التفاسير

< >
عرض

لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلاَّ ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ ٱللَّهِ وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ
٢٧٢
لِلْفُقَرَآءِ ٱلَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي ٱلأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ ٱلْجَاهِلُ أَغْنِيَآءَ مِنَ ٱلتَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ ٱلنَّاسَ إِلْحَافاً وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ
٢٧٣
ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ
٢٧٤
-البقرة

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

قال القرطبى ما ملخصه: قوله - تعالى -: {لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ} هذا الكلام متصل بذكر الصدقات، فكأنه بين فيه جواز الصدقة على المشركين. روى سعيد بن جبير مرسلا عن النبى صلى الله عليه وسلم فى سبب نزول هذه الآية أن المسلمين كانوا يتصدقون على فقراء أهل الذمة، فلما كثر فقراء المسلمين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا تتصدقوا إلا على أهل دينكم" . فنزلت هذه الآية مبيحة للصدقة على من ليس من دين الإِسلام. وروى عن ابن عباس أنه قال: كان ناس من الأنصار لهم قرابات من بنى قريظة والنضير كانوا لا يتصدقون عليهم رغبة منهم فى أن يسلموا إذا احتاجوا فنزلت الآية بسبب أولئك. ثم قال: قال علماؤنا: هذه الصدقة التى أبيحت لهم حسب ما تضمنته هذه الآثار هى صدقة التطوع، وأما المفروضة فلا يجزئ دفعها لكافر، لقوله صلى الله عليه وسلم، "أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها فى فقرائكم" .
والمعنى: ليس عليك يا محمد هداية من خالفك فى دينك. ولكن الله - تعالى - يهدى من يشاء هداينه إلى نور الإِيمان، وطريق الحق. وما دام الأمر كذلك فعليك وعلى أتباعك أن تعاملوا غيركم بما يوجبه عليكم إيمانكم من سماحة فى الخلق، وعطف على المحتاجين حتى ولو كانوا من المخالفين لكم فى الدين.
وعلى هذا المعنى الذى يؤيده سبب النزول يكون الضمير فى قوله: {هُدَاهُمْ} يعود على غير المسلمين.
ومن المفسرين من يرى أن الضمير فى قوله: {هُدَاهُمْ} يعود إلى المسلمين المخاطبين فى الآيات السابقة، فيكون المعنى: لا يجب عليك أيها الرسول الكريم أن تجعل المسلمين جميعاً مهديين إلى الإِتيان بما أمروا به ومنتهين عما نهوا عنه من ترك المن والأذى والرياء فى صدقتهم، ولكن الله وحده هو الذى يهدى من يشاء هدايته إلى الاستجابة لتوجيهات هذا الدين الحنيف.
قال الآلوسى: وعلى هذا الرأى تكون الجملة معترضة جىء بها على طريق تلوين الخطاب وتوجيهه إلى سيد المخاطبين صلى الله عليه وسلم مع الالتفات إلى الغيبة فيما بين الخطابات المتعلقة بأولئك المكلفين مبالغة فى حملهم على الامتثال.. ثم قال: "والذى يستدعيه سبب النزول رجوع ضمير {هُدَاهُمْ} إلى الكفار، وحينئذ لا التفات، وإنما هناك تلوين الخطاب فقط...".
ثم حض - سبحانه - المؤمنين على الإِنفاق فى وجوه الخير فقال: {وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأَنْفُسِكُمْ} أى: ما تقدمونه من مال فى وجوه البر - أيها المؤمنون - فإن نفعه سيعود عليكم بالسعادة فى الدنيا، وبالثواب الجزيل فى الآخرة، فكونوا أسخياء فى الإِحسان إلى الفقراء، وابتعدوا عن وسوسة الشيطان الذى
{ يَعِدُكُمُ ٱلْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِٱلْفَحْشَآءِ } و "ما" شرطية جازمة لتنفقوا، وهى منتصبة به على المفعوليه، و "من" للتبعيض وهى متعلقة بمحذوف وقع صفة لفعل الشرط والتقدير: أى شىء تنفقوا كائنا من المال فهو لأنفسكم لا ينتفع به فى الآخرة غيرها.
