التفاسير

< >
عرض

حَافِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَٰتِ وٱلصَّلَٰوةِ ٱلْوُسْطَىٰ وَقُومُواْ للَّهِ قَٰنِتِينَ
٢٣٨
فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً فَإِذَآ أَمِنتُمْ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ
٢٣٩
-البقرة

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

لعل السر فى توسط هاتين الآيتين بين آيات الأحكام التى تحدثت عن الطلاق، والعدة والرضاع والخطبة... إلخ، لعل السر فى ذلك أن هذه الأمور كثيراً ما تكون مثار تنازع وتخاصم وتقاطع بين الناس، فأراد القرآن بطريقته الحكيمة، وبأسلوبه المؤثر أن يقول للناس: إن محافظتكم على الصلاة، ومداومتكم على طاعة الله وذكره كل ذلك سيعرض فى نفوسكم المراقبة له - سبحانه -، والخشية من عقابه، وسيعينكم على أن تحلوا قضاياكم التى تتعلق بالطلاق وغيره بالعدل والإِحسان والتسامح والتعاطف، لأن من حافظ على فرائض الله وأومره، انصرفت نفسه عن ظلم الناس، وعاملهم معاملة كريمة حسنة. وقد بين القرآن فى كثير من آياته أن المحافظة على الصلاة بخشوع وخضوع لله - تعالى - وأن المداومة على ذكره، والملازمة لطاعته كل ذلك من شأنه أن يمنع الإِنسان من الوقوع فيما نهى الله عنه، قال - تعالى -: { ٱتْلُ مَا أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ إِنَّ ٱلصَّلاَةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ } وقال - تعالى -: { وَٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى ٱلْخَاشِعِينَ } وقال - تعالى -: { وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ ٱلْلَّيْلِ إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَاتِ ذٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ } فكأن الله - تعالى - يقول للناس: لقد أمرتكم بالمحافظة على الصلاة، وبالمداومة على طاعتى وذكرى خلال حديثى عن أحكام كثيراً ما تكون هذه الأحكام مثار تنازع بينكم، وذلك لكى تحلوا التسامح والتواصل والتقارب محل التشاحن والتدابر والتجافى، لأن من شأن المحافظة على هذه العبادات، أن تهدى الناس إلى أكمل الأخلاق والصفات.
فسبحان من هذا كلامه، ومن تلك إرشاداته وتوجيهاته، ووصاياه.
وقوله - تعالى -: {حَافِظُوا} من الحفظ بمعنى ضبط الشىء، وصيانته عن كل تضييع، وهو خلاف النسيان. والخطاب لجميع المكلفين من أفراد الأمة.
والمعنى: حافظوا على معشر المسلمين والمسلمات على أداء الصلوات فى أوقاتها بخشوع وخضوع وإخلاص لله رب العالمين، وحافظوا بصفة خاصة على الصلاة الوسطى، لما لها من منزلة سامية، ومكانة عالية.
فقد أمر الله - تعالى عباده بالمحافظة على الصلوات بصفة عامة، وأفرد الصلاة الوسطى بالذكر تفخيماً لشأنها، وإعلاء لقدرها من بين أفراد جنسها. والمسلم يكون محافظاً على الصلاة إذا أداها فى وقتها مستوفية لآدابها وسننها وشرائعها وخشوعها وكل ما يتعلق بها، أما إذا قصر فى شىء من ذلك فإنه لا يكون محافظاً عليها تلك المحافظة التامة التى أمر الله بها.
وفى قوله - تعالى -: {حَافِظُوا} تنبيه إلى أن الصلاة فى ذاتها شىء نفيس ثمين تجب المحافظة عليه، لأن هذه الكلمة تدل على الصيانة والضبط بجانب دلالتها على الأداء والإِقامة والمداومة.
قال الإِمام الرازى: وقوله: {حَافِظُوا} بصيغة المفاعلة التى تكون بين اثنين. للدلالة على أن هذه المحافظة تكون بين العبد والرب. فكأنه قيل: احفظ الصلاة ليحفظك الإِله الذى أمرك بها. وهذا كقوله:
{ فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ } وفى الحديث "احفظ الله يحفظك" أو أن تكون المحافظة بين المصلى والصلاة. فكأنه قيل: "احفظ الصلاة حتى تحفظك الصلاة بمعنى أنها تحفظك من ارتكاب المعاصى، وتشفع لمصليها يوم القيامة".
وللعلماء أقوال فى المراد بالصلاة الوسطى التى أفردها الله - تعالى - من بين الصلوات.
فجمهور العلماء يرون أنها واحدة من بين الصلوات الخمس المفروضة، وأن الوسطى مؤنث الأوسط أى الشىء المتوسط بين شيئين، فالصلاة الوسطى هى الصلاة المتوسطة بين صلاتين، إلا أنهم اختلفوا فى تعيينها.
فأكثر العلماء على أن الصلاة الوسطى هى صلاة العصر، لأنها تقع فى وسط الصلوات الخمس، إذ قبلها اثنتان وبعدها اثنتان، ولأنها وسط بين صلاتى النهار، وصلاتى الليل، فمعنى التوسط فيها واضح، ولأنها مظنة التقصير لمجيئها بعد وقت الظهيرة الذى يكون فى الغالب وقت كسل.
