التفاسير

< >
عرض

لَيْسُواْ سَوَآءً مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ ٱللَّهِ آنَآءَ ٱللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ
١١٣
يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي ٱلْخَيْرَاتِ وَأُوْلَـٰئِكَ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ
١١٤
وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَروهُ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلْمُتَّقِينَ
١١٥
-آل عمران

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

فالضمير فى قوله - تعالى - {لَيْسُواْ سَوَآءً} يعود لأهل الكتاب الذين تقدم الحديث عنهم وهو اسم ليس، وخبرها قوله {سَوَآءً} والجملة مستأنفه للثناء على من يستحق الثناء منهم بعد أن وبخ القرآن من يستحق التوبيخ منهم.
قال ابن كثير: والمشهور عند كثير من المفسرين أن هذه الآيات نزلت فيمن آمن من أحبار أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وأسد بن عبيد وثعلبة بن شعبة وغيرهم. أى لا يستوى من تقدم ذكرهم بالذم من أهل الكتاب، وهؤلاء الذين أسلموا، ولهذا قال - تعالى - {لَيْسُواْ سَوَآءً} أى ليسوا كلهم على حد سواء بل منهم المؤمن ومنهم المجرم.
وقوله - تعالى - {مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ} استئناف مبين لكيفية عدم التساوى ومزيل لما فيه من إيهام.
أى: ليس أهل الكتاب متساوين فى الكفر وسوء الأخلاق، بل منهم طائفة قائمة بأمر الله مطيعة لشرعه مستقيمة على طريقته ثابتة على الحق ملازمة له، لم تتركه كما تركه الأكثرون من أهل الكتاب وضيعوه.
فمعنى قائمة: مستقيمة عادلة من قولك أقمت العود فقام بمعنى استقام.
أو معناها: ثابتة على التمسك بالدين الحق، ملازمة له غير مضطربة فى التمسك به، كما فى قوله - تعالى -
{ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِماً } أى ملازما لمطالبته بحقك. ومنه قوله - تعالى - { شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَٱلْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ قَآئِمَاً بِٱلْقِسْطِ } أى ملازما له.
والمراد بهذه الطائفة من أهل الكتاب التى وصفها الله - تعالى - بأنها {أُمَّةٌ} قائمة أولئك الذين أسلموا منهم واستقاموا على أمر الله وأطاعوه فى السر والعلن، كعبد الله بن سلام، وأصحابه، والنجاشى ومن آمن معه من النصارى. فهؤلاء قد آمنوا بكل ما يجب الإِيمان به، ولم يفرقوا بين أنبياء الله ورسله، فمدحهم الله على ذلك وأثنى عليهم.
ثم تابع القرآن حديثه عن أوصافهم الكريمة فقال {يَتْلُونَ آيَاتِ ٱللَّهِ آنَآءَ ٱللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ}.
وقوله {يَتْلُونَ} من التلاوة وهى القراءة، وأصل الكلمة من الإِتباع، فكأن التلاوة هى اتباع اللفظ اللفظ.
والمراد بآيات الله هنا: ما أنزله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم من قرآن.
وقوله: {آنَآءَ ٱللَّيْلِ} أى أوقاته وساعاته. والآناء جمع إنىَ - كمعاً وأمعاء - أو جمع أنىَ - كعصاً -، أو جمع أنىَ وإنى وإنو. فالهمزة فى آناء منقلبة عن ياء كرداء: أو عن واو ككساء.
والمراد بالسجود فى قوله: {وَهُمْ يَسْجُدُونَ} الصلاة لأن السجود لا قراءة فيه وإنما فيه التسبيح، فقد روى مسلم فى صحيحه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"ألا إنى نهيت أن أقرأ القرآن راكعا أو ساجداً فأما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا فى الدعاء فقمن أن يستجاب لكم" .
والمعنى: ليس أهل الكتاب متساوين فى الاتصاف بما ذكر من القبائح، بل منهم قوم سلموا منها، وهم الذين استقاموا على الحق ولزموه، وأكثروا من تلاوة آيات الله فى صلاتهم التى يتقربون بها إلى الله - تعالى - آناء الليل وأطراف النهار.
