التفاسير

< >
عرض

لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ
١٠
وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْماً آخَرِينَ
١١
فَلَمَّآ أَحَسُّواْ بَأْسَنَآ إِذَا هُمْ مِّنْهَا يَرْكُضُونَ
١٢
لاَ تَرْكُضُواْ وَٱرْجِعُوۤاْ إِلَىٰ مَآ أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ
١٣
قَالُواْ يٰوَيْلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ
١٤
فَمَا زَالَت تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّىٰ جَعَلْنَاهُمْ حَصِيداً خَامِدِينَ
١٥
-الأنبياء

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

قال الآلوسى: "قوله - تعالى -: {لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَاباً..} كلام مستأنف لتحقيق حقية القرآن العظيم، الذى ذكر فى صدر السورة إعراض الناس عما يأتيهم من آياته، واستهزاؤهم به، واضطرابهم فى أمره، وبيان علو مرتبته، إثر تحقيق رسالته - صلى الله عليه وسلم -، ببيان أنه كسائر الرسل الكرام، وقد صدر الكلام بالتوكيد القسمى، إظهاراً لمزيد الاعتناء بمضمونه وإيذانا، بأن المخاطبين فى أقصى مراتب النكير، والخطاب لقريش، وجوز أن يكون لجميع العرب.".
والمعنى: لقد أنزلنا إليكم ما معشر العرب عن طريق رسولنا محمد - صلى الله عليه وسلم - كتابا عظيم الشأن، نير البرهان، مشتملا على ما يسعدكم، وهذا الكتاب {فِيهِ ذِكْرُكُمْ} أى: فيه شرفكم، وعلو منزلتكم، وحسن موعظتكم، وشفاء صدوركم.
{أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} ذلك، مع أن هذا الأمر واضح، ولا يحتاج إلى جدال أو مناقشة.
فالاستفهام لإِنكار عدم تدبرهم فى شأن هذا الكتاب الذى أنزله الله - تعالى - ليظفروا بسببه بالذكر الجميل، وبالموعظة الحسنة، كما قال - تعالى -
{ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ } وإن من مظاهر كون القرآن الكريم فيه ذكر العرب وشرفهم، أنه نزل بلغتهم، وأنه المعجزة الباقية الخالدة بخلاف غيره من المعجزات التى أيد الله - تعالى - بها الرسل السابقين، وأنه الكتاب الذى قادوا به البشرية قرونا طويلة. عندما حملوه إلى الناس، فقرأوه عليهم، وشرحوا لهم أحكامه وآدابه وتشريعاته.. وما أصيب العرب فى دينهم ودنياهم إلا يوم أن تخلوا عن العمل بهدايات هذا الكتاب، وقصروا فى تبليغه إلى الناس.
ثم بين - سبحانه - ما أنزله بالقوم الظالمين فقال: {وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْماً آخَرِينَ}.
و "كم" هنا خبرية مفيدة للتكثير، وهى فى محل نصب على أنها مفعول مقدم "لقصمنا".
وأصل القصم: كسر الشىء حتى ينقطع وينفصل عن غيره، يقال: قصم فلان ظهر فلان، إذا كسره حتى النهاية، بخلاف الفصم فهو صدع الشىء من غير قطع وانفصال.
قال القرطبى: "والقصم: الكسر، يقال: قصمت ظهر فلان، وانقصمت سنه، إذا انكسرت.
والمعنى ها هنا به الإهلاك. وأما الفصم - بالفاء - فهو الصدع فى الشىء من غير بينونة".
أى: وكثيرا من القرى الظالمة التى تجاوز أهلها حدود الحق، ومردوا على الكفر والضلال، أبدناها مع أهلها، وعذبناها عذابا نكرا، بسبب ظلمهم وبغيهم، وأنشأنا من بعدهم قوما آخرين ليسوا مثلهم.
وأوقع - سبحانه - فعل القصم على القرى، للإِشعار بأن الهلاك قد أصابها وأصاب أهلها معها. فالكل قد دمره - سبحانه - تدميراً.
أما عند الإِنشاء فقد أوقع الفعل على القوم فقال: {وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْماً آخَرِينَ} للإِيماء إلى أن هؤلاء القوم الآخرين، الذين لم يكونوا أمثال السابقين، هم الذين ينشئون القرى ويعمرونها.
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -:
{ وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ ٱلْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرَاً بَصِيراً } ثم صور - سبحانه - حال هؤلاء الظالمين عندما أحسوا بالعذاب وهو نازل بهم فقال: {فَلَمَّآ أَحَسُّواْ بَأْسَنَآ إِذَا هُمْ مِّنْهَا يَرْكُضُونَ}.
وقوله: {أَحَسُّواْ} من الإِحساس. وهو إدراك الشىء بالحاسة. يقال: أحس فلان الشى، إذا علمه بالحس، وأحس بالشىء، إذا شعر به بحاسته.
