان أمره - تعالى -، بل هم الآتون ببأسه على الحقيقة. وقرأ الحسن وأبو جعفر: والملائكة بالجر عطفا على ظلل، أى إلا أن يأتيهم فى ظلل وفى الملائكة. وقوله {وَقُضِيَ ٱلأَمْرُ} فيه وجهان:
أحدهما: أن يكون معطوفاً على يأتيهم داخلا فى حيز الانتظار ويكون ذلك من وضع الماضى موضع المستقبل والأصل ويقضى الأمر؛ وإنما جىء به كذلك لأنه محقق كقوله:
{ أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ } والثانى: أن يكون جملة مستأنفة برأسها أخبر الله - تعالى - بأنه قد فرغ من أمرهم فهو من عطف الجمل وليس داخلا فى حيز الانتظار.
ثم ختم - سبحانه - هذه الآية بقوله: {وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ} أى إليه وحده - سبحانه - لا إلى غيره ولا إلى أحد معه تصير الأمور خيرها وشرها وسيجازى الذين أساءوا بما عملوا وسيجازى الذين أحسنوا بالحسنى.
فالجملة الكريمة تذييل قصد به تأكيد قضاء أمره، ونفاذ حكمه، وتمام قدرته.
ثم بين - سبحانه - أن كفر الكافرين ليس سيبه نقصان الدليل على صحة إيمان المؤمنين، وإنما سببه الجحود والحسد وإيثار الهوى على الهدى، بدليل أن بنى إسرائيل قد آتاهم الله آيات بينات تهدى إلى الإِيمان ومع ذلك كفروا بها. استمع إلى القرآن وهو يصور موقفهم بعد تهديده للكافرين فى الآية السابقة فيقول: {سَلْ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ...}.
قال الفخر الرازى: اعلم أنه ليس المقصود: سل بنى إسرائيل ليخبروك عن تلك الآيات فتعلمها؛ وذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان عالماً بتلك الأحوال بإعلام الله - تعالى - إياه، بل المقصود منه المبالغة فى الزجر عن الإِعراض عن دلائل الله - تعالى -.
أى: سل هؤلاء الحاضرين أنا لما آتينا أسلافهم آيات بينات فأنكروها، لا جرم استوجبوا العقاب من الله - تعالى -، وذلك تنبيه لهؤلاء الحاضرين على أنهم لو زلوا عن آيات الله لوقعوا فى العذاب كما وقع أولئك المتقدمون فيه. والمقصود من ذكر هذه الحكاية أن يعتبروا بغيرهم...".
و {سَلْ} فعل أمر من سأل وأصله اسأل فنقلت فتحة الهمزة إلى السين قبلها وصارت ساكنة فحذفت. ولما فتحت السين لم يكن هناك حاجة إلى همزة الوصل فحذفت أيضاً.
و{كَمْ} إما خبرية والمسئول عنه محذوف، والجملة ابتدائية لا محل لها من الإِعراب مبينة لاستحقاقهم التقريع والتوبيخ. كأنه قيل {سَلْ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} عن طغيانهم وجحودهم للحق بعد وضوحه فقد آتيناهم آيات كثيرة بينة ومع ذلك أعرض كثير منهم عنها.
وإما استفهامية والجملة فى موضع المفعول الثانى لقوله {سَلْ} وقيل: فى موضع المصدر، أى: سلهم هذا السؤال. وقيل: فى موضع الحال. أى: سلهم قائلا: كم آتيناهم.
والاستفهام للتقرير بمعنى حمل المخاطب على الإِقرار - بأنه قد خالف ما تقتضيه الآيات من الإِيمان بالله - تعالى -.
فالمراد بهذا السؤال تقريعهم على جحودهم الحق بعد وضوح الآيات لا معرفة إجابتهم كما إذا أراد واحد منا توبيخ أحد فيقول لمن حضره: سله كم أنعمت عليه؟
ومن الآيات البينات والمعجزات الواضحات التى أظهرها الله - تعالى - لبنى إسرائيل على أيدى أنبيائهم ليؤمنوا بهم: عصا موسى التى ألقاها فإذا هى حية تسعى؛ والتى ألقاها فإذا هى تلقف ما صنعه السحرة، والتى ضرب بها البحر
{ فَٱنفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَٱلطَّوْدِ ٱلْعَظِيمِ } إلى غير ذلك من الآيات الدالة على وحدانية الله وصدق من جرت على يديه هذه الخوارق، ومع ذلك فمنهم من قال لموسى { أَرِنَا ٱللَّهَ جَهْرَةً } ومنهم من كفر وعبد العجل..
ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة الجاحدين لآياته فقال: {وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ}.
التبديل: جعل شىء بدلا عن آخر، ونعمة الله هنا تتناول آياته الدالة على صدق رسله، كما تتناول ما أسبغه الله على عباده من صحة ومال وعقل وغير ذلك من نعمه الظاهرة والباطنة.
أى: ومن يبدل نعم الله بعد ما وصلت إليه واتضحت له، بأن كفر بها مع أنها تدعو إلى الإِيمان، وجحد فضلها مع أنها تستلزم منه الشكر لمسديها من يبدل ذلك التبديل فإن الله سيعاقبه عقاباً شديداً.
وقوله: {مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُ} زيادة توبيخ لهم، وأنهم مستحقون لأشد ألوان العذاب، لأنهم قد كفروا بآيات الله وجحدوا نعمه بعد معرفتها والوقوف على تفاصيلها. فهو كقوله - تعالى -:
{ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } فهو تبديل عن معرفة لا عن جهل أو خطأ.
وقوله: {فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} تعليل للجواب أقيم مقامه.
أى: ومن يبدل نعمة الله عاقبه أشد عقوبة لأنه شديد العقاب فلا يفلت منه أحد. ويحتمل أن يكون هذه الجملة هى الجواب بتقدير الضمير أى شديد العقاب له.
والعقاب هو الجزاء عن جناية وجرم، وهو مأخوذ - كما يقول القرطبى - من العقب، كأن المعاقب يمشى بالمحازاة للجانى فى آثار عقبه، ومنه عقبة الراكب - أى الموضع الذى يركب منه -، فالعقاب والعقوبة يكونان بعقب الذنب وقد عاقبه بذنبه.
فالآية الكريمة وعيد شديد لكل من يبدل نعم الله، ويترك شكرها.
وبعد أن ذكر القرآن حال من يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته، أتبعه بذكر الأسباب التى حملت أولئك الأشقياء على البقاء فى كفرهم وجحودهم فقال - تعالى -: {زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا}... الآية.
التزيين: جعل الشىء زينا أى، شديد الحسن. والحياة نائب فاعل، زين، ولم تلحق تاء التأنيث بالفعل لأن نائب الفاعل مجازى التأنيث ولوجود الفاصل بين الفعل ونائب الفاعل.
والمعنى، أن الحياة الدنيا قد زينت للكافرين فأحبوها وتهافتوا عليها تهافت الفراش على النار، وصارت متعها وشهواتها كل تفكيرهم، أما الآخرة فلم يفكروا فيها، ولم يهيئوا أنفسهم للقائها.
قال القرطبى: والمزين هو خالقها ومخترعها وخالق الكفر، ويزينها أيضاً الشيطان بوسوسته وإغوائه وخص الذين كفروا بالذكر لقبولهم التزيين جملة وإقبالهم على الدنيا وإعراضهم عن الآخرة بسببها. وقد جعل الله ما على الأرض زينة لها ليبلو الخلق أيهم أحسن عملا، فالمؤمنون الذين هم على سنن الشرع لم تفتنهم الزينة، والكفار تملكتهم لأنهم لا يعتقدون غيرها".
وقوله: {وَيَسْخَرُونَ مِنَ ٱلَّذِينَ} معطوف على جملة {زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ...}.
أو خبر لمبتدأ محذوف أى وهم يسخرون وتكون الواو للحال.
ويسخرون: يضحكون ويهزأون. يقال. سخرت منه وسخرت به وضحكت منه وضحكت به.
أى أن الذين كفروا لا يكتفون بحبهم الشديد لزينة الدنيا وشهواتها وإنما هم بجانب ذلك يسخرون من المؤمنين لزهد هم فى متع الحياة، لأن الكفار يعتقدون أن ما يمضى من حياتهم فى غير متعة فهو ضياع منها، وأنهم لن يبعثوا ولن يحاسبوا على ما فعلوه فى دنياهم، أما المؤمنون فهم يتطلعون إلى نعيم الآخرة الذى هو أسمى وأبقى من نعيم الدنيا.
