التفاسير

< >
عرض

قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ
١٣٧
هَـٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ
١٣٨
وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ
١٣٩
إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ ٱلْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ ٱلأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلظَّالِمِينَ
١٤٠
وَلِيُمَحِّصَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَيَمْحَقَ ٱلْكَافِرِينَ
١٤١
أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ ٱلصَّابِرِينَ
١٤٢
وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ ٱلْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ
١٤٣
-آل عمران

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

قال الفخر الرازى ما ملخصه: اعلم أن الله - تعالى - لما وعد على الطاعة والتوبة من المعصية، الغفران والجنات، أتبعه بذكر ما يحملهم على فعل الطاعة وعلى التوبة من المعصية. وهو تأمل أحوال القرون الخالية من المطيعين والعاصين فقال: {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ}.
وأصل الخلو فى اللغة: الانفراد. والمكان الخالى هو المنفرد عمن يسكن فيه. ويستعمل أيضا فى الزمان بمعنى المضى: لأن ما مضى انفرد عن الوجود وخلا عنه، وكذا الأمم الخالية.
والسنن جمع سنة وهى الطريقة المستقيمة والمثال المتبع. وفى اشتقاق هذه اللفظة وجوه منها: أنها فعلة من سن الماء يسنه إذا والى صبه. والسن الصب للماء. والعرب شبهت الطريقة المستقيمة بالماء المصبوب، فإنه لتوالى أجزاء الماء فيه على نهج واحد يكون كالشىء الواحد".
والمراد بالسنن هنا: وقائع فى الأمم المكذبة، أجراها الله - تعالى - على حسب عادته، وهى الإِهلاك والدمار بسبب كفرهم وظلمهم وفسوقهم عن أمره.
والمعنى: إنه قد مضت وتقررت من قبلكم - أيها المؤمنون - سنن ثابتة، ونظم محكمة فيما قدره - سبحانه - من نصر وهزيمة، وعزة وذلة، وعقاب فى الدنيا وثواب فيها، فالحق يصارع الباطل، وينتصر أحدهما على الآخر بما سنه - سبحانه - من سنة فى النصر والهزيمة.
وقد جرت سننه - سبحانه - فى خلقه أن يجعل العاقبة للمؤمنين الصادقين، وأن يملى للكافرين ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر.
فإن كنتم فى شك من ذلك - أيها المؤمنون - {فَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَٱنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ}.
أى: فسيروا فى الأرض متأملين متبصرين، فسترون الحال السيئة التى انتهى إليها المكذبون من تخريب ديارهم، وبقايا آثارهم.
قالوا: وليس المراد بقوله {فَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَٱنْظُرُواْ} الأمر بذلك لا محالة، بل المقصود تعرف أحوالهم، فإن حصلت هذه المعرفة بغير المسير فى الأرض كان المقصود حاصلا، ولا يمتنع أن يقال أيضا: إن لمشاهدة آثار المتقدمين أثراً أقوى من أثر السماع كما قال الشاعر:

