التفاسير

< >
عرض

وَٱلْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوۤءٍ وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِيۤ أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوۤاْ إِصْلاَحاً وَلَهُنَّ مِثْلُ ٱلَّذِي عَلَيْهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
٢٢٨
ٱلطَّلَٰقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَٰنٍ وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّآ آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاَّ أَن يَخَافَآ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ
٢٢٩
فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَن يَتَرَاجَعَآ إِن ظَنَّآ أَن يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ
٢٣٠
وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِّتَعْتَدُواْ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلاَ تَتَّخِذُوۤاْ آيَاتِ ٱللَّهِ هُزُواً وَٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَآ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ ٱلْكِتَابِ وَٱلْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
٢٣١
وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْاْ بَيْنَهُمْ بِٱلْمَعْرُوفِ ذٰلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ ذٰلِكُمْ أَزْكَىٰ لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ
٢٣٢
-البقرة

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

قوله - تعالى -: {وَٱلْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوۤءٍ} معطوف على ما قبله لشدة المناسبة، وللاتحاد فى الحكم وهو التربص الذى سبقت الإِشارة إليه فى قوله: { لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ } والتربص: التأنى والتريث والانتظار.
والقروء: جمع قرء - بضم القاف وفتحها -.
قال الطبرسى: وأصله فى اللغة يحتمل وجهين:
أحدهما: الاجتماع ومنه القرآن لاجتماع حروفه.. فعلى هذا يقال أقرأت المرأة فهى مقرئ إذا حاضت، وذلك لاجتماع الدم فى الرحم.
والوجه الثانى: أن أصل القرء الوقت الجارى فى الفعل على عادة، يقال: هذا قارئ الرياح أى وقت هبوبها".
والمعنى: أن على المطلقات أن تمكث إحداهن بعد طلاق زوجها لها ثلاثة قروء بدون نكاح ثم لها أن تتزوج بعد ذلك إن شاءت.
والمراد بالمطلقات هنا المدخول بهن من ذوات الحيض غير الحوامل، لأن غيرهن قد بين الله - تعالى - عدتهن فى مواضع أخرى.
والمتوفى عنها زوجها بين الله عدتها بقوله:
{ وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً } ومن لا يحضن ليأس من الحيض، أو لأنهن لم يرين الحيض فقد بين الله - تعالى - عدتهن بقوله: { وَٱللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ ٱلْمَحِيضِ مِن نِّسَآئِكُمْ إِنِ ٱرْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ وَٱللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ } أى: واللائى لم يحضن فعدتهن كذلك ثلاثة أشهر.
وذوات الحمل بين الله - تعالى - عدتهن بقوله:
{ وَأُوْلاَتُ ٱلأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ } وغير المدخول بها لا عدة عليها لقوله - تعالى -: { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا نَكَحْتُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا } وقوله: {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ} جملة خبرية اللفظ إنشائية المعنى أى " ليتربصن" وإخراج الأمر فى صورة الخبر - كما يقول الزمخشرى - "تأكيد للأمر، وإشعار بأنه مما يجب أن يتلقى بالمسارعة إلى امتثاله، فكأنهن امتثلن الأمر بالتربص. فهو يخبر عنه موجوداً. ونحوه قولهم فى الدعاء: "رحمك الله" أخرج فى صورة الخبر ثقة بالاستجابة. كأنما وجدت الرحمة فهو يخبر عنها وبناؤه على المبتدأ مما زاده أيضاً فضل توكيد. ولو قيل: "ويتربص المطلقات" لم يكن بتلك الوكادة".
وفى قوله - تعالى -: {وَٱلْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ} ما فيه من الابداع فى الإِشارة والنزاهة فى العبارة والسمو فى المعنى، وذلك لأن المرأة المطلقة كثيراً ما تشعر بعد طلاقها بأنها فى حاجة إلى أن تثبت أن إخفاقها فى حياتها الزوجية السابقة ليس لنقص فيها، أو لعجز عن إنشاء حياة زوجية أخرى، وهذا الشعور قد يدفعها إلى التسرع والاندفاع من أجل إنشاء هذه الحياة، وهنا تبرز طريقة القرآن الحكيمة فى معالجة النفوس، إنه يقول للملطقة: إن التطلع إلى إنشاء حياة زوجية أخرى ليس عيباً، ولكن الكرامة توجب عليها الانتظار والتريث، إذ لا يليق بالحرة الكريمة أن تنتقل بين الأزواج تنقلا سريعا.. وأيضاً فإن نداء الفطرة، وتعاليم الشريعة توجبان عليها الانتظار مدة ثلاثة قروء، لكى تستبرئ رحمها، حتى إذا كان هناك حمل نسب إلى الأب الشرعى له.
وفى قوله - تعالى -: {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ} إشعار بأن هذا التربص يجب أن يكون من ذات أنفسهن وليس من عامل خارجى، فشأن الحرة الكريمة المؤمنة أن تحجز نفسها بنفسها عن كل ما يتنافى مع الكرامة والشرف، فقد تجوع الحرة ولكنها لا تأكل بثديها - كما يقولون -.
وقد أشار صاحب الكشاف إلى المعنى بقوله: فإن قلت وما معنى ذكر الأنفس - هنا -؟ قلت: فى ذكر الأنفس تهييج لهن على التربص وزيادة بعث، لأن فيه ما يستنكفن منه فيحملهن على أن يتربصن. وذلك أن أنفس النساء طوامح إلى الرجال. فأمرن أن يقمعن أنفسهن، ويغلبنها على الطموح، ويجبرنها على التربص".
وقوله - تعالى -: {ثَلاَثَةَ قُرُوۤءٍ} نصب ثلاثة على النيابة عن المفعول فيه، لأن الكلام على تقدير مضاف، أى مدة ثلاثة قروء. فلما حذف المضاف خلفه المضاف إليه فى الإعراب.
هذا وللعلماء رأيان شهيران فى المراد بقوله - تعالى -: {ثَلاَثَةَ قُرُوۤءٍ}
فالأحناف والحنابلة ومن قبلهم عمر وعلى وابن مسعود وغيرهم يرون أن المراد بالقروء هنا الحيضات والمعنى عندهم: أن المطلقات عليهن أن يمكثن بعد طلاقهن من أزواجهن مدة ثلاث حيضات بدون زواج بعد ذلك لهن أن يتزوجن إن شئن.
ومن أدلتهم: أن النبى صلى الله عليه وسلم قد فسر القرء بمعنى الحيض فقد جاء فى الحديث الذى رواه أبو داود والنسائى عن فاطمة بنت أبى حبيش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها:
"دعى الصلاة أيام أقرائك" .
ولا شك أن المراد بالقرء فى هذا الحديث الحيض، لأنه هو الذى لا تصح معه الصلاة.
أما المالكية والشافعية ومن قبلهم عائشة وعبد الله بن عمر وزيد بن ثابت والزهرى وغيرهم فيرون أن المراد بالقروء هنا الأطهار، أى الأوقات التى تكون بين الحيضتين للنساء.
ومعنى الآية عندهم: أن على المطلقات أن يمكثن بعد طلاقهن من أزواجهن ثلاثة أطهار بدون زواج ثم بعد ذلك يتزوجن إذا شئن.