قال الآلوسى ما ملخصه. والمراد بصلاتهم هذه التهجد - على ما ذهب إليه البعض -. وعلل هذا بأنه أدخل فى المدح وفيه تتيسر لهم التلاوة، لأنها فى المكتوبة وظيفة الإِمام.
والذى عليه بعض السلف أنها صلاة العتمة. واستدل عليه بما أخرجه الإِمام أحمد والنسائى وابن جرير والطبرانى عن ابن مسعود قال أخر رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة صلاة العشاء ثم خرج إلى المسجد فإذا الناس ينتظرون الصلاة فقال:
"أما إنه لا يصلى هذه الصلاة أحد من أهل الكتاب" . وعبر عن الصلاة بالسجود، لأنه أدل على كمال الخضوع والصلاة تسمى سجودا وسجدة، وركوعا وركعة.
ثم وصفهم - سبحانه - بصفات أخرى كريمة فقال: {يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ} والمراد بهذا الإِيمان بجميع ما يجب الإِيمان به على الوجه المقبول الذى نطق به الشرع، وجاء به محمد صلى الله عليه وسلم.
{وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} أى ويؤمنون باليوم الآخر وما فيه من ثواب وعقاب وجنة ونار وقوله: {وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ} إشعار بأنهم لم يكتفوا بتكميل أنفسهم بالفضائل التى من أشرفها الإِيمان بالله واليوم الآخر، والإِكثار من إقامة الصلاة ومن تلاوة القرآن، بل أضافوا إلى ذلك إرشاد غيرهم إلى الخير الذى أمر الله به، ونهيه عن الباطل الذى يبغضه الله، وتستنكره العقول السليمة.
وقوله - تعالى - {وَيُسَارِعُونَ فِي ٱلْخَيْرَاتِ} أى يبادرون إلى فعل الخيرات والطاعات التى ترفع درجاتهم عند الله - بدون تردد أو تقصير.
وقال - سبحانه -: {وَيُسَارِعُونَ فِي ٱلْخَيْرَاتِ} ولم يقل إلى الخيرات للإِشعار بأنهم مستقرون فى كل أعمالهم فى طريق الخير، فهم ينتقلون من خير إلى خير فى دائرة واحدة هى دائرة الخير، ينتقلون بين زواياها وأقطارها ولا يخرجون منها. فهم لا ينتقلون مسارعين من شر إلى خير. وإنما ينتقلون مسارعين من خير إلى خير وهذا هو سر التعبير بفى المفيدة للظرفية.
والمسارعة فى الخير هى فرط الرغبة فيه، لأن من رغب فى الأمر يسارع فى توليه وفى القيام به، واختيار صيغة المفاعلة "يسارعون" للمبالغة فى سرعة نهوضهم لهذا العمل الجامع لفنون الخير، وألوان البر.
قال صاحب الكشاف. وقوله: {يَتْلُونَ} و {يُؤْمِنُونَ} فى محل الرفع صفتان لأمة. أى: قائمة تالون مؤمنون. وصفهم بخصائص ما كانت فى اليهود من تلاوة آيات الله بالليل ساجدين، ومن الإِيمان بالله، لأن إيمانهم به كلا إيمان، لاشراكهم به عزيرا، وكفرهم ببعض الكتب والرسل دون بعض: ومن الإِيمان باليوم الآخر، لأنهم يصفونه بخلاف صفته. ومن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، لأنهم كانوا مداهنين. ومن المسارعة فى الخيرات، لأنهم كانوا متباطئين عنها غير راغبين فيها".
واسم الإِشارة فى قوله: {وَأُوْلَـٰئِكَ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ} يعود إلى الموصوفين بتلك الصفات السابقة من تلاوة الكتاب ومن إيمان بالله واليوم الآخر..
أى وأولئك الموصوفون بتلك الصفات الجليلة الشأن من جملة الصالحين الذين صلحت أحوالهم عند الله ورضيهم، واستحقوا ثناءه عليهم.
