التفاسير

< >
عرض

يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً وَلَوِ ٱجْتَمَعُواْ لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ ٱلذُّبَابُ شَيْئاً لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ ٱلطَّالِبُ وَٱلْمَطْلُوبُ
٧٣
مَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ
٧٤
ٱللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ ٱلْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ ٱلنَّاسِ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ
٧٥
يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ
٧٦
-الحج

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

والمثل: الشبيه والنظير، ثم أطلق على القول السائر المعروف، لمماثلة مضربه - وهو الذى يضرب - فيه - بمورده - وهو الذى ورد فيه أولا - ولا يكون إلا لما فيه غرابة.
وإنما تضرب الأمثال لإِيضاح المعنى الخفى، وتقريب الشىء المعقول من الشىء المحسوس، وعرض الغائب فى صورة المشاهد، فيكون المعنى الذى ضرب له المثل أوقع فى القلوب، وأثبت فى النفوس.
وسمى الله - تعالى - ما ساقه فى هذه الآية الكريمة مثلا، لأن ما يفعله المشركون من عبادتهم لآلهة عاجزة، يشبه المثل فى غرابته وفى التعجب من فعله.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: الذى جاء به - سبحانه - ليس بمثل فكيف سماه مثلا؟.
قلت: قد سميت الصفة أو القصة الرائعة الملتقاة بالاستغراب مثلا، تشبيها لها ببعض الأمثال المسيرة، لكونها مستحسنة مستغربة عندهم.
والمعنى: يأيها الناس لقد بينا لكم قصة مستغربة وحالا عجيبة. لما يعبد من دون الله - تعالى - فاستمعوا إليها بتدبر وتعقل.
وقوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً وَلَوِ ٱجْتَمَعُواْ لَهُ..} بيان للمثل وتفسير له.
والذباب: اسم جنس واحدة ذبابة - وهى حشرة معروفة بطيشها وضعفها وقذارتها.
أى: إن المعبودات الباطلة التى تعبدونها أيها المشركون، لن تستطيع أن تخلق ذبابة واحدة، حتى لو اشتركت جميعها فى محاولة خلق هذه الذبابة.
قال صاحب الكشاف: وهذا من أبلغ ما أنزله الله فى تجهيل قريش، واستركاك عقولهم. والشهادة على أن الشيطان قد خزمهم بخزائمه - أى قد ربطهم برباطه، حيث وصفوا بالإِلهية - التى تقتضى الاقتدار على المقدورات كلها - صورا وتماثيل، يستحيل منها أن تقدر على أقل ما خلقه وأذله وأصغره وأحقره، ولو اجتمعوا لذلك وتساندوا...
وقوله - سبحانه - {وَإِن يَسْلُبْهُمُ ٱلذُّبَابُ شَيْئاً لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ} بيان لعجز تلك الآلهة الباطلة من أمر آخر سوى الخلق.
أى: وفضلا عن عجز تلك الأصنام مجتمعة عن خلق ذبابة، فإنها إذا اختطف الذباب منها شيئا من الأشياء لا تستطيع استرداده منه لعجزها عن ذلك.
قال القرطبى: وخص الذباب لأربعة أمور تخصه: لمهانته وضعفه، ولاستقذاره وكثرته، فإذا كان هذا الذى هو أضعف الحيوان وأحقره، لا يقدر من عبدوه من دون الله - تعالى - على خلق مثله، ودفع أذيته، فكيف يجوز أن يكونوا آلهة معبودين، وأربابا مطاعين، وهذا من أقوى حجة وأوضح برهان.
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بما يدل على عجز الخاطف والمخطوف منه فقال: {ضَعُفَ ٱلطَّالِبُ وَٱلْمَطْلُوبُ}.
قال الآلوسى: والطالب: عابد غير الله - تعالى - والمطلوب: الالهة، وكون عابد ذلك طالب لدعائه إياه، واعتقاده نفعه، وضعفه لطلبه النفع من غير جهته، وكون الآخر مطلوبا ظاهرا كضعفه.
وقيل: "الطالب الذباب يطلب ما يسلبه من الآلهة، والمطلوب: الآلهة على معنى المطلوب منه ما يسلب..".
وعلى آية حال فإن هذا التعليل يدل دلالة واضحة على عجز كل معبود باطل، وأنه قد تساوى فى عجزه مع أضعف مخلوقات الله وأحقرها.
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك أن هؤلاء المشركين، قد وضعوا الأمور فى غير موضعها، لجهلهم وغبائهم فقال: {مَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ...}.
أى: ما عظموا الله حق تعظيمه، وما عرفوه حق معرفته، حيث تركوا عبادة الواحد القهار، وعبدوا ما يعجز عن رد ما سلبه الذباب منه.
{إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ} على خلق كل شىء {عَزِيزٌ} لا يغالبه مغالب، ولا يدافعه مدافع.
ثم بين - سبحانه - أن له مطلق التصرف فى اختيار رسله فقال: {ٱللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ ٱلْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ ٱلنَّاسِ...}.
أى: الله - تعالى - وحده هو الذى يختار من بين ملائكته رسلا يرسلهم لتبليغ وحيه إلى أنبيائه، كما اختار جبريل - عليه السلام - لهذه الوظيفة، وهو الذى يختار من بين الناس رسلا، كما اختار إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد وغيرهم لهذه المهمة، فهو - سبحانه - أعلم حيث يجعل رسالته.
{إِنَّ ٱللَّهَ} - تعالى - {سَمِيعٌ} لأقوال عباده {بَصِيرٌ} بأحوالهم، لا تخفى عليه خافية من شئونهم.
{يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} أى: يعلم ما قدموا من أعمال، وما يعملون الآن، وما سيعملونه فى المستقبل إذ أن علمه - سبحانه - ليس مقيدا بزمان أو مكان {وَإِلَى ٱللَّهِ} تعالى وحده {تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ} كلها لا إلى غيره.
ثم وجه - سبحانه - فى نهاية السورة نداء إلى عبادة المؤمنين، أمرهم فيه بالمداومة على طاعته، وبالإخلاص فى عبادته، وبالجهاد فى سبيله، وبالاعتصام بحبله، فقال - تعالى -: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱرْكَعُواْ...}.