ومن أدلتهم: أن الله - تعالى - يقول:
{ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ } وقد بينت السنة النبوية أن الطلاق لا يكون فى الحيض، فلا يتصور أن يكون الطلاق فى العدة إلا إذا فسرنا القرء بالطهر لا بالحيض. وروى عن عائشة أنها قالت: هل تدرون الأقراء؟ الأقراء الأطهار.
قال صاحب المنار قال الأستاذ الإِمام: والخطب فى الخلاف سهل، لأن المقصود من هذا التربص العلم ببراءة الرحم من الزوج السابق، وهو يحصل بثلاث حيض كما يحصل بثلاث أطهار.. ومن النادر أن يستمر الحيض إلى آخر الحمل فكل من القولين موافق لحكمة الشرع فى المسألة.
ثم قال - تعالى -: {وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِيۤ أَرْحَامِهِنَّ}. أى: ولا يحل للنساء المطلقات أن يكتمن أمانة الله التى خلقها فى أرحامهن من ولد لكى ينسبنه إلى غير أبيه، أو من حيض أو طهر لكى تطول العدة، ويمتد الإِنفاق من الأزواج عليهن. فإن هذا الكتمان كذب على الله، وخيانة للأمانة التى أودعها الله فى أحشائهن وأمرهن بالوفاء بها، سيحاسب الله من يفعل ذلك منهن حساباً شديداً، ويعاقبه عقاباً أليماً.
وقوله: {إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} تحريض لهن على عدم الكتمان وعلى الاخبار الصادق حتى تستقيم الأحكام، وتتقرر الحقوق، وتحذير لهن من الكتمان ومن اتباع الهوى والشيطان أى: أن على المطلقات ألا يكتمن ما خلق الله فى أرحامهن إن جرين على ما يقتضيه الإِيمان، إذ الإِيمان يبعث على الصدق ويدعو إلى المحافظة على الأمانة، فإن لم يفعلن ذلك وكتمن ما خلق الله فى أرحامهن، كن ممن لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر إيمانا حقيقياً، لأن من شأن المؤمنات الكاملات فى إيمانهن ألا يفعلن ذلك.
قال الإِمام الرازى: أما قوله {إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} فليس المراد أن ذلك النهى - عن الكتمان - مشروط بكونها مؤمنة، بل هذا كما تقول للرجل الذى يظلم: إن كنت مؤمنا فلا تظلم. تريد إن كنت مؤمناً فينبغى أن يمنعك إيمانك عن ظلمى، ولا شك أن هذا تهديد شديد للنساء.. والآية الدالة على أن كل من جعل أميناً فى شىء فخان فيه فأمره عند الله شديد".
هذا، وقد قرر الفقهاء أن القول فيما يتعلق بعدة المرأة ابتداء وانتهاء مرجعه إليها، لأنه أمر يتعلق بها ولا يعلم إلا من جهتها، إلا أنهم مع ذلك قرروا مدة ينتهى قولها عنده، ولا يعمل بقولها إن نقصت عن تلك المدة. فلو ادعت - أنها قد انقضت عدتها بعد شهر من طلاقها لا يقبل قولها.
وللفقهاء كلام طويل فى هذه المسألة مبسوط فى كتب الفقه فليرجع إليه من شاء ذلك.
ثم قال - تعالى -: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فى ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوۤاْ إِصْلاَحاً}.
قال القرطبى: البعولة جمع البعل وهو الزوج، سمى بعلا لعلوه على الزوجة بما قد ملكه من زوجيتها، ومنه قوله - تعالى -:
{ أَتَدْعُونَ بَعْلاً } أى رباً، لعلوه فى الربوبية.. والبعولة أيضاً مصدر البعل. وبعل الرجل بيعل - كمنع يمنع - أى صار بعلا. والمباعلة والبعال: الجماع، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم لأيام التشريق: "إنها أيام أكل وشرب وبعال" .
والمعنى: وأزواج المطلقات طلاقاً رجعياً أحق بردهن ومراجعتهن فى {ذَلِكَ} أى فى وقت التربص قبل انقضاء العدة {إِنْ أَرَادُوۤاْ إِصْلاَحاً} أى إن أرادوا بهذه المراجعة الإِصلاح لا الإِضرار، كما سيأتى فى قوله - تعالى -: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِّتَعْتَدُواْ}.
قال القرطبى: وأجمع العلماء على أن الحر إذا طلق زوجته الحرة وكانت مدخولا بها تطليقة أو تطليقتين، أنه أحق برجعتها ما لم تنقض عدتها وإن كرهت المرأة، فإن لم يراجعها الملطق حتى انقضت عدتها فهى أحق بنفسها وتصير أجنبية منه، ولا تحل له إلا بخطبة ونكاح مستأنف بولى وإشهاد ليس على صفة المراجعة، وهذا اجماع من العلماء".
وفى هذه الجملة الكريمة بيان لبعض الحكم السامية التى أرادها الله - تعالى - من وراء مشروعية العدة. فالله - تعالى - جعل للمطلق فرصة - هى مدة ثلاثة قروء - لكى يراجع نفسه، ويتدبر أمره، لعله خلال هذه المراجعة وذلك التدبر يرى أن الخير فى بقاء زوجته معه فيراجعها، رعاية لرابطة المودة والرحمة التى جعلها الله - تعالى - بين الزوجين.
وقوله - تعالى -: {إِنْ أَرَادُوۤاْ إِصْلاَحاً} شرط المقصود منه حض المطلق على أن ينوى بإرجاعه لمطلقته إصلاح أحوالهما، بإرشادها إلى ما من شأنه أن يجعل حياتهما الزوجية مستمرة لا منقطعة، أما إذا راجعها على نية الكيد والأذى والمضارة ففى هذه الحالة يكون آثماً وسيعاقبه الله على ذلك بما يستحقه.
قال الآلوسى: وليس المراد من التعليق اشتراط جواز الرجعة بإرادة الإِصلاح حتى لو لم يكن قصده لا تجوز، للإِجتماع على جوازها مطلقاً، بل المراد تحريضهم على قصد الإِصلاح حيث جعل كأنه منوط به ينتفى بانتفائه".
ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله: {وَلَهُنَّ مِثْلُ ٱلَّذِي عَلَيْهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}.
أى: وللنساء على الرجال مثل ما للرجال على النساء. فليؤد كل واحد منهما إلى الآخر ما يجب عليه نحوه بالمعروف.
والمراد بالمماثلة - كما يقول الآلوسى - المماثلة فى الوجوب لا فى جنس الفعل، فلا يجب عليه إذا غسلت ثيابه أو خبزت له أن يفعل لها مثل ذلك، ولكن يقابله بما يليق بالرجال".
أى أن الحقوق والواجبات بينهما متبادلة، وأنهما متماثلان فى أن كل واحد منهما عليه أن يؤدى نحو صاحبه ما يجب عليه بالمعروف أى بما عرفته الطباع السليمة ولم تنكره، ووافق ما أوجبه الله على كل منهما فى شريعته. فالباء فى قوله {بِٱلْمَعْرُوفِ} للملابسة.
وقد بين النبى صلى الله عليه وسلم فى أحاديث متعددة حقوق الرجال على النساء، وحقوق النساء على الرجال، ومن ذلك ما أخرجه مسلم فى صحيحه عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فى خطبته فى حجة الوداع:
"اتقوا الله فى النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله. واستحللتم فروجهن بكلمة الله ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه. فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضرباً غير مبرح، ولهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف" .