وفضلا عن ذلك فقد صرحت بعض الأحاديث بأنها صلاة العصر، وقد ساق الإِمام ابن كثير عدداً من هذه الأحاديث ومنها ما جاء فى صحيح مسلم ومسند الإِمام أحمد عن على بن أبى طالب قال:
"قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب: شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله قلوبهم وبيوتهم ناراً، ثم صلاها بين العشاءين المغرب والعشاء" ، وفى مسند الإِمام أحمد عن سمرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الصلاة الوسطى صلاة العصر" .
وقد خصت صلاة العصر بمزيد من التأكيد، وبالأمر بالمحافظة عليها، وبالتحذير من التقصير فيها، مما يشهد بأنها هى الصلاة الوسطى، فقد روى البخارى ومسلم عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الذى تفوته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله" أى: سلب من أهله وماله فبقى وحيداً بدونهما.
وقال بعضهم المراد بالصلاة الوسطى صلاة الصبح، وقيل صلاة الظهر، وقيل صلاة المغرب، وقيل العشاء، وقيل الجمعة، وقيل غير ذلك من الأقوال التى لا تبلغ فى قوتها مبلغ قول القائلين بأنها صلاة العصر، ولذا قال ابن كثير وكل هذه الأقوال فيها ضعف بالنسبة إلى التى قبلها، ومعترك النزاع فى الصبح والعصر، وقد أثبتت السنة أنها العصر فتعين المصير إليها - أى إلى أن المراد بالصلاة الوسطى صلاة العصر.
ومن العلماء من اتجه فى بيان المراد من الصلاة الوسطى اتجاهاً آخر فهو يرى أن المراد بالصلاة الوسطى الصلوات كلها، وأن الوسطى ليست بمعنى المتوسطة بين صلاتين، وإنما هى بمعنى الفضل لأن وسط الشىء خياره وأعدله وأفضله فالمقصود بها فعلها أو أداؤها بطريقة سليمة كاملة. والمعنى على هذا الرأى: حافظوا يا معشر المسلمين على الصلوات كلها، وحافظوا على أن يكون أداؤكم لها بطريقة وسطى أى فاضلة بأن تأدوها فى أوقاتها كاملة الأركان والسنن والآداب والخشوع.
قال ابن كثير: "وقيل بل الصلاة الوسطى مجموع الصلوات الخمس رواه ابن أبى حاتم عن ابن عمر وفى صحته نظر. والعجب أن هذا القول قد اختاره الشيخ أبو عمر بن عبد البر إمام ما وراء البحر، وإنها لإِحدى الكبر، إذ اختار مع إطلاعه وحفظه ما لم يقم عليه دليل من كتاب ولا سنة ولا أثر".
ومن العلماء المحدثين الذين استحسنوا هذا الرأى الشيخ محمد عبده -رحمه الله - فقد قال: "ولولا أنهم اتفقوا على أنها - أى الصلاة الوسطى - إحدى الخمس لكان يتبادر إلى فهمى من قوله: "الصلاة الوسطى" أن المراد بالصلاة الفعل وبالوسطى الفضلى أى: حافظوا على أنواع الصلاة وهى الصلاة التى يحضر فيها القلب وتتوجه بها النفس إلى الله - تعالى - وتخشع لذكره، وتدبر كلامه لا صلاة المرائين ولا الغافلين".
والذى نراه أن ما عليه الجمهور من أن الصلاة الوسطى هى واحدة من بين الصلوات الخمس، وأنها صلاة العصر هو أقوى الآراء، لأنه - أولا - يتفق مع أصحاب الاتجاه الثانى الذين يقولون بأن أداء الصلاة يجب أن يكون بطريقة تامة الأركان والسنن والخشوع وما قال أحد منهم بأن تحديدها بصلاة العصر ينفى أداء بقية الفرائض بكمال واطمئنان. ولأنه - ثانياً - قد امتاز عن رأى أصحاب الاتجاه الثانى بأنه أعمل النص الصحيح الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن الصلاة الوسطى هى صلاة العصر، ولا شك أن إعمال النص أولى من إهماله أو من تأويله تأويلا ضعيفاً.
وقوله: {وَقُومُواْ للَّهِ قَانِتِينَ} مؤكدا لما قبله من المحافظة والمداومة على أداء الصلاة.
والقنوت: لزوم الطاعة مع الخضوع والخشوع. أى قوموا فى الصلاة مطيعين لله - تعالى - مؤيدين لها على وجهها الكامل فى خشوع وخضوع واطمئنان.
والفاء فى قوله: {فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً} للتفريع أى: حافظوا على الصلاة فى كل وقت، وأدوها بخشوع واطمئنان، فإن كان بكم خوف من عدو فى حال المقاتلة فى الحرب أو من غيره لسبب من الأسباب، فصلوا راجلين أى ماشين على الأقدام، أو راكبين على ركائبكم بإيماء، سواء وليتم وجوهكم شطر القبلة أولا.
