التفاسير

< >
عرض

ذٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ ٱللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ ٱلأَنْعَامُ إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَانِ وَٱجْتَنِبُواْ قَوْلَ ٱلزُّورِ
٣٠
حُنَفَآءَ للَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَتَخْطَفُهُ ٱلطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ ٱلرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ
٣١
ذٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى ٱلْقُلُوبِ
٣٢
لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَآ إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ
٣٣
-الحج

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

واسم الإِشارة {ذٰلِكَ} فى قوله: {ذٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ ٱللَّهِ...} يؤتى به فى مثل هذا التركيب للفصل بين كلامين، والمشهور فى مثل هذا التركيب الإِتيان بلفظ "هذا" كما فى قوله - تعالى -: { هَـٰذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ } وجىء هنا بلفظ ذلك للإِشعار بتعظيم شأن المتحدث عنه، وعلو منزلته، وهو يعود إلى المذكور من تهيئة مكان البيت لإِبراهيم، وأمره بتطهيره....الخ.
قال صاحب الكشاف: قوله {ذٰلِكَ} خبر مبتدأ محذوف أى: الأمر والشأن ذلك، كما يقدم الكاتب جملة من كتابه فى بعض المعانى، ثم إذا أراد الخوض فى معنى آخر قال: هذا، وقد كان كذا.
والحرمات: جمع حرمة. والحرمة كل ما أمر الله - تعالى - باحترامه، ونهى عن قوله أو فعله، ويدخل فى ذلك دخولا أوليا ما يتعلق بمناسك الحج كتحريم الرفث والفسوق والجدال والصيد، وتعظيم هذه الحرمات يكون بالعلم بوجوب مراعاتها، وبالعمل بمقتضى هذا العلم.
والمعنى: ذلك الذى ذكرناه لكم عن البيت الحرام وعن مناسك الحج، هو جانب من أحكام الله - تعالى - فى هذا الشأن فاتبعوها، والحال أن من يعظم حرمات الله - تعالى - بأن يترك ملابستها واقترافها، فهو أى: هذا التعظيم، خير له عند ربه، إذ بسبب هذا التعظييم لتلك الحرمات ينال رضا ربه وثوابه.
وقد جاء النهى فى هذه الجملة عن فعل هذه الحرمات بأبلغ أسلوب حيث عبر عن اجتنابها بالتعظيم وبأفعل التفضيل وهو لفظ "خير" وبإضافتها إلى ذاته.
فكأنه - سبحانه - يقول: إذا كان ترك هذا التعظيم لحرمات الله يؤدى إلى حصولكم على شىء من المتاع الدنيوى الزائل، فإن الاستمساك بهذا التعظيم أفضل من ذلك بكثير عند ربكم وخالقكم، فكونوا عقلاء ولا تستبدلوا الذى هو أدنى بالذى هو خير.
ثم بين - سبحانه - بعض الأحكام التى تتعلق بالأنعام وهى الإِبل والبقر والغنم فقال: {وَأُحِلَّتْ لَكُمُ ٱلأَنْعَامُ إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ}.
أى: وأحل الله - تعالى - لكم فضلا منه ورحمة ذبح الأنعام وأكلها إلا ما يتلى عليكم تحريم ذبح وأكله فاجتنبوه.
وهذا الإِجمال هنا، قد جاء ما فصله قبل ذلك فى سورة الأنعام فى قوله - تعالى -:
{ قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ } قال بعض العلماء: ثم إنه ليس المقصود بما يتلى، ما ينزل فى المستقبل، كما يعطيه ظاهر الفعل المضارع، بل المراد ما سبق نزوله مما يدل على حرمة الميتة وما أهل لغير الله به. أو ما يدل على حرمة الصيد فى الحرم أو حالة الإِحرام.
وعلى هذا يكون السر فى التعبير بالمضارع، التنبيه إلى أن ذلك المتلو ينبغى استحضاره والالتفات إليه.. والجملة معترضة لدفع ما عساه يقع فى الوهم من أن تعظيم حرمات الله فى الحج قد يقضى باجتناب الأنعام، كما قضى باجتناب الصيد.