وروى الشيخان عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يحل مرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه، ولا تأذن فى بيته إلا بإذنه" .
وأخرج أبو داود عن معاوية بن حيدة قال: "قلت يا رسول الله، ما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال: أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه، ولا تقبح، ولا تهجر إلا فى البيت" .
ولقد قام السلف الصالح بأداء هذه الحقوق على أحسن وجه فقد روى عن ابن عباس أنه قال: إنى لأحب أن أتزين لامرأتى كما تتزين لى لأن الله. تعالى - يقول: {وَلَهُنَّ مِثْلُ ٱلَّذِي عَلَيْهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ}.
أى: أن يحب أن يؤنسها وأن يدخل السرور على قلبها كما أنها هى تحب أن تفعل له ذلك.
ولكن لا يفهم أحد أن المراد بهذا المثلية المساواة من كل الوجوه قال - تعالى -: {وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} والرجال: جمع رجل. يقال: رجل بين الرجلة أى القوة. وهو أرجل الرجلين أى أقواهما. وفرس رجيل أى قوى على المشى. وارتجل الكلام أى قوى عليه من غير حاجة فيه إلى فكرة وروية، وترجل النهار أى قوى ضياؤه. فأصل كلمة الرجل مأخوذة من الرجولية بمعنى القوة.
والدرجة فى الأصل: ما يرتقى عليه من سلم ونحوه، والمراد بها هنا المزية والزيادة أى: لهن عليهم مثل الذى لهم عليهن، وللرجال على النساء مزية وزيادة فى الحق، بسبب حمايتهم لهن، وقيامهم بشئونهن ونفقتهن وغير ذلك من واجبات.
قال بعض العلماء: وإذا كانت الأسرة لا تتكون إلا من ازدواج هذين العنصرين - الرجل والمرأة - فلابد أن يشرف على تهذيب الأسرة ويقوم على تربية ناشئتها وتوزيع الحقوق والواجبات فيها أحد العنصرين. وقد نظر الإِسلام إلى هذا الأمر نظرة عادلة، فوجد أن الرجل أملك لزمام نفسه، وأقدر على ضبط حسه، ووجده الذى أقام البيت بماله وأن انهياره خراب عليه فجعل له الرياسة، ولذا قال - سبحانه -:
{ ٱلرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَآ أَنْفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ... } هذه هى الدرجة التى جعلها الإِسلام للرجل، وهى درجة تجعل له حقوقاً وتجعل عليه واجبات أكثر، فهى موائمة كل المواءمة لصدر الآية، فإذا كان للرجل فضل درجة فعلية فضل واجب".
وقوله: {وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} أى غالب فى انتقامه ممن عصاه، حكيم فى أمره وشرعه وسائر ما يكلف به عباده. فعلى الرجل والمرأة أن يطلبا عزهما فيما شرعه الله فهو الملجأ والمعاذ لكل ذى حق مهضوم، وعليهما كذلك أن يتمسكا بما كلفهما به، لأنه ما كلفهما إلا بما تقتضيه الحكمة، ويؤيده العقل السليم.
وبعد أن بين - سبحانه - فى هذه الآية شرعية الطلاق ومداه إذا طلق الرجل امرأته المدخول بها طلقة رجعية، ووضع المنهاج العادل الذى يجب أن يتبعه الرجال والنساء.. بعد أن بين ذلك أتبعه ببيان الحد الذى ينتهى عنده ما للرجل من حق المراجعة فقال - تعالى -: {ٱلطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ}.
قال الإِمام ابن كثير: هذه الآية رافعة لما كان عليه الأمر فى ابتداء الإِسلام: من أن الرجل كان أحق برجعة امرأته وإن طلقها مائة مرة ما دامت فى العدة، فلما كان هذا فيه ضرر على الزوجات، قصرهم الله - تعالى - على ثلاث طلقات، وأباح الرجعة فى المرة والثنتين، وأبانها بالكلية فى الثالثة فقال: الطلاق مرتان... الآية.
وروى ابن أبى حاتم عن هشام بن عروة عن أبيه أن رجلا قال لامرأته: لا أطلقك أبداً ولا آويك أبداً. قالت: وكيف ذلك؟ قال: أطلق حتى إذا دنا أجلك - أى قاربت عدتك أن تنتهى - راجعتك - فأتت المرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت له ذلك فأنزل الله - تعالى -: {ٱلطَّلاَقُ مَرَّتَانِ} - الآية.
والطلاق - كما يقول القرطبى - هو حل العصمة المنعقدة بين الأزواج بألفاظ مخصوصة. وآل فى قوله: {ٱلطَّلاَقُ مَرَّتَانِ} للعهد الذكرى.
أى: الطلاق الرجعى المشار إليه فى قوله - تعالى - : {وَٱلْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ} مرتان، وأمر المطلق بعد آحدى هاتين الطلقتين يدور بين حالتين إما إمساك بمعروف بمعنى أن يراجعها على نية الإِبقاء على العلاقة الزوجية، والمعاملة الحسنة وإما تسريح بإحسان بمعنى أن يتركها حتى تنتهى عدتها، ويطلق سراحها بدون ظلم أو إساءة إليها، كما قال - تعالى -:
{ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً } قال القرطبى: والتسريح: إرسال الشىء، ومنه تسريح الشعر ليخلص البعض من البعض، وسرح الماشية أرسلها..".
وعلى هذا التفسير يكون المراد بالطلاق فى الآية الطلاق الرجعى وبالمرتين حقيقة التثنية، ويكون وقت الإِمساك أو التسريح هو ما بعد الطلقة الأولى أو الثانية بصفة خاصة، وفى كل الأوقات بصفة عامة. وعلى هذا التفسير سار كثير من العلماء.
ويرى بعضهم أن المراد بالطلاق فى الطلاق الشرعى، وبالمرتين التكرار لا العدد، وأن المراد من التسريح بالإِحسان هو الطلقة الثالثة، أى بعد الطلقتين الأوليين يتروى فى الأمر فيمسك بالمعروف أو يطلق الطلقة الثالثة. وقد ذكر هذا الرأى صاحب الكشاف فقال:
{ٱلطَّلاَق} بمعنى التطليق كالسلام بمعنى التسليم، أى التطليق الشرعى تطليقة بعد تطليقة على التفريق دون الجمع والإِرسال دفعة واحدة، ولم يرد بالمرتين التثنية ولكن التكرير، كقوله "ثم ارجع البصر كرتين" أى كرة بعد كرة لا كرتين اثنتين، ونحو ذلك من التثانى التى يراد بها التكرير كقولهم: لببك وسعديك.. وقوله: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} تخيير لهم بعد أن علمهم كيف يطلقون بين أن يمسكوا النساء بحسن العشرة وبين أن يسرحوهن السراح الجميل الذى علمهم إياه.. وروى أن سائلا سأل النبى صلى الله عليه وسلم أرأيت قول الله - تعالى -: {ٱلطَّلاَقُ مَرَّتَانِ} فأين الثالثة، فقال صلى الله عليه وسلم
"التسريح بإحسان" .
والفاء فى قوله - تعالى -: {فَإِمْسَاكٌ...} للتفريع، وإمساك خبر لمبتدأ محذوف والتقدير: فالشأن أو فالأمر إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان.