قال الفخر الرازى ما ملخصه: وقوله - تعالى -: {وَمَا تُنْفِقُونَ إِلاَّ ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ ٱللَّهِ} يحتمل وجوها.
الأول: أن يكون المعنى: ولستم فى صدقتكم على أقاربكم من المشركين تقصدون إلا وجه الله، فقد علم الله هذا من قلوبكم، فأنفقوا عليهم إذا كنتم إنما تبغون بذلك وجه الله فى صلة رحم وسد خلة مضطر، وليس عليكم اهتداؤهم حتى يمنعكم ذلك من الإِنفاق عليهم.
الثانى: أن هذا وإن كان ظاهره خبراً إلا أن معناه نهى أى: ولا تنفقوا إلا ابتغاء وجه الله.
الثالث: أن قوله: {وَمَا تُنْفِقُونَ} أى ولا تكونوا منفقين مستحقين الاسم الذى يفيد المدح حتى تبتغوا بذلك وجه الله. وفى ذكر الوجه تشريف عظيم لأنك إذا قلت: فعلت هذا الشىء لوجه زيد فهو أشرف فى الذكر من قولك: فعلته له لأن وجه الشىء أشرف ما فيه، ثم كثر حتى صار يعبر عن الشرف بهذا اللفظ، وأيضاً فإن قولك: فعلت هذا الفعل لوجهه يدل على أنك فعلت الفعل له فقط وليس لغيره فيه شركة.
ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله: {وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ} أى: أن ما تنفقونه من خير - أيها المؤمنون ستعود عليكم ثماره ومنافعه فى الدنيا والآخرة، أما فى الدنيا فإنكم بسبب هذا الانفاق تزكو أموالكم، وتحسن سيرتكم بين الناس، وأما فى الآخرة فإنكم تنالون من خالقكم ورازقكم أجزل الثواب، وأفضل الدرجات.
وقوله: {وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ} أى لا تنقصون شيئاً مما وعدكم الله به على نفقتكم فى سبيله.
قال الجمل. وهاتان الجملتان أى قوله - تعالى - {وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ} وقوله: {وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ} تأكيد للجملة الشرطية الأولى وهى قوله: {وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأَنْفُسِكُمْ}. وقوله: {وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ} جملة من مبتدأ وخبر فى محل نصب على الحال من الضمير فى {إِلَيْكُمْ} فالعامل فيها {يُوَفَّ} وهى تشبه الحال المؤكدة لأن معناها مفهوم من قوله: {يُوَفَّ إِلَيْكُمْ} لأنهم إذا وفقوا حقوقهم لم يظلموا. ويجوز أن تكون مستأنفة لا محل لها من الإِعراب أخبرهم فيها أنه لا يقع لهم ظلم فيندرج فيه توفية أجورهم بسبب إنفاقهم فى طاعة الله - تعالى - اندراجاً أولياً".
هذا، والذى يتدبر هذه الآية الكريمة يراها من أجمع الآيات التى وردت فى الحض على بذل المال فى وجوه الخير، فقدر كرر فيها فعل {تُنْفِقُواْ} ثلاث مرات لمزيد الاهتمام بمدلوله، وجىء به مرتين بصيغة الشرط عند قصد بيان الملازمة بين الإِنفاق والثواب، وجاءت كل جملة منها مستقلة ببعض الأحكام لكى يسهل حفظها وتأملها فتجرى على الألسنة مجرى الأمثال وتتناقلها الأمم والأجيال.
ثم بعد هذا التحريض الحكيم على بذل الأموال فى وجوه الخير، خص - سبحانه - بالذكر طائفة من المؤمنين هى أولى الناس بالعون والمساعدة، ووصف هذه الطائفة بست صفات من شأنها أن تحمل العقلاء على المسارعة فى اكرام أفرادها وسد حاجتهم.