ثم أمرهم - سبحانه - باجتناب ما يغضبه، وحضهم على الثبات على الدين الحق فقال - تعالى -: {فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَانِ وَٱجْتَنِبُواْ قَوْلَ ٱلزُّورِ حُنَفَآءَ للَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ} والفاء فى قوله: {فَٱجْتَنِبُواْ} هى الفصيحة. والرجس: الشىء المستقذر الذى تعافه النفوس. و {مَن} فى قوله {مِنَ ٱلأَوْثَانِ} بيانية، والأوثان: الأصنام، يدخل فى حكمها ومعناها عبادة كل معبود من دون الله - تعالى كائنا من كان.
وسماها - سبحانه - رجسا، زيادة فى تقبيحها وفى التنفير منها.
والزور: الكذب والباطل وكل قول مائل عن الحق فهو زور، لأن أصل المادة التى هى الزور من الازورار بمعن الميل والاعوجاج، ومنه قوله - تعالى -:
{ وَتَرَى ٱلشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ ٱلْيَمِينِ } أى: تميل.
وقوله {حُنَفَآءَ} جمع حنيف وهو المائل عن الأديان الباطلة إلى الدين الحق.
والمعنى: مادام الأمر كما ذكرت لكم، فاجتنبوا - أيها الناس عبادة الأوثان أو تعظيمها، واجتنبوا - أيضا - القول المائل عن الحق، وليكن شأنكم وحالكم الثبات على الدين الحق، وعلى إخلاص العبادة لله - تعالى - الذى خلقكم، وخلق كل شىء.
وهذه الجملة الكريمة مؤكدة لما سبق من وجوب تعظيم حرمات الله، ومن وجوب التمسك بما أحله الله والبعد عما حرمه.
قال الآلوسى: قوله - تعالى -: {وَٱجْتَنِبُواْ قَوْلَ ٱلزُّورِ} تعميم بعد تخصيص، فإن عبادة الأوثان رأس الزور، لما فيها من ادعاء الاستحقاق، كأنه - تعالى - لما حث على تعظيم الحرمات، أتبع ذلك بما فيه رد لما كانت الكفرة عليه من تحريم البحائر والسوائب ونحوهما، والافتراء على الله - تعالى - بأنه حكم بذلك. ولم يعطف قول الزور على الرجس، بل أعاد العامل لمزيد الاعتناء. والإِضافة بيانية...
وجملة {حُنَفَآءَ للَّهِ} وجملة {غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ} حالان مؤكدتان لما قبلهما من وجوب اجتناب عبادة الأوثان، واجتناب قول الزور.
أى: اجتنبوا ما أمرناكم باجتنابه حال كونكم ثابتين على الدين الحق، مخلصين لله العبادة.
ثم صور - سبحانه - حال من يشرك بالله تصويرا تنخلع له القلوب، ويحمل كل عاقل على اجتناب هذا الرجس فقال: {وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَتَخْطَفُهُ ٱلطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ ٱلرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ}.
أى: ومن يشرك بالله - تعالى - فى عبادته، ومات على ذلك، فكأنما سقط من السماء إلى الأرض، فاختطفته جوارح الطير بسرعة فمزقت أوصاله، أو تسقطع الريح فى مكان بعيد اشد البعد بحيث لا يعثر له على أثر.
والمقصود من هذه الجملة تقبيح حال الشرك والمشركين، وبيان أن الوقوع فى الشرك يؤدى إلى الهلاك الذى لا نجاة معه بحال، لأن من يسقط من السماء فتتمزق أوصاله، وتتخطفه الطير أو تلقى به الريح فى مكان بعيد لا يطمع له فى نجاة، بل هو هالك لا محالة.
فالجملة الكريمة مقررة لوجوب اجتناب الشرك بأبلغ صورة.
قال صاحب الكشاف: يجوز فى هذا التشبيه أن يكون من المركب والمفرق، فإن كان تشبيها مركبا فكأنه قال: من أشرك بالله فقد أهلك نفسه إهلاكا ليس بعد نهاية، بأن صور حاله بصورة حال من خر من السماء فاختطفته الطير فتفرق مزعا - أى قطعا - فى حواصلها، أو عصفت به الريح حتى هوت به فى بعض المطاوح - أى المقاذف - البعيدة.
وإن كان مفرقا فقد شبه الإِيمان فى علوه بالسماء، والذى ترك الإِيمان وأشرك بالله بالساقط من السماء، والأهواء التى تتوزع أفكاره بالطير المختطفة، والشيطان الذى يطوح به فى وادى الضلالة، بالريح التى تهوى بما عصفت به فى بعض المهاوى المتلفة.
ثم أمر - سبحانه - بتعظيم شعائره بعد أن أمر بتعظيم حرماته فقال: {ذٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى ٱلْقُلُوبِ}.