قال الفخر الرازى: والحكمة فى إثبات حق الرجعة: أن الإِنسان ما دام يكون مع صاحبه لا يدرى أنه هل تشق عليه مفارقته أولا؟ فإذا فارقه فعتد ذلك يظهر، فلو جعل الله - تعالى - الطلقة الواحدة مانعة من الرجوع لعظمت المشقة على الإِنسان بتقدير أن يظهر المحبة بعد المفارقة، ثم لما كان كمال التجربة لا يحصل بالمرة الواحدة، فلا جرم أثبت - سبحانه - حق المراجعة بعد المفارقة مرتين، وعند ذلك يكون قد جرب الإِنسان نفسه فى تلك المفارقة مرتين وعرف حال قلبه فى ذلك الباب. فإن كان الأصلح إمساكها راجعها وأمسكها بالمعروف، وإن كان الأصلح له تسريحها سرحها على أحسن الوجوه، وهذا التدريج والترتيب يدل على كمال رحمته ورأفته بعباده".
هذا، ويرى بعض العلماء كابن تيمية وابن القيم أن الرجل إذا أوقع الطلاق دفعة واحدة، بأن قال لزوجته أنت طالق ثلاث مرات، فطلاقه لا يكون إلا طلقة واحدة، لأن اقتران الطلاق بكلمة ثلاثا لا يجعله ثلاث مرات بل هو مرة واحدة كمن يقول: أحلف بالله ثلاثاً فهو يمين واحدة.
ويرى الأئمة الأربعة أن طلاق هذا الرجل فى مثل هذه الصورة يقع ثلاثاً، لأنهم يرون أن الطلاق المقترن بالعدد لفظاً أو إشارة يكون ثلاثاً أو اثنين على حسب ما اقترن به. ولأن عمر - رضى الله عنه - أفتى بذلك. فقد أخرج مسلم وأبو داود والنسائى والحاكم عن ابن عباس قال: "كان الطلاق الثلاث على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى عهد أبى بكر، وسنتين من خلافة عمر واحدة، فقال عمر: إن الناس قد استعجلوا فى أمر لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم". فأمضاه.
وهذه المسألة مبسوطة بأدلتها فى كتب الفقه وبعض كتب التفسير.
ثم قال - تعالى -: {وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّآ آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاَّ أَن يَخَافَآ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا ٱفْتَدَتْ}.
قال الراغب: الخوف: توقع مكروه عن إمارة مظنونة أو معلومة، كما أن الرجاء والطمع توقع محبوب عن أمارة مظنونة أو معلومة. ويضاد الخوف الأمن..".
والجناح: الإِثم من جنح بمعنى مال عن القصد - وسمى الآثم به للميل فيه من الحق إلى الباطل -. يقال جنحت السفينة أى مالت إلى أحد جانبيها. والافتداء: تخليص النفس بمال يبذل لتخليصها ودفع الأذى عنها. وأصله من الفدى والفداء بمعنى حفظ الإِنسان نفسه عن الشدة بما يبذله من أجل ذلك.
والمعنى: ولا يجوز لكم أيها المطلقون أن تأخذوا من زوجاتكم فى مقابلة الطلاق شيئاً مما أعطيتموهن من صداق أو من غيره من أموال، لأن هذا الأخذ يكون من باب الظلم الذى نهى الله عنه، وليس من باب العدل الذى أمر الله به.
ثم استثنى - سبحانه - صورة يجوز فيها الأخذ فقال: {إِلاَّ أَن يَخَافَآ}. إلخ أى: لا يجوز لكم أن تأخذوا فى حالة من الأحوال إلا فى حالة أن يخاف الزوجان كلاهما أو أحدهما ألا يقيما حدود الله ففى هذه الحالة يجوز الأخذ وحدود الله هى ما أوجبه - سبحانه للرجل على زوجته. ولها عليه.
ثم خاطب - سبحانه - الحكام وجماعة المؤمنين المتوسطين للإِصلاح بين الزوجين فقال: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا} أى الزوجان {حُدُودَ ٱللَّهِ} التى حدها لهم وأمرهم باتباعها فى حياتهم الزوجية {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِ} أى: فلا إثم على الزوج فى أخذ ما أعطته له الزوجة من مال مقابل انفصالها عنه، ولا إثم عليها كذلك فى هذا الإعطاء، لأنهما ما داما قد وصلا إلى هذه الحالة من التنافر، وما دامت الزوجة قد أصبحت تفضل أن تعطيه من المال ما تفدى به نفسها من البقاء فى عصمته، ما داما قد أصبحا كذلك. فوقوع الفراق بينهما أولى وأجدى
{ وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ ٱللَّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ } قال صاحب الكشاف: فإن قلت: لمن الخطاب فى قوله: {وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ} إن قلت: إنه للأزواج لم يطابقه قوله: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ} وإن قلت إنه للأئمة والحكام فهؤلاء ليسوا بآخذين منهن ولا بمؤتيهن؟ قلت: يجوز الأمران جميعاً: أن يكون أول الخطاب للأزواج وآخره للأئمة والحكام، ونحو ذلك غير عزيز فى القرآن وغيره. ويجوز الخطاب كله للائمة والحكام، لأنهم الذين يأمرون بالأخذ والإِيتاء عند الترافع إليهم فكأنهم الآخذون والمؤتون".
والمراد بقوله: {مِمَّآ آتَيْتُمُوهُنَّ} أى من المهور وتخصيصها بالذكر وإن شاركها فى الحكم سائر أموالهن إما لرعاية العادة وإما للتنبيه على أنه إذا لم يحل لهم أن يأخذوا مما أعطوهن فى مقابلة البضع عند خروجه عن ملكهم فلأن لا يحل لهم أن يأخذوا مما لا تعلق له بالبضع أولى وأحرى.
وقوله: {شَيْئاً} مفعول به لتأخذوا. التنوين للتقليل أى: لا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً ولو كان المأخوذ شيئاً غاية فى القلة، لأن هذا الأخذ يجا فى الإِحسان الذى أمرتم به. وقريب من هذه الآية فى النهى عن الأخذ قوله - تعالى -:
{ وَإِنْ أَرَدْتُّمُ ٱسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً } وأن والفعل فى قوله {إِلاَّ أَن يَخَافَآ} فى موضع نصب على الحال أى إلا خائفين.
وقوله: {أَلاَّ يُقِيمَا} فى موضع نصب على المفعول به ليخافا والتقدير إلا أن يخافا ترك حدود الله.
وهذه الآية قد اعتبرها العلماء أصلا فى جواز الخلع.
قال ابن كثير: وقد ذكر ابن جرير: أن هذه الآية نزلت فى شأن ثابت بن قيس، ففى صحيح البخارى عن ابن عباس:
"أن امرأة ثابت بن قيس أتت النبى صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن زوجى ثابت بن قيس - ما أعيب عليه فى خلق ولا دين، ولكن أكره الكفر فى الإِسلام - أى أكره عدم الوفاء بحقه لبغضى له -. فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم أتردين عليه حديقته؟ - وهى المهر الذى أمهرها - قالت: نعم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لثابت: اقبل الحديقة وطلقها تطليقة" .
قالوا: ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما بطريق الخلع فكان أول خلع فى الإِسلام.
ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله: {تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ}.
أى: تلك الأحكام العظيمة الحكيمة المتقدمة التى بينتها لكم فى شأن الطلاق والرجعة والخلع وغير ذلك حدود الله التى حدها، فلا يجوز لكم أن تخالفوها، ومن يتعد هذه الحدود فأولئك هم الظالمون لأنفسهم بتعريضها لسخط الله وعقابه.
وكنت الإِشارة للبعيد {تِلْكَ} لبيان سمو قدر هذه الأحكام، وعظم منزلتها، وجلال ما فيها من مصالح واضحة لأصحاب العقول السليمة.
وسميت هذه الأحكام حدوداً للإِشارة إلى أنها فواصل بين الحق والباطل، والظلم والعدل والمنفعة والمضرة. إذ الحد هو الحاجز بين الشيئين الذى يمنع اختلاط أحدهما بالآخر. يقال: حددت كذا أى جعلت حداً يميزه. وحد الدار ما تتميز به عن غيرها.
وفى إضافة هذه الحدود إليه - سبحانه - إشعار بأن مخالفتها إنما هى مخالفة له - سبحانه - وأن هذه الحدود لا يتطرق إليها الريب لأنها صادرة من العليم الخبير الذى أحسن كل شىء خلقه.
والفاء فى قوله: {فَلاَ تَعْتَدُوهَا} للتفريع أى: إذا كانت هذه الأحكام حدود الله فلا يصح لكم أن تتجاوزوها لأن تجاوزها يؤدى إلى سوء العقبى.
وعبر فى قوله: {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ} بفاء السببية وباسم الإِشارة وبضمير الفصل وبالجملة الاسمية لتأكيد معنى السببية وللإِشارة إلى أن الظلم شأن من شئونهم وصفة يتميزون بها عن غيرهم.
وقد جاء - سبحانه - بكل هذه المؤكدات فى تلك الجملة الكريمة لكبح جماح غرور الإِنسان، وتحذيره من الانقياد لهواه وأوهامه، فكثيراً ما يتوهم بعض الناس أن أحكام الله ليست ملائمة لمتقضى الزمان الذى يعيشون فيه، ويحاولون إخضاع شرع الله - تعالى - لمصالحهم وشهواتهم، أو يتركون ما شرعه الله بتلك الحجة الواهية الساقطة. وأنت ترى هنا أن القرآن قال: {تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا...} بينما قال هناك فى ختام آية الصوم
{ تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا } وذلك لأن الكلام هنا فى شأن الأسرة وما يسودها أحياناً من خلافات، واصطدامات، واضطرابات.. والخشية هنا إنما هى من تعدى هذه الحدود التى حدها الله فى أى مرة من مرات هذا الخلاف.. فجاء التحذير من التعدى لا من المقاربة، بينما هناك كان الحديث عن محظورات مشتهاة مستلذة تريدها النفس لترضى شهوتى البطن والفرج، فجاء التحذير من مجرد الاقتراب من هذه الحدود التى حدها الله إتقاء لضعف الإِرادة أمام جاذبيتها.
فسبحان من هذا كلامه
{ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلاَفاً كَثِيراً } ثم بين - سبحانه - أحكام الطلاق المكمل للثلاث، بعد بيانه لأحكام الطلاق الرجعى وأحكام الخلع فقال - تعالى -: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ} .
أى: فإن طلق الرجل زوجته طلقة ثالثة بعد الطلقتين اللتين أباح الله له مراجعتها بعد كل منهما فى أثناء العدة، فإنه فى هذه الحالة تكون زوجته محرمة عليه، ولا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره نكاحاً شرعياً صحيحاً، بأن يدخل بها، ويباشرها مباشرة شرعية كما يباشر الأزواج زوجاتهم.
فالمراد بالنكاح فى قوله تعالى {حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ} الزواج بشخص آخر يدخل بها دخولا صحيحاً. ويؤيد هذا المعنى ويؤكده ما جاء فى الحديث المشهور الذى أخرجه البخارى وغيره
"عن عائشة - رضى الله عنها - قالت: جاءت امرأة رفاعة القرظى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن رفاعة طلقنى فبت طلاقى. وإنى نكحت بعده عبد الرحمن بن الزبير القرظى، وإن ما معه مثل الهدبة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لعلك تريدين أن ترجعى إلى رفاعة؟ لا حتى تذوقى عسيلته ويذوق عسيلتك" .
وواضح من ذوق العسيلة أن يدخل بها ويجامعها. وعلى هذا انعقد إجماع الفقهاء. ولم يلتفتوا إلى ما نسبه بعضهم إلى سعيد بن المسيب من أنه أجاز للمرأة أن تعود إلى زوجها الأول بعد عقد زواجها على الثانى دون أن يدخل بها. وحملوا هذا المنسوب إلى سعيد بن المسيب على أنه من شواذ الفتيا التى لا وزن لها لمخالفتها لنص حديث صحيح لعله لم يبلغه.
ثم قال - تعالى -: {فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَن يَتَرَاجَعَآ إِن ظَنَّآ أَن يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ} أى: فإن طلق الزوج الثانى تلك المرأة التى سبق طلاقها من الزوج الأول، فلا إثم عليها وعلى زوجها الأول فى أن يرجع كل منهما إلى صاحبه بعقد جديد بعد انقضاء العدة ما داما يغلب على ظنهما أنهما سيقيمان حدود الله، ويؤدى كل واحد منهما ما يجب عليه نحو صاحبه بأمانة وإخلاص.
وقوله: {أَن يَتَرَاجَعَآ} فى موضع جر بإضمار حرف الجر أى فى أن يتراجعا وقوله {أَن يُقِيمَا} فى موضع نصب على أنه سد مسد مفعولى ظن.
قال صاحب الكشاف: ولم يقل: إن علما أنهما يقيمان حدود الله لأن اليقين مغيب عنهما لا يعلمه إلا الله. ومن فسر الظن ها هنا بالعلم فقدوهم ولأن الإِنسان لم يعلم ما فى الغد وإنما يظن ظناً".
ثم ختم - سبحانه - هذه الآية بقوله: {وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}.
أى: وتلك الأحكام المذكورة عن الطلاق وعن غيره مما كلف الله به عباده يبينها ويوضحها بتلك الطرق الحكيمة لقوم يعلمون الحق، ويعملون بمقتضى علمهم.
وبهذا نرى أن الآية الكريمة قد بينت أنه لا يحل للمرأة التى طلقت من زوجها أن تعود إليه بعد الطلقة الثالثة إلا بعد أن تتزوج آخر زواجاً صحيحاً يدخل بها فيه ويجامعها ثم يطلقها وتنقضى عدتها منه.
ومن حكم هذا التشريع الحكيم ردع الأزواج عن الاستخفاف بحقوق زوجاتهم، وزجرهم عن التساهل فى إيقاع الطلاق، فإن الرجل الشريف الطبع، العزيز النفس إذا علم أن زوجته لن تحل له بعد الطلقة الثالثة إلا إذا افترشها شخص آخر توقف عن إيقاع الطلاق، وتباعد عن التسرع والاندفاع وحاول أن يصلح ما بينه وبين أهله بالمعالجة الحكيمة التى تتميز بسعة الصدر وضبط النفس.