وقوله: {يَرْكُضُونَ} من الركض وهو السير السريع، وأصله: أن يضرب الرجل دابته برجله ليحثها على الجرى والسرعة فى المشى. والمقصود به هنا: الهرب بسرعة.
أى: فلما أحس هؤلاء الظالمون عذابنا المدمر، وأيقنوا نزوله بهم، وعلموا ذلك علما مؤكدا، إذا هم يخرجون من قريتهم {يَرْكُضُونَ} أى: يهربون بسرعة وذعر، حتى لكأنهم من اضطرابهم وخوفهم يظنون أن ذلك سينجيهم.
وإذا هنا فجائية، والجملة بعدها جواب "لما".
وقوله - سبحانه -: {لاَ تَرْكُضُواْ وَٱرْجِعُوۤاْ إِلَىٰ مَآ أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ} حكاية لما تقوله لهم الملائكة - وهم يركضون هربا - على سبيل التهكم والاستهزاء.
أى: يقال لهم من جهة الملائكة أو من جهة المؤمنين لا تركضوا هاربين {وَٱرْجِعُوۤاْ إِلَىٰ} قريتكم وإلى {مَآ أُتْرِفْتُمْ فِيهِ} أى: وإلى ما نعمتم فيه من العيش الهنىء، والخير الوفير، الذى أبطركم وجعلكم تجحدون النعم، ولم تستعملوها فيما خلقت له.
فقوله: {أُتْرِفْتُمْ} من الترفه - بالتاء المشددة مع الضم - وهى النعمة والطعام الطيب. يقال: ترف فلان - كفرح - إذا تنعم. وفلان أترفته النعمة، إذا أطغته أو نعمته.
وقوله: {وَمَسَاكِنِكُمْ} معطوف على {مَآ}.
أى: لا تهربوا وارجعوا إلى ما نعمتم فيه من العيش الهنىء، وإلى مساكنكم التى كنتم تسكنونها، وتتفاخرون بها.
{لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ} أى يقصدكم غيركم لسؤالكم عما نزل بكم، فتجيبوا عن علم ومشاهدة.
قال صاحب الكشاف: "قوله {لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ} تهكم بهم وتوبيخ، أى: ارجعوا إلى نعيمكم ومساكنكم لعلكم تسألون غدا عما جرى عليكم ونزل بأموالكم ومساكنكم. فتجيبوا السائل عن علم ومشاهدة.
أو ارجعوا واجلسوا كما كنتم فى مجالسكم، وترتبوا فى مراتبكم حتى يسألكم حشمكم وعبيدكم، ومن تملكون أمره. وينفذ فيه أمركم ونهيكم، ويقول لكم: بم تأمرون؟ وبماذا ترسمون؟
وكيف نأتى ونذر كعادة المنعمين المخدَّمين.
أو يسألكم الناس فى أنديتكم .. ويستشيرونكم فى المهمات. ويستضيئون بآرائكم.
أو يسألكم الوافدون عليكم، ويستمطرون سحائب أكفكم.. قيل لهم ذلك تهكما إلى تهكم، وتوبيخا إلى توبيخ".
وهنا أدرك هؤلاء الظالمون، أن الأمر جد لا هزل، وأن العذاب نازل بهم لا محالة، وأن القائلين لهم لا تركضوا، إنما يتهكمون بهم. فأخذ أولئك الضالمون يتفجعون ويتحسرون قائلين: {يٰوَيْلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ}.
والويل: الفضيحة والبلية والمصيبة التى يعقبها الهلاك. وهى كلمة جزع وتحسر.
وتستعمل عندما تحيط بالإِنسان داهية عظيمة، وكأن المتحسر لنزول مصيبة به، ينادى ويليته ويطلب حضورها بعد تنزيلها منزلة من يُنَادَى.
أى: قالوا عندما تيقنوا أن الهلاك نازل بهم: يا هلاكنا إنا كنا ظالمين لأنفسنا، مستوجبين للعذاب. بسبب إعراضنا عن الحق، وتكذيبنا لمن جاء به.
واسم الإِشارة فى قوله - تعالى -: {مَا زَالَت تِلْكَ دَعْوَاهُمْ} يعود إلى الكلمات التى قالوها على سبيل التحسر عندما يئسوا من الخلاص والهرب، وتأكدوا من الهلاك، وهى قولهم: {يٰوَيْلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ}.
أى: فما زالوا يرددون تلك الكلمات بتفجع وتحسر واستعطاف.
وسميت هذه الكلمات دعوى، لأن المولول كأنه يدعو الويل قائلا: أيها الويل هذا أوانك فأقبل نحوى.
وقوله: {حَتَّىٰ جَعَلْنَاهُمْ حَصِيداً خَامِدِينَ} بيان لما آل إليه حالهم.
وخامدين: من الخمود بمعنى الهمود والانطفاء والانتهاء. يقال: خمدت النار تخمد خمدا وخمودا، إذا سكن لهيبها، وانطفأ شررها.
أى: فما زالت تلك كلماتهم حتى جعلناهم فى الهمود والهلاك كالنبات المحصود بالمناجل، وكالنار الخامدة بعد اشتعالها.
وهكذا تكون عاقبة الظالمين. وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون.
ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك ما يدل على قدرته ووحدانيته، وعلى أن من فى السماوات والأرض لا يستكبرون عن عبادته - تعالى -، فقال - عز وجل -: {وَمَا خَلَقْنَا...}.