استمع إلى القرآن الكريم وهو يصور حالة هذه الطائفة من المؤمنين تصويرا كريما نبيلا يستجيش المشاعر، ويحرك القلوب لمساعدة هذه الطائفة المتعفقة فيقول: {لِلْفُقَرَآءِ ٱلَّذِينَ أُحصِرُواْ فى سَبِيلِ ٱللَّهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً في ٱلأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ ٱلْجَاهِلُ أَغْنِيَآءَ مِنَ ٱلتَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ ٱلنَّاسَ إِلْحَافاً}.
لقد وصفهم الله - تعالى - أولا بالفقراء، أى الذين هم فى حاجة إلى العون والمساعدة لفقرهم واحتياجهم إلى ضرورات الحياة.
وقوله: {لِلْفُقَرَآء} متعلق بمحذوف يفهم من الكلام السابق والتقدير: اجعلوا نفقتكم وصدقتكم للفقراء لأن الكلام السابق موضوعه للإِنقاق فى سبيل الله، وما يتعلق بذلك من آداب وفوائد.
والجملة استئناف بيانى، فكأنهم لما أمروا بالصدقات سألوا لمن هى؟ فأجيبوا بأنها لهؤلاء الذين ذكرت الآية صفاتهم.
ومن فوائد الحذف هنا للمتعلق: تعليم المؤمنين الأدب فى عطائهم للفقراء بأن لا يصرحوا لهم بأن ما يعطونه إياهم هو صدقة حتى لا يشعروهم بالمذلة والضعف، وأيضاً ففى هذا الحذف لون من الإِيجاز البليغ الذى قل فيه اللفظ مع الوفاء بحق المعنى.
قال القرطبى: "والمراد بهؤلاء الفقراء، فقراء المهاجرين من قريش وغيرهم ثم تتناول الآية كل من دخل تحت صفتهم غابر الدهر. وإنما خص فقراء المهاجرين بالذكر، لأنه لم يكن هناك سواهم، وهم أهل الصفة" وكانوا نحو من أربعمائة رجل، وذلك أنهم كانوا يأتون فقراء وما لهم أهل ولأمال فبنيت لهم صفة فى المسجد النبوى بالمدينة فقيل لهم: "أهل الصفة".
أما الصفة الثانية من صفات هؤلاء الذين هم أولى الناس بالعون والمساعدة فهى قوله - تعالى -: {ٱلَّذِينَ أُحصِرُواْ فى سَبِيلِ ٱللَّهِ}.
والإِحصار فى اللغة هو أن يعرض للرجل ما يحول بينه وبين ما يريده بسبب مرض أو شيخوخة أو عدو أو ذهاب نفقة أو ما يجرى مجرى هذه الأشياء.
والمعنى: اجعلوا الكثير مما تنفقونه - أيها المؤمنون - لهؤلاء الفقراء الذين حصروا أنفسهم ووقفوها على الطاعات المتنوعة التى من أعظمها الجهاد فى سبيل الله، أو الذين منعوا من الكسب بسبب مرضهم أو شيخوختهم، أو غير ذلك من الأسباب التى جعلتهم فى حالة شديدة من الفاقة والاحتياج.
وعبر فى الجملة الكريمة "بأحصروا" بالبناء للمجهول، للإِشعار بأن فقرهم لم يكن بسبب تكاسلهم وإهمالهم فى مباشرة الأسباب، وإنما كان لأسباب خارجة عن إرادتهم.
وقوله: {فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} تكريم وتشريف لهم، أى أن ما نزل بهم من فقر واحتياج كان بسبب إيثارهم إعلاء كلمة الله على أى شىء آخر، ففى سبيل الله هاجروا، وفى سبيل الله تركوا أموالهم فصاروا فقراء، وفى سبيل الله وقفوا أنفسهم على الجهاد، وفى سبيل الله أصابهم ما أصابهم وهم يطلبون أداء ما كلفهم - سبحانه - بأدائه.
أما الصفة الثالثة من صفاتهم فقال فيها {لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فى ٱلأَرْضِ} والضرب فى الأرض هو السير فيها للتكسب والتجارة وغيرهما.