هذا، وقد ساق الإِمام ابن كثير سبعة أحاديث فى النهى عن نكاح المحلل - وهو أن يعقد رجل على امرأة قد طلقت ثلاثاً من زوجها بقصد إحلالها لهذا الزوج لا بقصد الزواج الدائم ثم يدخل بها دخولا صورياً وليس شرعياً - ومن هذه الأحاديث ما رواه الإِمام أحمد والترمذى والنسائى عن عبد الله بن مسعود قال:
"لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المحلل والمحلل له، وآكل الربا وموكله" .
وعن عقبة بن عامر قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا أخبركم بالتيس المستعار؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: هو المحلل لعن الله المحلل والمحلل له" .
وعن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن نكاح المحلل فقال: "لا، إلا نكاح رغبة - لا نكاح دلسة أى لا نكاح غش وتدليس - ولا استهزاء بكتاب الله - ثم يذوق عسيلتها.." .
وجاء رجل إلى ابن عمر فسأله عن رجل طلق امرأته ثلاثاً فتزوجها أخ له من غير مؤامرة منه - أى من غير مشورة ورغبة منه - ليحلها لأخيه فهل تحل للأول؟ فقال: لا إلا نكاح رغبة. كنا نعد هذا سفاحاً على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم قال ابن كثير: والمقصود أن الزوج الثانى يكون راغباً فى المرأة قاصداً لدوام عشرتها كما هو المشروع من التزويج. واشترط الإِمام ملاك مع ذلك أن يطأها الثانى وطأ مباحاً فلو وطئها وهى محرمة أو صائمة أو معتكفة أو حائض.. لم تحل للأول بهذا الوطء والمراد بالعسيلة الجماع لما رواه الإِمام أحمد والنسائى عن عائشة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:
"ألا إن العسيلة الجماع" .
وبعد أن بين - سبحانه - فى الآية السابقة أن الزوج مخير بين الإِمساك والتسريح فى مدة العدة، عقب ذلك ببيان أن هذا التخيير من حقه حتى آخر وقت فى العدة، وذلك لتذكيره بأن الإِمساك أفضل من التسريح، وأن عليه ألا يلجأ إلى الطلاق إلا إذا سدت طرق الإِصلاح والمعالجة، وأنه إذا اختار الطلاق فعليه أن يسلك فيه طريق الحق والعدل لا طريق الباطل والجور.
قال - تعالى: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِّتَعْتَدُواْ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ}.
قال الراغب: الأجل: المدة المضروبة للشىء. قال - تعالى -
{ وَلِتَبْلُغُوۤاْ أَجَلاً مُّسَمًّى.. } - أى مدة معينة - والبلوغ والبلاغ الانتهاء إلى أقصى المقصد والمنتهى مكاناً كان أو زماناً أو أمراً من الأمور المقدرة، وربما يعبر به عن المشارفة عليه وإن لم يننه. فمن الانتهاء قوله - تعالى -: { وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً } ).. وأما قوله: {فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} فللمشارفة فإنها إذا انتهت إلى أقصى الأجل لا يصح للزوج مراجعتها وإمساكها".
والمراد بالأجل هنا عدة المرأة. وببلوغها قرب انتهائها.
والضرار - كما يقول الرازى - هو المضارة. قال - تعالى -:
{ وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مَسْجِداً ضِرَاراً } أى اتخذوا المسجد ضرراً ليضاروا المؤمنين، ومعناه يرجع إلى إثارة العداوة، وإزالة الألفة، وإيقاع الوحشة، وموجبات النفرة".
والمعنى: وإذا طلقتم - أيها المؤمنون - نساءكم طلاقاً رجعياً، {فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} أى فشارفت عدتهن على الانتهاء، وقاربت الانقضاء، فعليكم أن تتدبروا مليا فى أمركم، فإن رأيتم الأصلح فى بقائهن معكم فنفذوا ذلك وأمسكوهن بمعروف. أى بما هو المعروف من شرع الله الحكيم، وبما تقره الأخلاق الحسنة والعقول السليمة. وإن رأيتم أنه لا رغبة لكم فى البقاء معهن فسرحوهن بمعروف أى فأمضوا الطلاق، وتفارقوا بالطريقة التى يرضاها الحق - سبحانه - بأن تؤدوا لهن حقوقهن. ولا تذكروهن بسوء بعد انفصالكم عنهن، فهذا شأن الأتقياء الصالحين فقد سئل بعضهم، لم طلقت امرأتك؟ فقال: إن العاقل لا يذكر ما بينه وبين أهله.
قال القرطبى: معنى {بلغن} قاربن بإجماع من العلماء، ولأن المعنى يضطر إلى ذلك، لأنه بعد بلوغ الأجل لا خيار له فى الإِمساك، وهو فى الآية التى بعدها بمعنى الانتهاء، لأن المعنى يقتضى ذلك، فهو حقيقة فى الثانية، مجاز فى الأولى - أى التى معنا - ".
ثم نهى - سبحانه - عن الإِمساك الذى يكون معه الضرر فقال. {وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِّتَعْتَدُواْ} أى لا تراجعوهن إرادة الضرر بهن والإيذاء لهن لتعتدوا عليهن، والجملة الكريمة تأكيد للأمر بالإِمساك بمعروف، وتوضيح لمعناه، وزجر صريح عما كان يفعله يعضهم من مراجعته لامرأته قبل انتهاء عدتها لا لقصد الإِبقاء على الزوجية وإنما القصد إطالة عدة الزوجة، أو لقصد أن تفتدى نفسها منه بالمال: و{ضِرَاراً} منصوب على الحال فى تمسكوهن أو على أنه مفعول لأجله. واللام فى قوله: {لِّتَعْتَدُواْ} هى لام العاقبة أى لتكون عاقبة أمركم الاعتداء. وحذف متعلق "لتعتدوا" ليتناول الاعتداء عليهن وعلى أحكام الله - تعالى -.
وقوله: {وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} وعيد شديد لمن يقدم على ما نهى الله عنه. أى: ومن يراجع مطلقته بقصد الإِضرار بها والاعتداء عليها فقد ظلم نفسه ظلماً مؤكداً، لأنه سيعرضها لعقاب الله وسخط الناس.
وجعل ظلمهم لنسائهم ظلماً لأنفسهم، لأن عملهم هذا سيؤدى إلى اختلال المعاشرة الزوجية واضطرابها، وشيوع العداوة والبغضاء بين الزوجين وبين أهلهما. ثم كرر - سبحانه - تحذير المخالفين لشريعته، وذكرهم بألوان نعمه عليهم ليستجيبوا لأمره فقال: {وَلاَ تَتَّخِذُوۤاْ آيَاتِ ٱللَّهِ هُزُواً وَٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَآ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ ٱلْكِتَابِ وَٱلْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ}.
آيات الله: أحكامه التى شرعها فى شأن الطلاق وغيره.
والهزء - بضمتين - مصدر هزأ به إذا سخر ولعب وهو هنا مصدر بمعنى اسم المفعول أى: مهزوءاً بها. وقوله {هُزُواً} مفعول ثان لتتخذوا.
والمراد بالحكمة هنا. السنة النبوية المطهرة.
والموعظة والعظة: النصح والتذكير بالخير. بما يرقق القلوب، ويحذر النفوس مما نهى الله عنه.