وجىء بقوله: {زُيِّنَ} ماضيا للدلالة على أنه قد وقع وفرغ منه. وجىء بقوله {وَيَسْخَرُونَ} مضارعاً للدالة على تجدد سخريتهم من المؤمنين وحدوثها بين وقت آخر. قال - تعالى -:
{ إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يَضْحَكُونَ. وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ... } وقد ذكر بعض المفسرين فى سبب نزول هذه الآية روايات منها: أنها نزلت فى المنافقين عبد الله بن أبى وحزبه، كانوا يتنعمون فى الدنيا أو يسخرون من ضعفاء المؤمنين وفقراء المهاجرين، ويقولون: أنظروا إلى هؤلاء الذين يزعم محمد صلى الله عليه وسلم أنه يغلب بهم. ومنها. أنها نزلت فى أبى جهل ورؤساء قريش كانوا يسخرون من فقراء المسلمين كعمار وخباب وابن مسعود وغيرهم بسبب ما كانوا فيه من الفقر والصبر على البلاء. والحق أنه لا مانع من نزولها فى شأن كل الكافرين الذين يسخرون من المؤمنين.
وقوله: {وَٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ فَوْقَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} رد منه - سبحانه - على هؤلاء الكفار الذين يسخرون من المؤمنين، والذين يرون أنفسهم أنهم فى زينتهم ولذاتهم أفضل من المؤمنين فى نزاهتهم وصبرهم على بأساء الحياة وضرائها.
أى، والذين اتقوا الله - تعالى - وصانوا أنفسهم عن كل سوء فوق أولئك الكافرين مكانة ومكانا يوم القيامة، لأن تقواهم قد رفعتهم إلى أعلى عليين، أما الذين كفروا فإن كفرهم قد هبط بهم إلى النار وبئس القرار.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: لم قال {مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} ثم قال: {وَٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ}؟ قلت: ليريك أنه لا يسعد عنده إلا المؤمن التقى، وليكون بعثاً للمؤمنين على التقوى إذا سمعوا ذلك.
وقيدت الفوقية بيوم القيامة للننصيص على دوامها، لأن ذلك اليوم هو مبدأ الحياة الأبدية، ولإِدخال السرور والتسلية على قلوب المؤمنين حتى لا يتسرب اليأس إلى قلوبهم بسبب إيذاء الكافرين لهم فى الدنيا.
وقوله: {وَٱللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} تذييل قصد به تشريف المؤمنين، وبيان عظم ثوابهم.
أى: والله يرزق من يشاء بغير حساب من المرزوق. أو بلا حصر وعد لما يعطيه. أو أنه لا يخاف نفاد ما فى خزائنه حتى يحتاج إلى حساب لما يخرج منها. فهو - سبحانه - الذى يعطى ويمنع، وليس عطاؤه فى الدنيا دليل رضاه عن المعطى فقد يعطى الكافر وهو غير راض عنه، أما عطاؤه فى الآخرة فهو دليل رضاه عمن أعطاه.
قال الأستاذ الإِمام: إن الرزق بلا حساب ولا سعى فى الدنيا إنما يصح بالنسبة إلى الأفراد، فإنك ترى كثيراً من الأبرار وكثيراً من الفجار أغنياء موسرين متمتعين بسعة الرزق، وكثيراً من الفريقين فقراء معسرين، والمتقى يكون دائماً أسعد حالاً وأكثر احتمالا، ومحلا لعناية الله به فلا يؤلمه الفقر كما يؤلمه الفاجر لأنه يجد فى التقوى مخرجاً من كل ضيق... وأما الأمم فأمرها على غير هذا، فإن الأمة التى ترونها فقيرة ذليلة لا يمكن أن تكون متقية لأسباب نقم الله وسخطه.. وليس من سنة الله أن يرزق الأمة العزة والثروة وهى لا تعمل، وإنما يعطيها بعملها ويسلبها بزللها..".
ثم بين - سبحانه - أحوال الناس، وأنهم فى حاجة إلى الرسل ليبشروهم وينذروهم ويحكموا بينهم بالحق فيما اختلفوا فيه فقال - تعالى -:
{كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيِّينَ...}.