تلك آثارنا تدل علينافانظروا بعدنا إلى الآثار

والتعبير بلفظ كيف الدال على الاستفهام، المقصود به تصوير حالة هؤلاء المكذبين التى تدعو إلى العجب، وتثير الاستغراب، وتغرس الاعتبار والاتعاظ فى قلوب المؤمنين؛ لأن هؤلاء المكذبين. مكن الله لهم فى الأرض، ومنحهم الكثير من نعمه. ولكنهم لم يشكروه عليها، فأهلكهم بسبب طغيانهم.
فهذه الآية وأشباهها من الآيات، تدعو الناس إلى الاعتبار بأحوال من سبقوهم. وإلى الاتعاظ بأيام الله، وبالتاريخ وما فيه من أحداث، وبالآثار التى تركها السابقون، فإنها أصدق من رواية الرواة ومن أخبار المخبرين.
ثم قال - تعالى - {هَـٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ}.
والبيان: هو الدلالة التى تفيد إزالة الشبهة بعد أن كانت حاصلة.
والهدى: هو الإِرشاد إلى ما فيه خير الناس فى الحال والاستقبال.
والمواعظة: هى الكلام الذى يفيد الزجر عما لا ينبغى من الأمور الدينية أو الدنيوية.
قالوا: فالحاصل أن البيان جنس تحته نوعان:
أحدهما: الكلام الهادى إلى ما ينبغى فى الدين وهو الهدى.
والثانى: الكلام الزاجر عما لا ينبغى فى الدين وهو الموعظة. فعطفهما على البيان من عطف الخاص على العام.
واسم الإِشارة يعود إلى ما تقدم هذه الآية الكريمة من أوامر ونواه، ومن وعد ووعيد، ومن حض على السير فى الأرض للاعتبار والاتعاظ.
أى هذا الذى ذكرناه لكم من وعد ووعيد، ومن أوامر ونواه، ومن حض على الاعتبار بأحوال المكذبين، {بَيَانٌ لِّلنَّاسِ} يكشف لهم الحقائق ويرفع عنهم الالتباس {وَهُدًى} يهديهم إلى ما فيه خيرهم وسعادتهم {وَمَوْعِظَةٌ} أى تخويف نافع {لِّلْمُتَّقِينَ} الذين يعتبرون بالمثلات، وينتفعون بالعظات.
وقيل: إن اسم الإِشارة يعود إلى القرآن.
أى هذا القرآن بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين.
وقد رجح ابن جرير الرأى الأول فقال: وأولى القولين فى ذلك عندى بالصواب: قول من قال: قوله {هَـٰذَا} إشارة إلى ما تقدم هذه الآية من تذكير الله - عز وجل - المؤمنين، وتعريفهم حدوده، وحضهم على لزوم طاعته، والصبر على جهاد أعدائه، لأن قوله {هَـٰذَا} إشارة إلى حاضر إما مرئى وإما مسموع وهو فى هذا الموضع إلى حاضر مسموع من الآيات المتقدمة، فمعنى الكلام: هذا الذى أوضحت لكم وعرفتكموه بيان للناس".
والمراد بالناس جميعهم، إذ أن ما ساقه الله - تعالى - من دلالات وهدايات وعظات هى للناس كافة، إلا أن الذين ينتفعون بها هم المتقون، لأنهم هم الذين أخلصوا قلوبهم لله، وهم الذين طلبوا الحق وسلكوا طريقه...
والكلمة الهادية لا يستفيد بها إلا القلب المؤمن المفتوح للهدى، والعظة البالغة لا ينتفع بها إلا القلب الخاشع المنيب، والناس فى كل زمان ومكان لا ينقصهم - فى الغالب - العلم بالحق وبالباطل، وبالهدى والضلال... وإنما الذى ينقصهم هو القلب السليم الذى يسارع إلى الحق فيعتنقه ويدافع عنه بإخلاص وإصرار، ولذا وجدنا القرآن فى هذه الآية - وفى عشرات الآيات غيرها - يصرح بأن المنتفعين بالتذكير هم المتقون فيقول: {هَـٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ}.
وبعد هذا البيان الحكيم، يتجه القرآن إلى المؤمنين بالتثبيت والتعزية فينهاهم عن أسباب الفشل والضعف، ويأمرهم بالصمود وقوة اليقين. ويبشرهم بأنهم هم الأعلون فيقول: {وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ}.
وقوله {تَهِنُوا} من الوهن - بسكون الهاء وفتحها - وهو الضعف. وأصله ضعف الذات كما فى قوله - تعالى - حكاية عن زكريا:
{ قَالَ رَبِّ إِنَّي وَهَنَ ٱلْعَظْمُ مِنِّي } أى ضعف جسمى.