وفى التعبير بقوله: {مِنَ ٱلصَّالِحِينَ} إشارة إلى أنهم بهذه المزايا وتلك الصفات، قد انسلخوا من عداد أهل الكتاب الذين ذمهم الله - تعالى - ووصفهم بأن أكثرهم من الفاسقين.
فهم بسبب إيمانهم وأفعالهم الحميدة قد خرجوا من صفوف المذمومين إلى صفوف الممدوحين.
قال الفخر الرازى: وأعلم أن وصفهم بالصلاح فى غاية المدح، ويدل عليه القرآن والمعقول. أما القرآن، فهو أن الله - تعالى - مدح بهذا الوصف أكابر الأنبياء، فقال بعد ذكر إدريس وإسماعيل وذى الكفل وغيرهم
{ وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ } وذكر حكاية عن سليمان أنه قال: "وأدخلنى برحمتك فى عبادك الصالحين". وأما المعقول، فهو أن الصلاح ضد الفساد، وكل ما لا ينبغى أن يكون فهو فساد، سواء كان ذلك فى العقائد أو فى الأعمال، فإذا كان كل ما حصل من باب ما ينبغى أن يكون فقد حصل الصلاح، فكان الصلاح دالا على أكمل الدرجات.
ثم بين - سبحانه - أنه لن يضيع شيئا مما قدموه من أعمال صالحة، بل سيكافئهم على ذلك بما هو أفضل وأبقى فقال: {وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَروهُ} أى أن هؤلاء الذين وصفهم بتلك الصفات الطيبة لن يضيع الله شيئا مما قدموه من عمل صالح، وإنما سيجازيهم بما هم أهله من ثواب جزيل، وأجر كبير بدون أى نقصان أو حرمان.
و{مَا} فى قوله: {وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ} شرطية. وفعل الشرط قوله: {يَفْعَلُواْ} وجوابه قوله: {فَلَنْ يُكْفَروهُ}.
و {مِنْ} فى قوله: {مِنْ خَيْرٍ} لتأكيد العموم أى ما يفعلوا من أى خير سواء أكان قليلا أم كثيرا فلن يحرموا ثوابه.
وأصل الكفر: الستر والتغطية. وقد صح تعدية الفعل كفر إلى مفعولين لأنه هنا بمعنى حرم.
ولذا قال صاحب الكشاف: فإن قلت لم عدى إلى مفعولين، وشكر وكفر لا يتعديان إلا إلى واحد تقول: شكر النعمة وكفرها؟ قلت: ضمن معنى الحرمان فكأنه قيل: فلن يحرموه بمعنى: فلن يحرموا جزاءه".
وقوله: {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلْمُتَّقِينَ} تذييل مقرر لمضمون ما قبله. أى هو - سبحانه - عليم بأحوال عباده وسيجازى المتقين بما يستحقون من ثواب، وسيجازى الكافرين بما يستحقون من عقاب.
فأنت ترى أن هذه الآيات الكريمة قد أنصفت المؤمنين الصادقين من أهل الكتاب، ووصفتهم بجملة من الصفات الطيبة.
وصفتهم بأنهم طائفة ثابتة على الحق. وأنهم يتلون آيات آناء الليل وأطراف النهار، وأنهم مكثرون من التضرع إلى الله فى صلواتهم وسجودهم، وأنهم يؤمنون بالله واليوم الآخر وأنهم يأمرون بالمعروف، وأنهم ينهون عن المنكر. وأنهم يسارعون فى الخيرات، وأنهم من الصالحين.
ثم بشرهم - سبحانه - بعد وصفهم بهذه الصفات الكريمة بأن ما يقدموه من خير فلن يحرموا ثوابه، لأنه - سبحانه - عليم بأحوال عباده ولن يضيع أجر من أحسن عملا.
الحديث المؤثر عن أحوال المؤمنين من أهل الكتاب وبيان ما أعده الله لهم من ......، أتبعه بالحديث عن الكافرين وعن سوء عاقبتهم وعن أهم الأسباب التى أدت إلى كفرهم وفسوقهم فقال - تعالى -: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ...}.