أى: ولا تتخذوا - أيها الناس - آيات الله التى شرعها لكم فى شأن الطلاق وغيره مهزوءاً بها بأن تعرضوا عنها، وتتهاونوا فى المحافظة عليها، والتمسك بتعاليمها، ومن مظاهر ذلك أن بعض الناس كان يكثر من التلفظ بالطلاق متوهما أن ذلك لا يضر، أو كان يتخذ المراجعة وسيلة لإِيذاء المرأة.
قال القرطبى: وفى موطأ مالك أنه بلغه أن رجلا قال لابن عباس: "إنى طلقت امرأتى مائة مرة فماذا ترى على؟ فقال ابن عباس: طلقت منك بثلاث، وسبع وتسعون اتخذت بها آيات الله هزوا".
والجملة الكريمة نهى أريد به الأمر بضده، أى جدوا فى العمل بأوامر الله وآياته، وارعوها حق رعايتها.
وقوله: {وَٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ}. إلخ أى تذكروها فى هدايتكم إلى الإِسلام، وفى مشروعية الزوجية وفى غير ذلك مما لا يحصى من النعم وتدبروا نعم الله عليكم فقابلوها بالشكر، واستعملوها فيما خلقت له، وتذكروا كذلك ما أنزل الله عليكم بواسطة رسولكم محمد صلى الله عليه وسلم من الكتاب وهو القرآن الذى يهدى للتى هى أقوم، ومن الحكمة وهى السنة النبوية المطهرة، بما جاء فيهما من توجيهات سامية، وآداب عالية.
و "ما" فى قوله: {وَمَآ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ} موصولة والعائد محذوف أى ما أنزله و "من" فى قوله: {مِّنَ ٱلْكِتَابِ} بيانية، وجملة {يَعِظُكُمْ بِهِ} حال من فاعل أنزل أو من مفعوله، والضمير فى {به} يعود على الكتاب والحكمة بعد تأويلهما بالمذكور. وجعل ضميرها واحداً لأنهما فى مؤداهما وغايتهما شىء واحد، فالسنة ليست نابعة إلا من الكتاب ومنه أخذت قوتها وسلطانها.
وقوله - سبحانه -: فى ختام الآية {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شىء عَلِيمٌ} تذكير لهم بتقوى الله وخشيته ومراقبته، وتحذير لهم من مخالفة أمره.
أى: صونوا أنفسكم عن كل ما يغضب الله - تعالى - فيما يتعلق بأمور الزوجية وفى غيرها مما شرعه لكم، واعلموا أنه - سبحانه - عليم بكل شىء، عليم بما تسرونه وما تعلنونه، وسيحاسب كل إنسان بما قدمت يداه
{ يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَٱلأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ } ثم بين - سبحانه - ما ينبغى اتباعه عند حصول الطلاق وإمضائه حتى لا يقع ظلم أو جور فقال - تعالى -: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْاْ بَيْنَهُمْ بِٱلْمَعْرُوفِ}.
قال القرطبى: تعضلوهن معناه تحبسوهن، ودجاجة معضل أى: قد احتبس بيضها، وقيل: العضل التضييق والمنع وهو راجع إلى معنى الحبس. يقال: أعضل الأمر: إذا ضاقت عليك فيه الحيل. قال الأزهرى: وأصل العضل من قولهم: عضلت الناقة إذا نشب ولدها فلم يسهل خروجه. ويقال أعضل الأمر إذا اشتد، وداء عضال أى شديد عسر البرء أعيا الأطباء...".
والمعنى: وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن أى: انقضت عدتهن وخلت الموانع من زواجهن، فلا تمنعوهن من الزواج بمن يردن الزواج به، متى حصل التراضى بين الأزواج والزوجات على ما يحسن فى الدين، وتقره العقول السليمة، ويجرى به العرف الحسن.
والمراد ببلوغ الآجل هنا بلوغ أقصى العدة، بخلاف البلوغ فى الآية التى قبل هذه، فإن المراد به المشارفة والمقاربة كما أشرنا من قبل لأن المعنى يحتم ذلك، والخطاب هنا للأزواج وللأولياء ولكل من له تأثير على المرأة المطلقة، وذلك لأن منع الزوجة من الزواج بعد انقضاء عدتها قد يكون من جانب الزوج السابق، لا سيما إذا كان صاحب جاه وسلطان وسطوة، فإنه يعز عليه أن يتزوج مطلقته أحد بعده فيمنعها من الزواج.
وقد يكون المنع من جانب الأولياء، وقد أورد المفسرون آثاراً تشهد لذلك منها - كما يقول الآلوسى - ما أخرجه البخارى والترمذى والنسائى وابن ماجه وأبو داود من طرق شتى عن معقل بن يسار قال: كانت لى أخت فأتانى ابن عم لى فأنكحتها إياه، فكانت عنده ما كانت ثم طلقها تطليقة، ولم يراجعها حتى انقضت العدة، فهويها وهوته ثم خطبها مع الخطاب. فقلت له: أكرمتك بها وزوجتكها فطلقتها ثم جئت تخطبها، والله لا ترجع إليك أبداً، وكان رجلا لا بأس به، وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه، فعلم الله - تعالى - حاجته إليها وحاجتها إلى بعلها فأنزل هذه الآية. ففى نزلت فكفرت عن يمينى وأنكحتها إياه..".
وعبر - سبحانه - عن الرجال الذين هم محل الرضا من النساء بالأزواج فقال {فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ} مع أن الزواج لم يتحقق بعد، للإِشارة إلى الحقيقة المقررة الثابتة، وهى أن من يقع اختيارها عليه، ولم يكن اقترانها به فيه ما يشينها أو يشين أسرتها، فمن الواجب ألا يمانع أحد فى إتمام هذا الزواج، بل على الجميع أن يقروه وينفذوه، لأن شريعة الله والفطرة الإِنسانية يقضيان بذلك.
وقوله: {أَن يَنكِحْنَ} تقديره: من أن ينكحن فهو فى محل جر عند الخليل والكسائى وفى محل نصب عند غيرهما، وقوله: {إِذَا تَرَاضَوْاْ} ظرف لأن ينكحن أو لقوله: {فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ}، وقوله: {بِٱلْمَعْرُوفِ} متعلق بمحذوف وقع حالا من فاعل تراضوا، أو هو نعت لمصدر محذوف أى تراضياً كائناً بالمعروف أو هو متعلق بتراضوا. أى تراضوا بما يحسن فى الدين والمروءة، وفيه إشعار بأن المنع من التزوج بغير كفء أو بما دون مهر المثل ليس من العضل المنهى عنه.
ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله {ذٰلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ ذٰلِكُمْ أَزْكَىٰ لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}.
أى: ذلك القول الحكيم، والتوجيه الكريم المشتمل على أفضل الأحكام وأسماها يوعظ به، ويستجيب له من كان منكم عميق الإِيمان بالله - تعالى - وبثوابه وبعقابه يوم القيامة. ذلكم الذى شرعه الله لكم - أيها المؤمنون - من ترك عضل النساء والإِضرار بهن وغير ذلك من الأحكام {أَزْكَىٰ لَكُمْ وَأَطْهَرُ} أى أعظم بركة ونفعاً، وأكثر تطهيراً من دنس الآثام، فإن المرأة إذا عوملت معاملة كريمة، ولم تظلم فى رغباتها المشروعة، التزمت فى سلوكها العفاف والخلق الشريف، أما إذا شعرت بالظلم والامتهان فإن هذا الشعور قد يدفعها إلى ارتكاب ما نهى الله عنه. والله تعالى يعلم ما فيه مصلحتكم ومنفعتكم، وأنتم لا تعلمون ذلك، فامتثلوا ما أمركم به واجتنبوا ما نهاكم عنه تفوزوا وتسعدوا.
