التفاسير

< >
عرض

وَإِذْ قُلْتُمْ يَٰمُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ ٱلصَّٰعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ
٥٥
ثُمَّ بَعَثْنَٰكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
٥٦
-البقرة

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

جهرة: فى الأصل مصدر من قولك جهرت بالقراءة والدعاء واستعيرت للمعاينة لما بينهما من الاتحاد فى الوضوح والانكشاف، إلا أن الأول فى المسموعات والثانى فى المبصرات.
والصاعقة: - كما قال ابن جرير - "كل أمر هائل رآه الرائى أو عاينه أو أصابه، حتى يصير من هوله وعظيم شأنه إلى هلاك وعطب وذهاب عقل. صوتاً كان ذلك أو ناراً أو زلزلة أو رجفة، ومما يدل على أن الشخص قد يكون مصعوقاً وهو حى غير ميت، قوله - تعالى -:
{ وَخَرَّ موسَىٰ صَعِقاً } يعنى مغشياً عليه، فقد علم أن موسى لم يكن حين غشى عليه وصعق ميتاً، لأن الله أخبر عنه أنه لما أفاق قال: { سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ... } وأصل البعث فى اللغة: إثارة الشىء من محله، وتحريكه بعد سكون ومنه: بعث فلان الناقة: إذا أثارها من مبركها للسير، ويستعمل بمعنى الإِيقاظ، كما ورد فى قصة أهل الكهف { فَضَرَبْنَا عَلَىٰ آذَانِهِمْ فى ٱلْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً. ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ... } أى: أيقظناهم.
ويستعمل - أيضاً - بمعنى الإِحياء. وهو المراد فى الآية التى معنا، بدليل قوله تعالى: {مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ}.
ومعنى الآيتين الكريمتين: واذكروا يا بنى إسرائيل وقت أن تجاوزتم حدودكم، وتعنتم فى الطلب، فقلتم لنبيكم موسى بجفاء وغلظة: لن نؤمن لك، ولن نقر بما جئتنا به، حتى نرى الله عياتاً وعلانية، فيأمرنا بالإِيمان بك، وبما جئت به، فأخذتكم العقوبة التى صعقتكم - بسبب جهلكم وتطاولكم - وأنتم تشاهدونها بعيونكم، ثم مننا عليكم بلطفنا ورحمتنا فأحييناكم من بعد أن أخذتكم الصاعقة، لكى تشكروا الله على نعمه التى من جملتها إعادتكم إلى الحياة من بعد موتكم.
قال الإِمام ابن جرير: ذكرهم الله - تعالى - بذلك اختلاف آبائهم. وسوء استقامة أسلافهم مع أنبيائهم، مع كثرة معاينتهم من آيات الله وعبره ما تثلج بأقلها الصدور، وتطمئن بالتصديق معها النفوس، وذلك مع تتابع الحجج عليهم وسبوغ النعم من الله لديهم، وهم مع ذلك مرة يسألون نبيهم أن يجعل لهم إلهاً غير الله، ومرة يعبدون العجل من دون الله، ومرة يقولون: {لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً}. وأخرى يقولون له إذا دعوا إلى القتال:
{ فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاۤ إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ } ومرة يقال لهم: { قُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ } فيقولون حنطة فى شعيرة، ويدخلون الباب من قبل أستاهم، مع غير ذلك من أفعالهم القبيحة التى يكثر إحصاؤها، فأعلم الله - تعالى - الذين خاطبهم بهذه الآيات من يهود بنى إسرائيل الذين كانوا بين ظهرانى مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم لن يعدوا أن يكونوا فى تكذيبهم محمداً صلى الله عليه وسلم وجحودهم نبوته كآبائهم وأسلافهم، الذين فصل عليهم قصصهم فى ارتدادهم عن دينهم مرة بعد أخرى، وتمردهم على نبيه موسى - عليه السلام - تارة بعد أخرى مع ابتلاء الله لهم، وسبوغ آلائه عليهم.
والقائلون لموسى - عليه السلام -: {لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً} يرى جمهور المفسرين أنهم هم السبعون الذين اختارهم موسى للذهاب معه إلى ميقات ربه، وقد وردت آثار تؤيد هذا الرأى.
من ذلك ما أخرجه ابن جرير عن الربيع بن أنس فى قوله تعالى: {فَأَخَذَتْكُمُ ٱلصَّاعِقَةُ} أنه قال: هم السبعون الذين اختارهم موسى فساروا معه. وقالوا: اطلب لنا ربك لنسمع كلامه. قال: سمعوا كلاما، فقالوا: {لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً} قال: فسمعوا صوتاً فصعقوا يقول: ماتوا، فذلك قوله: {ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ} فبعثوا من بعد موتهم، لأن موتهم ذلك عقوبة لهم، فبعثوا لبقية آجالهم.
وقال ابن كثير: الذين قالوا لموسى:
{ أَرِنَا ٱللَّهَ جَهْرَةً } المراد بهم السبعون المختارون منهم ولم يحك كثير من المفسرين سواه.