وهو هنا مجاز عن خور العزيمة، وضعف الإِرادة، وانقلاب الرجاء يأساً والشجاعة جبنا، واليقين شكا، ولذلك نهوا عنه.
وقوله {تَحْزَنُوا} من الحزن وهو ألم نفسى يصيب الإِنسان عند فقد ما يحب أو عدم إدراكه، أو عند نزول أمر يجعل النفس فى هم وقلق.
والمقصود من النهى عن الوهن والحزن، النهى عن سببهما وعن الاسترسال فى الألم مما أصابهم فى غزوة أحد.
والمعنى: لا تسترسلوا - أيها المؤمنون - فى الهم والألم مما أصابكم فى يوم أحد، ولا تضعفوا عن جهاد أعدائكم فإن الضعف ليس من صفات المؤمنين، ولا تحزنوا على من قتل منكم فإن هؤلاء القتلى من الشهداء الذين لهم منزلتهم السامية عند الله.
وقوله {وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ} جملة حالية من ضمير الجماعة فى ولا تهنوا ولا تحزنوا والمقصود بها بشارتهم وتسليتهم وإدخال الطمأنينة على قلوبهم.
أى لا تضعفوا ولا تحزنوا والحال أنكم أنتم الأعلون الغالبون دون عدوكم فأنتم قد أصبتم منهم فى غزوة بدر أكثر مما أصابوا منكم فى غزوة أحد. وأنتم تقاتلون من أجل إعلاء كلمة الله وهم يقاتلون فى سبيل الطاغوت.
وأنتم سيكون لكم النصر عليهم فى النهاية، لأن الله - تعالى - قد وعدكم بذلك فهو القائل:
{ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلأَشْهَادُ } وقوله {إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ} جملة شرطية، وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله.
أى: إن كنتم مؤمنين حقا فلا تهنوا ولا تحزنوا بل اعتبروا بمن سبقكم ولا تعودوا لما وقعتم فيه من أخطاء فإن الإِيمان يوجب قوة القلب، وصدق العزيمة، والصمود فى وجه الأعداء، والإِصرار على قتالهم حتى تكون كلمة الله هى العليا.
والتعليق بالشرط فى قوله {إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ} المراد منه التهييج لنفوسهم حتى يكون تمسكها بالإِيمان أشد وأقوى، إذ قد علم الله - تعالى - أنهم مؤمنون، ولكنهم لما لاح عليهم الوهن والحزن بسبب ما أصابهم فى أحد صاروا بمنزلة من ضعف يقينه، فقيل لهم: إن كنتم مؤمنين حقا فاتركوا الوهن والحزن وجدوا فى قتال أعدائكم، فإن سنة الله فى خلقه اقتضت أن تصيبوا من أعدائكم وأن تصابوا منهم إلا أن العاقبة ستكون لكم.
فالآية الكريمة تحريض للمؤمنين على الجهاد والصبر، وتشجيع على القتال وتسلية لهم عما أصابهم، وبشارة بأن النصر فى النهاية سيكون حليفهم.
ثم أضاف - سبحانه - إلى ذلك تسلية جديدة لهم، فأخبرهم بأن ما أصابهم من جراح وآلام قد أصيب أعداؤهم بمثله فقال - تعالى -: {إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ ٱلْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ}.
فقال الفخر الرازى: واعلم أن هذا من تمام قوله - تعالى - {وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ} فبين - تعالى - أن الذين يصيبهم من القرح لا يصح أن يزيل جدهم واجتهادهم فى جهاد العدو، وذلك لأنه كما أصابهم ذلك فقد أصاب عدوهم مثله قبل ذلك، فإذا كانوا مع باطلهم وسوء عاقبتهم لم يفتروا لأجل ذلك فى الحرب، فبأن لا يلحقكم الفتور مع حسن العاقبة والتمسك بالحق أولى.
والمراد بالمس هنا: الإِصابة بالجراح ونحوها.
والقرح - بفتح القاف - الجرح الذى يصيب الإِنسان، والقرح - بضم القاف - الألم الذى يترتب على ذلك وقيل هما لغتان بمعنى واحد وهو الجرح وأثره.
والمعنى: إن تكونوا - أيها المؤمنون - قد أصابتكم الجراح من المشركين فى غزوة أحد، فأنتم قد أنزلتم بهم من الجراح فى غزوة بدر مثل ما أنزلوا بكم فى أحد، ومع ذلك فإنهم بعد بدر قد عادوا لقتالكم، فأنتم أولى بسبب إيمانكم ويقينكم ألا تهنوا وألا تحزنوا لما أصابكم فى أحد وأن تعقدوا العزم على منازلتهم حتى يظهر أمر الله وهم كارهون.