و (رجالا) جمع راجل. وهو القوى على المشى برجليه. يقال: رَجل الإِنسان يرجل رجلا إذا لم يحد ما يركبه ومشى على قدميه، والركبان جمع راكب للجمل أو الفرس أو غيرهما.
وجواب الشرط محذوف والتقدير: فإن خفتم فصلوا راجلين أو راكبين، وهذان اللفظان أى - رجالا أو ركباناً - حالان من الضمير فى "فصلوا" المحذوف.
والآية الكريمة تدل على شدة عناية الإِسلام بشأن الصلاة، فقد أمر الله - تعالى - عباده بأن يحافظوا عليها فى حالتى الأمن والخوف، والصحة والمرض، والسفر والإِقامة.
وقد بسط هذا المعنى الأستاذ الإِمام محمد عبده فقال ما ملخصه: وقوله - تعالى -: {فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً} هذا تأكيد للمحافظة على الصلاة، وبيان أنها لا تسقط بحال، لأن حال الخوف على النفس أو العرض أو المال هو مظنة العذر فى الترك كما يكون السفر عذراً فى ترك الصيام.. والسبب فى عدم سقوط الصلاة عن المكلف بحال أنها عمل قلبى، وإنما فرضت تلك الأعمال الظاهرة لأنها مساعدة على العمل القلبى المقصود بالذات، وهو تذكر سلطان الله - تعالى - المستولى علينا وعلى العالم كله، ومن شأن الإِنسان إذا أراد عملا قلبياً يجتمع فيه الذكر أن يستعين على ذلك ببعض ما ينسابه من قول وعمل.
ولا ريب أن هذه الهيأة التى اختارها الله - تعالى - للصلاة هى أفضل معين على استحضار سلطانه فإن قولك "الله أكبر" فى فاتحة الصلاة وعند الانتقال فيها من عمل إلى عمل يعطيك من الشعور يكون الله أكبر وأعظم من كل شىء ما يغمر روحك، ويستولى على إرادتك.. وكذلك الشأن فى سائر أعمال الصلاة.
فإذا تعذر عليك الإِتيان ببعض تلك الأعمال البدنية؛ فإن ذلك لا يسقط عنك هذه العبادة القلبية التى هى روح الصلاة وغيرها، وهى الإِقبال على الله - تعالى - واستحضار سلطانه، مع الإِشارة إلى تلك الأعمال بقدر الإِمكان الذى لا يمنع من مدافعه الخوف الطارئ من سبع مفترس، أو عدو مغتال، أو لص محتال.. فالآية تعلمنا أنه يجب أن لا يذهلنا عن الله شىء فى حال من الأحوال..".
وقال الإِمام ابن العربى: قوله - تعالى - {فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً} أمر الله - تعالى - بالمحافظة على الصلاة فى كل حال من صحة ومرض، وحضر وسفر، وقدرة وعجز، وخوف وأمن، لا تسقط عن المكلف بحال، ولا يتطرق إلى فرضيتها اختلال. وقد قال صلى الله عليه وسلم:
"صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب" .
والمقصود من ذلك أن تفعل الصلاة كيفما أمكن، لا تسقط بحال حتى لو لم يتفق فعلها إلا بالإِشارة بالعين للزم فعلها كذلك إذا لم يقدر على حركة سائر الجوارح، وبهذا المعنى تميزت عن سائر العبادات، فإن العبادات كلها تسقط بالأعذار، ولذلك قال علماؤنا: إن تارك الصلاة يقتل، لأنها أشبهت الإِيمان الذى لا يسقط بحال، ولا تجوز النيابة فيها ببدن ولا مال".
ثم قال - تعالى -: {فَإِذَآ أَمِنتُمْ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ} أى فإذا زال خوفكم وصرتم آمنين مطمئنين، {فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ} أى فأدوا الصلاة تامة كاملة مثل ما علمكم إياها ربكم على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم وقد من الله - تعالى - عليكم بهذا التعليم الذى كنتم تجهلونه فضلا منه وكرماً.
وعبر - سبحانه - "بإن" المفيدة للشك فى حالة الخوف، وبإذا المفيدة للتحقيق فى حالة الأمن، للإِشعار بأن حالة الأمن هى الحالة الكثيرة الثابتة، وأن حالة الخوف هى الحالة القليلة الطارئة، وفى ذلك فضل جزيل من الله - تعالى - على عباده يحملهم على شكره وطاعته، حيث وهبهم الأمان والاطمئنان فى أغلب أوقات حياتهم.
وبذلك نرى أن هاتين الآيتين الكريمتين قد أمرتا المسلم بأن يحافظ على الصلاة محافظة تامة، إذ فى هذه المحافظة سعادة للإِنسان، ودافع له على أداء الحقوق لأربابها، وزاجر له عن اقتراف ما نهى الله عنه.
ثم ختم السورة الكريمة حديثها عن أحكام الزواج وما يتعلق به من طلاق ووصية وعدة وغير ذلك من أحكام بقوله - تعالى -:
{وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً...لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}.