أى أنهم عاجزون عن السير فى الأرض لتحصيل رزقهم بسبب اشتغالهم بالجهاد، أو بسبب ضعفهم وقلة ذات يدهم.
والصفة الرابعة من صفاتهم هى قوله - تعالى -: {يَحْسَبُهُمُ ٱلْجَاهِلُ أَغْنِيَآءَ مِنَ ٱلتَّعَفُّفِ}.
والتعفف: ترك الشىء والتنزه عن طلبه، بقهر النفس والتغلب عليها. يقال عف عن الشىء يعف إذا كف عنه. والحسبان بمعنى الظن.
أى: يظنهم الجاهل بحالهم، أو الذى لا فراسة عنده، يظنهم أغنياء من أجل تجملهم وتعففهم عن السؤال، أما صاحب الفراسة الصادقة، والبصيرة النافذة؛ فإنه يرحمهم ويعطف عليهم لأنه يعرف ما لا يعرفه غيره.
و{مِنَ} فى قوله: {مِنَ ٱلتَّعَفُّفِ} للتعليل، أو لابتداء الغاية لأن التعفف مبدأ هذا الحسبان.
أما الصفة الخامسة من صفاتهم فهى قوله - تعالى -: {تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ} والسيما والسيماء: العلامة التى يعرف بها الشىء، وأصلها من الوسم بمعنى العلامه.
والمعنى: تعرف فقرهم وحاجتهم - أيها الرسول الكريم أو أيها المؤمن العاقل - بما ترى فى هيئتهم من آثار تشهد بقلة ذات يدهم.
قال الإِمام الرازى ما ملخصه: قال مجاهد: "سيماهم" التخشع والتواضع. أى - تعرفهم بتخشعهم وتواضعهم - وقال السدى: - تعرفهم بسيماهم - أى بأثر الجهد من الفقر والحاجة. وقال الضحاك: أى بصفرة ألوانهم ورثاثة ثيابهم.. ثم قال -رحمه الله -: وعندى أن كل ذلك فيه نظر والمراد شىء آخر هو أن لعباد الله المخلصين هيبة ووقعاً فى قلوب الخلق، وكل من رآهم تأثر منهم وتواضع لهم، وذلك له إدراكات روحانية، لا علامات جسمانية. ألا ترى أن الأسد إذا مر هابته سائر السباع بطباعها لا بالتجربة، لأن الظاهر أن تلك التجربة ما وقعت، والبازى إذا طار تهرب به منه الطيور الضعيفة وكل ذلك إدراكات روحانية لا جسمانية فكذا هنا...".
وقد ذكر - سبحانه - فى الجملة السابقة أن الجاهل بحالهم يظنهم أغنياء من أجل تعففهم عن السؤال، وذكر هنا أنهم يعرفون بسيماهم، وذلك للإِشعار بأن أنظار الناس تختلف باختلاف فراستهم ونفاذ بصيرتهم. فأصحاب الأنظار التى تأخذ الأمور بمظاهرها يظنونهم أغنياء، أما أصحاب البصيرة المستنيرة، والحس المرهف، والفراسة الصائبة، فإنهم يدركون ما عليه أولئك القوم من احتياج، بسبب ما منحهم الله من فكر صائب ونظر نافذ، وفى الحديث الشريف:
"اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله" .
أما الصفة السادسة من صفاتهم فهى قوله - تعالى -: {لاَ يَسْأَلُونَ ٱلنَّاسَ إِلْحَافاً} والإِلحاف - كما يقول صاحب الكشاف: هو الإِلحاح بأن لا يفارق - السائل المسئول - إلا بشىء يعطاه. من قولهم: لحفنى من فضل لحافه أى أعطانى من فضل ما عنده. ومعناه: أنهم إن سألوا سألوا بتلطف ولم يلحفوا. وقيل هو نفى للسؤال والإِلحاف".