والإِشارة بقوله: {ذٰلِكَ} إلى ما فصل من أحكام وما أمر به من أفعال والخطاب لكل من يصلح للخطاب من المكلفين.
وخصص الوعظ بالمؤمنين لأنهم هم الذين ينتفعون به، وترق معه قلوبهم وتخشع له نفوسهم.
وأتى - سبحانه - بضمير الجمع {ذٰلِكُمْ} بعد أن قال فى صدر الجملة {ذٰلِكَ} للإِشارة إلى أن حماية المرأة من الهوان ومنع التضييق عليها فى اختيار زوجها واجب على جميع المؤمنين، وأن فائدة ذلك ستعود عليهم جميعاً ما دام هذا الاختيار فى حدود الآداب التى جاء بها الإِسلام.
وقوله: {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} رد على كل معترض على تطبيق شريعة الله، أو متهاون فى ذلك بدعوى أنها ليست صالحة للظروف التى يعيش ذلك المعترض أو هذا المتهاون فيها، لأن شرع الله فيه النفع الدائم والمصلحة الحقيقية، والنتائج المرضية، لأنه شرع من يعلم كل شىء ولا يجهل شيئاً، ويعلم ما هو الأنفع والأصلح للناس فى كل زمان ومكان، ولم يشرع لهم - سبحانه - إلا ما فيه مصلحتهم ومنفعتهم، وما دام علم الله - تعالى - هو الكامل، وعلم الإِنسان علم قاصر، فعلينا أن نتبع شرع الله فى كل شئوننا، ولنقل لأولئك المعترضين أو المتهاونين: سيروا معنا فى طريق الحق فذلكم {أَزْكَىٰ لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}.
وبعد: فهذه خمس آيات قد تحدثت عن جملة من الأحكام التى تتعلق بالطلاق، وإذا كان الإِسلام قد شرع الطلاق عند الضرورة التى تحتمها مصلحة الزوجين، فإنه فى الوقت نفسه قد وضع كثيراً من التعاليم التى يؤدى اتباعها إلا الإِبقاء على الحياة الزوجية، وعلى قيامها على المودة والرحمة، ومن ذلك:
1 - أنه أرشد أتباعه إلى أفضل السبل لاختيار الزوج، بأن جعل أساس الاختيار الدين والتقوى والخلق القويم، لأنه متى كان كل من الزوجين متحلياً بالإِيمان والتقوى، استقرت الحياة الزوجية بينهما، وقامت على المودة والرحمة وحسن المعاشرة.
2 - أنه أمر كلا الزوجين بأن يبذل كل واحد منهما قصارى جهده فى أداء حق صاحبه، وإدخال السرور على نفسه، فإذا ما نجم خلاف بينهما فعليهما أن يعالجاه بالحكمة والعدل، وأن يجعلا الأناة والصبر رائدهما، فإن الحياة الزوجية بحكم استمرارها وتشابك مطالبها لا تخلو من اختلاف بين الزوجين.
3 - دعا الإِسلام إلى الإِصلاح ما بين الزوجين إن ابتدأت العلاقة تسير فى غير طريق المودة، فقال - تعالى -
{ وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَآ أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَٱلصُّلْحُ خَيْرٌ... } كما دعا أولى الأمر أن يتدخلوا للإِصلاح بين الزوجين عند نشوب الشقاق بينهما أو عند خوفه فقال - تعالى - { وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَٱبْعَثُواْ حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَآ إِن يُرِيدَآ إِصْلاَحاً يُوَفِّقِ ٱللَّهُ بَيْنَهُمَآ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً } 4 - نهى الإِسلام عن إيقاع الطلاق على الزوجة فى حال حيضها، أو فى حال طهر باشرها فيه، لأن المرأة فى هاتين الحالتين قد تكون على هيئة لا تجعل الرجل مشوقاً إليها...
وأباح له أن يوقع الطلاق فى طهر لم يجامعها فيه، لأن إيقاعه فى هذه الحالة يكون دليلا على استحكام النفرة بينهما.
5 - نهى الإِسلام عن الطلاق البات بالنسبة للمرأة المدخول بها، وأمر الزوج بأن يجعل طلاقه رجعياً، وأعطاه فرصة طويلة تقرب من ثلاثة أشهر ليراجع خلالها نفسه، فإن وجد الخير فى مراجعة زوجته راجعها بقصد الإِصلاح واستمرار الحياة الزوجية، وإن وجد الخير فى غير ذلك تركها حتى تنقضى عدتها وفارقها بالمعروف عملا بقوله - تعالى -: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ}.
6 - جعل الإِسلام الطلاق بيد الرجل، لأنه هو الذى وقعت عليه معظم أعباء الزواج، وهو الذى سيتحمل ما سيترتب على الطلاق من تكاليف، ولا شك أنه بمقتضى هذه التكاليف وبمقتضى حرصه على استقرار حياته، سيتأنَّى ويتروى فلا يوقع الطلاق إلا إذا كان مضطراً إلى ذلك.
كما أن الإِسلام أباح للمرأة أن تفتدى نفسها من زوجها، أو ترفع أمرها للقاضى ليفرق بينها وبينه إذا تيقنت من استحالة استمرار الحالة الزوجية بينهما لأى سبب من الأسباب. وفى هذه الحالة فللقاضى أن يفرق بينهما إذا رأى أن المصلحة تقتضى ذلك.
7 - أباح الإِسلام للرجل الذى طلق امرأته ثلاثاً أن يعود إليها من جديد، وذلك بعد طلاقها من رجل آخر يكون قد تزوجها زواجاً شرعياً وانقضت عدتها منه، وفى ذلك ما فيه من التأديب لهما، والتهذيب لسلوكهما.
8 - وردت أحاديث متعددة تنهى عن إيقاع الطلاق إلا عند الضرورة وتتوعد المرأة التى تطلب من زوجها أن يطلقها بدون سبب معقول بالعذاب الشديد، ومن ذلك ما رواه أبو داود والترمذى عن ثوبان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
"أيما امرأة سألت زوجها طلاقها من غير ما بأس - أى من غير عذر شرعى أو سبب قوى - فحرام عليها رائحة الجنة" . وروى أبو داود وغيره عن ابن عمر عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: "أبغض الحلال إلى الله الطلاق" .
هذه بعض التشريعات التى وضعها الإِسلام لصيانة الحياة الزوجية من التصدع والانهيار، ومنها نرى أن الإِسلام وإن كان قد شرع الطلاق، إلا أنه لا يدعو إليه إلا إذا كانت مصلحة الزوجين أو أحدهما تقتضيه وتستلزمه.
وبعد أن بين - سبحانه - حقوق الزوجين فى حالتى اجتماعهما واقترافهما، أردف ذلك ببيان حقوق الأطفال الذين يكونون ثمرة لهذا الزواج. فقال تعالى:
{وَٱلْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ...}.