التفاسير

< >
عرض

وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَٰقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِٱتِّخَاذِكُمُ ٱلْعِجْلَ فَتُوبُوۤاْ إِلَىٰ بَارِئِكُمْ فَٱقْتُلُوۤاْ أَنفُسَكُمْ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ
٥٤
-البقرة

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

المعنى: واذكروا يا بنى إسرائيل - لتنتفعوا وتعتبروا - وقت أن قال موسى لقومه الذين عبدوا العجل حين كان يناجى ربه بعيداً عنهم: يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم وهبطتم بها إلى الحضيض بعبادتكم غير الله - تعالى - فإذا أردتم التكفير عن خطاياكم. فتوبوا إلى ربكم توبة صادقة نصوحاً، واقتلوا أنفسكم لتنالوا عفو ربكم، فذلكم خير لكم عند خالقكم من الإِقامة على المعصية، ففعلتم ذلك فقبل الله توبتكم؛ لأنه هو الذى يقبل التوبة عن عباده على كثرة ما يصدر عنهم من ذنوب؛ لأنه هو الواسع الرحمة لمن ينيب إليه ويستقيم على صراطه الواضح.
وفى نداء موسى - عليه السلام - لهم بقوله: "يا قوم" تلطف فى الخطاب ليجذب قلوبهم إلى سماعه، وليحملهم على تلقى أوامره بحسن الطاعة، وليشعرهم بأنهم قومه فهو منهم وهم منه، والشأن فيمن كان كذلك ألا يكذب عليهم أو يخدعهم، وإنما يريد لهم الخير.
والبارئ هو الخالق للمخلوقات بدون تفاوت أو اضطراب، فهو أخص من الخالق، ولذا قال تعالى:
{ هُوَ ٱللَّهُ ٱلْخَالِقُ ٱلْبَارِىءُ ٱلْمُصَوِّرُ } وفى هذا التعبير الحكيم، تحريض لهم على التوبة والاستجابة للبارئ الذى أحسن كل شىء خلقه، وفيه أيضاً تقريع لهم على غباوتهم، حيث تركوا عبادة بديع السموات والأرض، وعبدوا عجلا ضرب به المثل فى الغباوة فقالوا "أبلد من ثور" فكأنه - سبحانه - يقول لهم: لقد اتخذتم هذا العجل إلهاً لتشابهكم معه فى البلادة وضيق الأفق.
قال صاحب الكشاف: "فإن قلت: من أين اختص هذا الموضع بذكر البارئ؟ قلت: البارئ هو الذى خلق الخلق بريئاً من التفاوت،
{ مَّا تَرَىٰ فى خَلْقِ ٱلرَّحْمَـٰنِ مِن تَفَاوُتٍ } ومتميزاً بعضه عن بعض بالأشكال المختلفة والصور المتباينة، فكان فيه تقريع بما كان منهم من ترك عبادة العالم الحكيم الذى برأهم بلطف حكمته على الأشكال المختلفة، أبرياء من التفاوت والتنافر إلى عبادة البقر التى هى مثل فى الغباوة والبلادة، حتى عرضوا أنفسهم لسخط الله ونزول أمره بأن يفك ما ركبه من خلقهم، ونثر ما نظم من صورهم وأشكالهم، حين لم يشكروا النعمة فى ذلك، وغمطوها بعبادة ما لا يقدر على شىء منها" هـ.
وقوله تعالى: {فَٱقْتُلُوۤاْ أَنفُسَكُمْ} أمر من موسى - عليه السلام - لهم بقتلهم أنفسهم حتى تكون توبتهم مقبولة، وهذا الأمر بلغه موسى إياهم عن ربه، إذ مثل هذا الأمر لا يصدر إلا عن وحى لأنه تشريع من الله - تعالى -.
والمراد بقتلهم أنفسهم أن يقتل من لم يعبد العجل منهم عابديه، فيكون المعنى: ليقتل بعضكم بعضاً، كما فى قوله تعالى:
{ فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً } أى فليسلم بعضكم على بعض.
وقيل: المراد أن يقتل كل من عبد العجل نفسه قتلا حقيقياً حتى يكفر عن ردته بعبادته لغير الله، وقد ورد أنهم فعلوا ذلك، وأن الله - تعالى - رفع عنهم القتل وعفا عمن بقى منهم على قيد الحياة كرما منه وفضلا، وهذا هو معنى التوبة فى قوله تعالى {فَتَابَ عَلَيْكُمْ}، ومعنى العفو فى قوله تعالى: فى الآية السابقة
{ ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } وقد ساق ابن كثير وغيره من المفسرين كثيراً من الآثار التى تحدثت عن كيفية حصول هذا القتل، من ذلك ما رواه سعيد بن جبير عن ابن عياس، أنه قال: "قال تعالى لموسى: إن توبة عبدة العجل أن يقتل كل واحد منهم من لقى من والد وولد فيقتله بالسيف ولا يبالى من قتل فى ذلك الموطن فتاب أولئك الذين كانوا خفى على موسى وهارون، ما اطلع الله على ذنوبهم فاعترفوا بها. وفعلوا ما أمروا به، فغفر الله للقاتل والمقتول".
وأخرج ابن جرير عن ابن شهاب الزهرى أنه قال: "لما أمر بنو إسرائيل بقتل أنفسهم برزوا ومعهم موسى، فتضاربوا بالسيوف، وتطاعنوا بالخناجر وموسى رافع يديه، حتى إذا فتروا أتاه بعضهم، فقال له: يا نبى الله ادع الله لنا، وأخذوا بعضديه يشدون يديه. فلم يزل أمرهم على ذلك حتى إذا قبل الله توبتهم قبض أيدى بعضهم عن بعض، فألقوا السلاح، وحزن موسى وبنو إسرائيل للذى كان من القتل فيهم، فأوحى الله - جل ثناؤه - إلى موسى {لاَ تَحْزَنْ} أما من قتل فحى عندى يرزق، وأما من بقى، فقد قبلت توبته، فسر بذلك موسى وبنو إسرائيل".
وجملة {ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ} تعليلة، جىء بها لتحريضهم على الامتثال والطاعة لما أمرهم به نبيهم - عليه السلام - واسم الإِشارة {ذَلِكُمْ} يعود إلى التوبة والقتل المفهومين مما تقدم.
وقال {عِنْدَ بَارِئِكُمْ} ولم يقل عنده، لأن فى هذا التكرير حملا للمخاطبين على التفكير والتذكير والطاعة، وإشعاراً لهم بأن عبادة من برأهم وذرأهم وخلقهم فى أحسن تقويم، خير لهم فى دنياهم وأخراهم.
وجملة {فَتَابَ عَلَيْكُمْ} جواب لشرط محذوف للإِيجار، أى فامتثلتم ما أمرتم به، فقيل البارى توبتكم، وهى خطاب من الله - تعالى - لبنى إسرائيل على لسان موسى، فيه تذكير بنعمته، وإرشاد لهم إلى موطن المنة والفضل وهو قبول توبتهم.
وعطفت هذه الجملة {فَتَابَ عَلَيْكُمْ} بالفاء، لإِشعارهم بأنه - سبحانه - لم يتركهم ليستأصلوا أنفسهم جميعاً بالقتل، بل تداركهم بلطفه ورحمته، فقبل توبتهم، ورفع عقوبة القتل عمن بقى منهم.
وقوله تعالى: {إِنَّهُ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ} إخبار وثناء على الله - تعالى - بما هو أهله من عفو ورحمة. وأكدها - سبحانه - لتنزيلهم منزلة من يشك فى قبول توبته، لعظم جريمتهم وضخامة خطيئتهم وسيرهم إلى أمد بعيد فى طريق الشيطان.
وهذه الآية الكريمة قد تضمنت نعمة كبرى على بنى إسرائيل فإن الله - تعالى - لطف بهم، ورحمهم، وقبل توبتهم، وعفا عن قتلهم أنفسهم، بعد أن صدر منهم ما يدل على صدقهم فى توبتهم، كما تضمنت - أيضاً - تذكير بنى إسرائيل المعاصرين للعهد النبوى بنعم الله عليهم، لأنه لولا عفوه - سبحانه - عن آبائهم لما وجدوا هم، وفيها - كذلك - إشارة إلى سماحة الشريعة التى أتى بها محمد صلى الله عليه وسلم وإغراء لليهود المعاصرين له بالدخول فى الإِسلام لأنه إذا كان آباؤهم لم تقبل توبتهم إلا بقتلهم أنفسهم فإن شريعة الإِسلام تقول لهم: لقد جاءكم النبى الذى رفع عنكم إصركم والأغلال التى كانت على أسلافكم، فآمنوا به واتبعوه لعلكم ترحمون.
سابعاً: نعمة بعثهم من بعد موتهم:
ثم ذكرهم - سبحانه - بعد ذلك بنعمة جليلة، أسبغها الله عليهم رغم مطالبهم المتعنتة، وهذه النعمة تتجلى فى بعثهم من بعد موتهم، فقال تعالى:
{وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى...لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}.