والذى عليه المحققون من العلماء أن النفى منصب على السؤال وعلى الإِلحاف أى أنهم لا يسألون أصلا تعففاً منهم، لأنهم لو كانوا يسألون ما ظنهم الجاهل أغنياء من التعفف، ولو كانوا يسألون ما كانوا متعففين، ولو كانوا يسألون ما احتاج صاحب البصيرة النافذة إلى معرفة حالهم عن طريق التفرس فى سماتهم لأن سؤالهم كان يغنيه عن ذلك.
وإنما جاء النفى بهذه الطريقة التى يوهم ظاهرها أن النفى متجه إلى الإِلحاف وحده، للموازنة بينهم وبين غيرهم، فإن غيرهم إذا كان يسأل الناس إلحافاً فهم لا يسألون مطلقاً لا بإلحاف ولا بدونه، والنفى بهذه الطريقة فيه تعريض للمحلفين وثناء على المتعففين. ولذا قال بعضهم: وإذا علم أنهم لا يسألون البتة فقد علم أنهم لا يسألون الناس إلحافاً والمراد النبيه على سوء طريقة من يسأل الناس إلحافاً، ومثاله إذا حضر عندك رجلان أحدهما عاقل وقور قليل الكلام، والآخر طياش مهذار سفيه، فإذا أردت أن تمدح أحدهما وتعرض بذم الآخر قلت: فلان رجل عاقل وقور لا بخوض فى الترهات ولا يشرع فى السفاهات، ولم يكن غرضك من قولك لا يخوض فى الترهات وصفه بذلك لأن ما تقدم من الأوصاف الحسنة يغنى عن ذلك، بل غرضك التنبيه على مذمة الثانى. فالأمر هنا كذلك لأن قوله: {لاَ يَسْأَلُونَ ٱلنَّاسَ إِلْحَافاً} بعد قوله: {يَحْسَبُهُمُ ٱلْجَاهِلُ أَغْنِيَآءَ مِنَ ٱلتَّعَفُّفِ} الغرض منه بيان مباينة أحد الجنسين عن الآخر فى استيجاب المدح والتعظيم".
هذا وقد وردت أحاديث متعددة تمدح المتعففين عن السؤال، وتذم الملحفين فيه ومن ذلك ما جاء فى الصحيحين عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"ليس المسكين الذى ترده اللقمة واللقمتان ولا التمرة والتمرتان إنما المسكين الذى يتعفف. اقرؤوا إن شئتم: {لاَ يَسْأَلُونَ ٱلنَّاسَ إِلْحَافاً}" .
وروى مسلم فى صحيحه عن ابن عمر - رضى الله عنهما - أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: "لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله وليس فى وجهه مزعة لحم" .
وروى مسلم - أيضاً - فى صحيحه عن عوف بن مالك قال: كنا تسعة أو ثمانية أو سبعة عند رسول الله فقال: "ألا تبايعون رسول الله؟ فقلنا علام نبايعك؟ قال: أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً. والصلوات الخمس، وتطيعوا ولا تسألوا الناس. فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم فلا يسأل أحداً يناوله إياه" .
والخلاصة أن السؤال إنما يجوز عند الضرورة، وأنه لا يصح لمؤمن أن يسأل الناس وعنده ما يكفيه، لأن السؤال ذل يربأ بنفسه عنه كل من يحافظ على مروءته وكرامته وشرفه.
وقوله: {وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} تحريض للمؤمن على البذل والسخاء، وترقية لنفسه على الشعور بمراقبة الله - تعالى - وعلى محبة فعل الخير.
أى: وما تنفقوا من خير سواء أكان المنفق قليلا أم كثيراً سراً أم علناً فإن الله يعلمه وسيجازيكم عليه بأجزل الثواب، وأعظم العطاء.
ثم ختم - سبحانه - الحديث عن النفقة والمنفقين بقوله: {ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}.