وقيل: إن الذين طلبوا من موسى رؤية الله جهرة هم عامة بنى إسرائيل بدون تحديد لهؤلاء السبعين، فقد روى عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم أنه قال فى تفسير هذه الآية. "قال لهم موسى لما رجع من عند ربه بالألواح قد كتب فيها التوراة، فوجدهم يعبدون العجل. فأمرهم بقتل أنفسهم، ففعلوا، فتاب الله عليهم، فقال لهم موسى: (إن هذه الألواح فيها كتاب الله فيه أمركم الذى أمركم به، ونهيكم الذى نهاكم عنه، فقالوا: ومن يأخذ بقولك أنت؟ لا والله حتى نرى الله جهرة، حتى يطلع الله علينا فيقول: هذا كتابى فخذوه، فما له لا يكلمنا كما يكلمك أنت يا موسى؟! وقرأ قول الله تعالى: {لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً}؛ قال: فجاءت غضبة من الله - تعالى -، فجاءتهم صاعقة بعد التوبة. فصعقتهم فماتوا جميعاً. قال: ثم أحياهم الله من بعد موتهم، وقرأ قوله تعالى: {ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}. فقال لهم موسى: خذوا كتاب الله، فقالوا لا، فقال: أى شىء أصابكم؟ فقالوا: أصابنا أننا متنا ثم أحيينا. قال: خذوا كتاب الله، قالوا لا، فبعث الله ملائكة فنتفت الجبل فوقهم).
قال الإِمام ابن كثير: (وهذا السياق يدل على أنهم كلفوا بعدما أحيوا ثم قال: وقد حكى الماوردى فى ذلك قولين:
أحدهما: أنهم سقط التكليف لمعاينتهم الأمر جهرة حتى صاروا مضطرين إلى التصديق.
والثانى: أنهم مكلفون لئلا يخلو عاقل من تكليف.
وهذا هو الصحيح لأن معاينتهم للأمور الفظيعة لا تمنع تكليفهم، لأن بنى إسرائيل قد شاهدوا أموراً عظاما من خوارق العادات وهم مع ذلك مكلفون؛ وهذا واضح، والله أعلم).
وقال ابن جرير: "ولا خبر عندنا بصحة شىء مما قاله من ذكرنا قوله فى سبب قيلهم ذلك لموسى تقوم به حجة، فنسلم لهم، وجائز أن يكون ذلك بعض ما قالوه، فإذا كان لاخبر بذلك تقوم به حجة فالصواب من القول فيه أن يقال: إن الله - جل ثناؤه - قد أخبر عن قوم موسى أنهم قالوا له {يَامُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً} كما أخبر عنهم أنهم قالوه..."
وفى ندائهم لنبيهم باسمه "يا موسى" سوء أدب منهم معه، لأنه كان من الواجب عليهم، أن يقولوا له: يا رسول الله أو يا نبى الله، من الصفات التى تشعر بصفات التعظيم والتوقير، وقد تكررت مناداتهم باسمه مجرداً فى كثير من المواطن.
ومن أدب الصحابة مع الرسول صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا يقولون له: يا رسول الله، استجابة لأمر الله - تعالى - فى قوله:
{ لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَآءَ ٱلرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً } وقولهم: {لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً} دليل على تمردهم وعصيانهم، وقلة اكتراثهم بما أوتوا من نعم، وما شاهدوا من معجزات، إذ أنهم طلبوا منه أن يروا الله عياناً، فإن لم يروه داخلهم الشك فى صدق نبيهم.
وعبر عنهم القرآن الكريم بأنهم يريدون الرؤية (جهرة) لإِزالة احتمال أنهم يكتفون بالرؤية المنامية، أو العلم القلبى، فهم لا يعتقدون إلا بالرؤية الحسية، لغلظ قلوبهم، وجفاء طباعهم.
وقوله تعالى: {فَأَخَذَتْكُمُ ٱلصَّاعِقَةُ} إشارة إلى أن العقوبة قد فاجأتهم بعد وقت قصير من مطالبهم المتعنتة، لأن الفاء تفيد التعقيب.
وجملة {وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ} تفيد أن العقوبة نزلت عليهم وهم يشاهدونها وفى مشاهدتها رعب وخوف أخذ بمجامع قلوبهم، قبل أن يأخذ العذاب أجسادهم، وإن إصابتهم بهذه العقوبة كان فى حالة إساءتهم وتمردهم وطمعهم فى أن ينالوا ما ليس من حقهم.
والآية الكريمة تفيد أن بنى إسرائيل طلبوا من نبيهم رؤية الله جهرة فى الدنيا، وأنهم علقوا إيمانهم عليها، ولم يأبهوا للآيات الدالة على صدق. موسى - عليه السلام - فكان ذلك محض تعنت وعناد منهم، فأخذتهم الصاعقة عقوبة لهم على ذلك، وليس على مجرد سؤالهم رؤية الله - تعالى - ومن هنا يتبين أن الآية لا تدل على استحالة الرؤية كما يقول المعتزلة.
وجملة {ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ} هى محل النعمة والمنة، وهى معطوفة على قوله {فَأَخَذَتْكُمُ ٱلصَّاعِقَةُ} ودل العطف بثم على أن بين أخذ الصاعقة والبعث زماناً نتصور فيه المهلة والتأخير.
والمراد ببعثهم: إحياؤهم من بعد موتهم، وهو معجزة لموسى - عليه السلام - استجابة لدعائه.
وقد اشتملت الآيتان الكريمتان على تحذير اليهود المعاصرين للعهد النبوى، من محاربة الدعوة الإِسلامية، حتى لا يصابوا بما أصيب به أسلافهم من الصواعق وغيرها؛ وفيهما أيضاً تسلية للنبى صلى الله عليه وسلم عما لاقاه من اليهود، لأن ما فعلوه معه قد فعل ما يشبهه آباؤهم مع أنبيائهم، وفيها كذلك لون جديد من نعم الله عليهم ما أجدرهم بشكرها لو كانوا يعقلون.
ثامناً: نعمة تظليلهم بالغمام وإنزال المن والسلوى عليهم:
ثم عطف - سبحانه - على نعمة بعثهم من بعد موتهم نعمة أخرى بل نعمتين، وهما تظليلهم بالغمام ومنحهم المن والسلوى، فقال تعالى:
{وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ...}.