قال القرطبى: والشعائر: جمع شعيرة، وهى كل شىء لله - تعالى - فيه أمر أشعر به وأعلم. ومنه شعار القوم فى الحرب، أى: علامتهم التى يتعارفون بها. ومنه إشعار البدنة وهو الطعن فى جانبها الأيمن حتى يسيل الدم فيكون علامة لها.. فشعائر الله: إعلان دينه لا سيما ما يتعلق بالمناسك. و قال قوم: المراد هنا تسمين البدن. والاهتمام بأمرها...
والمعنى: ذلك الذى أمرناكم به أو نهنياكم عنه عليكم امتثاله وطاعته، والحال أن من يعظم شعائر الله، التى من بينها الذبائح التى يتقرب بها إليه - تعالى - يكون تعظيمه إياها عن طريق تسمينها، وحسن اختيارها يكون دليلا على تقوى القلوب، وحسن صلتها بالله - سبحانه - وخشيتها منه، وحرصها على رضاه - عز وجل -.
قال الآلوسى: وتعظيمها أن تهتار حسانا سمانا غالية الأثمان. روى أنه - صلى الله عليه وسلم - أهدى مائة بدنة فيها جمل لأبى جهل فى أنفه برة - أى حلقة - من ذهب. وعن عمر أنه أهدى نجيبة طلبت منه بثلاثمائة دينار، فسأل النبى - صلى الله عليه وسلم - أن يبيعها ويشترى بثمنها بدنا فنهاه عن ذلك، وقال له: بل أهدها...
وفى إضافة هذه الشعائر إلى الله - تعالى -: حض على الاهتمام بها وفعل ما يرضى الله - تعالى - بالنسبة لها.
والضمير المؤنث فى قوله {فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى ٱلْقُلُوبِ} يعود على الفعلة التى يتضمنها الكلام، أو إلى الشعائر بحذف المضاف، أى: فإن تعظيمها أى الشعائر من تقوى القلوب، فحذف المضاف لدلالة الكلام عليه.
وقوله - سبحانه -: {لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَآ إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ}. بيان لبعض مظاهر نعم الله - تعالى - عليهم فى هذه الأنعام.
أى: لكم - أيها المؤمنون - فى تلك الأنعام التى تقدمونها قربة لله - تعالى - "منافع" تصل إليكم عن طريق ركوبها ولبنها ونسلها.. وهذه المنافع موقوتة إلى وقت معين، هو وقت ذبحها أو وقت تعيبنها وتسميتها هديا، أما بعد ذلك فاتركوا الانتفاع بها للفقراء والمحتاجين، فهذا أكثر ثوابا لكم عند الله - تعالى -.
وقوله - سبحانه - {ثُمَّ مَحِلُّهَآ إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ} بيان لمكان ذبحها.
والمحل مأخوذ من حل الشىء يحل - بالكسر - حلولا إذا وجب أو انتهى أجله. والمراد به فى الآية مكان الحلول، أى: المكان الذى ينتهى فيه أجل تلك الأنعام، أو المكان الذى يجب ذبحها فيه.
والمعنى: لكم فى تلك الأنعام منافع إلى أجل مسمى ثم المكان الذى تذبح فيه منته إلى البيت العتيق. ومتصل به.
والمقصود بهذا المحل الحرم كله، لأن البيت ليس مكانا للذبح.
وبعضهم يرى أن المراد بالمحل فى قوله: {ثُمَّ مَحِلُّهَآ إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ}: تحلل الحجاج من إحرامهم بعد أداء شعائر الحج المعبر عنها بقوله - تعالى -: {ذٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ ٱللَّهِ...}.
قال القرطبى: قوله - تعالى -: {ثُمَّ مَحِلُّهَآ إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ} يريد أنها تنتهى إلى البيت، وهو الطواف فقوله: {مَحِلُّهَآ} مأخوذ من إحلال المحرم.
والمعنى: أن شعائر الحج كلها من الوقوف بعرفة ورمى الجمار والسعى ينتهى إلى طواف الإِفاضة بالبيت العتيق. فالبيت على هذا التأويل مراد بنفسه...
ثم بين - سبحانه - أنه قد شرع لكل أمة الذبائح التى ينتفعون بها، لكى يذكروه - سبحانه - ويشكروه ويخلصوا له العبادة، ولكى يطعموا منها السائل والمحتاج، فقال - تعالى -: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا...}.