وقوله: {ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً} استئناف المقصود منه مدح أولئك الذين يعممون صدقاتهم فى كل الأزمان وفى كل الأحوال فهم يتصدقون على المحتاجين فى الليل وفى النهار، فى الغدو وفى الآصال، فى السر وفى العلن، فى كل وقت وفى كل حال، لأنهم لقوة إيمانهم، وصفاء نفوسهم يحرصون كل الحرص على كل ما يرضى الله تعالى.
وقال بين الله - تعالى - فى ثلاث جمل حسن عاقبتهم، وعظيم ثوابهم فقال فى الجملة الأولى {فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ} أى فلهم أجرهم الجزيل عند خالقهم ومربيهم ورازقهم.
والجملة الكريمة خبر لقوله: {ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ...} ودخلت الفاء فى الخبر لأن الموصول فى معنى الشرط فتدخل الفاء فى خبره جوازاً، وللدلالة على سببية ما قبلها لما بعدها أى أن استحقاق الأجر متسبب عن الإِنفاق فى سبيل الله.
وقال فى الجملة الثانية {وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} أى: لا خوف عليهم من أى عذاب لأنهم فى مأمن من عذاب الله بسبب ما قدموا من عمل صالح.
وقال فى الجملة الثالثة: {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} أى لا يصيبهم ما يؤدى بهم إلى الحزن والهم والغم، لأنهم دائماً فى اطمئنان يدفع عنهم الهموم والأحزان وقد روى المفسرون فى سبب نزول هذه الآية روايات منها
"أن على بن أبى طالب كان يملك أربعة دراهم فتصدق بدرهم ليلا، وبدرهم نهاراً وبدرهم سراً، وبدرهم علانية فقال له النبى صلى الله عليه وسلم: ما حملك على ذلك؟ فقال أريد أن أكون أهلا لما وعدنى ربى. فقال صلى الله عليه وسلم: لك ذلك " فأنزل الله هذه الآية.
والحق أن هذه الرواية وغيرها لا تمنع عمومها، فهى تنطبق على كل من بذل ماله فى سبيل الله فى عموم الأوقات والأحوال.
أما بعد: فهذه أربع عشرة آية بدأت من قوله - تعالى -
{ مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فى سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ... } وانتهت بقوله - تعالى -: {ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ...}.
والذى يقرأ هذه الآيات الكريمة بتدبر وتعقل يراها قد حضت الناس على الإِنفاق فى سبيل الله بأبلغ الأساليب، وأحكم التوجيهات، وأفضل الوسائل، كما يراها بينت أحكام الصدقة وآدابها، والآفات التى تذهب بخيرها وضربت الأمثال لذلك، كما يراها قد بينت أنواعها، وطريقة أدائها، وأولى الناس بها ورسمت صورة كريمة للفقراء المتعففين، وكما بدأت الآيات حديثها بالثناء الجميل على المنفقين فقد ختمته أيضاً بالثناء عليهم وبالعاقبة الحسنى التى أعدها الله لهم.
ولو أن المسلمين أخذوا بتوجيهات هذه الآيات لعمتهم السعادة فى دنياهم، ولنالوا رضا الله ومثوبته فى أخراهم.
وبعد هذه الصورة المشرقة التى ساقها القرآن عن النفقة والمنفقين أتبعها بصورة مضادة لها وهى صورة الربا والمرابين. ومن مظاهر التضاد والتباين بين الصورتين أن الصدقة بذل للمال فى وجوه الخير بدون عوض ينتظره المتصدق، أما الربا فهو إخراج المال فى وجوه الاستغلال لحاجة المتحاج مع ضمان استرداده ومعه زيادة محرمة. وأن الصدقة نتيجتها ارخاء والنماء والطهارة للمال، وشيوع روح المحبة والتعامل والتكامل والاطمئنان بين أفراد المجتمع، أما الربا فنتيجته محق البركة من المال، وشيوع روح التقاطع والتحاسد والتباغض والخوف بين الناس. ولقد نفر القرآن الناس من تعاطى الربا تنفيراً شديداً وحذرهم من سوء عاقبته تحذيراً مؤكداً فقال - تعالى -:
{ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ ٱلرِّبَا لاَ يَقُومُونَ... كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ}.