وقيل: إن المعنى إن تصبكم الجراح فى أحد فقد أصيب القوم بجراح مثلها فى هذه المعركة ذاتها.
وقد ذكر صاحب الكشاف هذين المعنيين فقال: والمعنى: إن نالوا منكم يوم أحد فقد نلتم منهم قبله يوم بدر، ثم لم يضعف ذلك قلوبهم، ولم يثبطهم عن معاودتكم بالقتال فأنتم أولى أن لا تضعفوا. ونحوه
{ وَلاَ تَهِنُواْ فِي ٱبْتِغَآءِ ٱلْقَوْمِ إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ } وقيل: كان ذلك يوم أحد، فقد نالوا منهم قبل أن يخالفوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فإن قلت: كيف قيل "قرح مثله" وما كان قرحهم يوم أحد مثل قرح المشركين؟ قلت: بلى كان مثله. ولقد قتل يومئذ خلق من الكفار. ألا ترى إلى قوله - تعالى -
{ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي ٱلأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِّن بَعْدِ مَآ أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ } ويبدو لنا أن الظاهر هو الرأى الأول، وهو أن الكلام عن غزوتى بدر وأُحد، لأن الله - تعالى - قد ساق هذه الآية الكريمة لتسلية المؤمنين بأن ما أصابهم فى أحد من المشركين قد أصيب المشركون بمثله على أيدى المؤمنين فى غزوة بدر، فلماذا يحزنون أو يضعفون؟ ولأن قوله - تعالى - بعد ذلك {وَتِلْكَ ٱلأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ}، يؤيد هذا المعنى - كما سنبينه بعد قليل -.
وجواب الشرط فى قوله {إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ}... إلخ. محذوف. والتقدير إن يمسسكم قرح فاصبروا عليه واعقدوا عزمكم على قتال أعدائكم، فقد مسهم قرح مثله قبل ذلك.
وعبر عما أصاب المسلمين فى أحد بصيغة المضارع {يَمْسَسْكُمْ} لقربه من زمن الحال، وعما أصاب المشركون بصيغة الماضى لبعده؛ لأن ما أصابهم كان فى غزوة بدر.
وقوله {وَتِلْكَ ٱلأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ} بيان لسنة الله الجارية فى كونه، وتسلية للمؤمنين عما أصابهم فى أحد.
وقوله {نُدَاوِلُهَا} من المداولة، وهى نقل الشىء من واحد إلى آخر.
يقال: هذا الشىء تداولته الأيدى، أى انتقل من واحد إلى آخر.
والمعنى: لا تجزعوا أيها المؤمنون لما أصابكم من الجراح فى أحد على أيدى المشركين فهم قد أصيبوا منكم بمثل ذلك فى غزوة بدر، وإن أيام الدنيا هى دول بين الناس، لا يدوم سرورها ولا غمها لأحد منهم، فمن سره زمن ساءته أزمان، ومن أمثال العرب. الحرب سجال: والأيام دول فهى تارة لهؤلاء وتارة لأولئك، كما قال الشاعر:

فلا وأبى الناس لا يعلمونفلا الخير خير ولا الشر شر
فيوم علينا، ويوم لناويوم نساء ويوم نسر

واسم الإِشارة {تِلْكَ} مشاربه إلى ما بعده، كما فى الضمائر المبهمة التى يفسرها ما بعدها، ومثل هذا التركيب يفيد التفخيم والتعظيم.
والمراد بالأيام: الأوقات والأزمان المختلفة لا الأيام العرفية التى يتكون الواحد منها من مدة معينة.
وقد فسر صاحب الكشاف مداولة الأيام بتبادل النصر، فقال: وقوله: {وَتِلْكَ ٱلأَيَّامُ}، تلك مبتدأ، والأيام صفته {نُدَاوِلُهَا} خبره.
ويجوز أن يكون {وَتِلْكَ ٱلأَيَّامُ} مبتدأ وخبرا، كما تقول: هى الأيام تبلى كل جديد.
والمراد بالأيام: أوقات الظفر والغلبة. ونداولها: نصرفها بين الناس، نديل تارة لهؤلاء وتارة لهؤلاء".
وقد تكلم الإِمام الرازى عن الحكمة فى مداولة الأيام بين الناس فقال ما ملخصه: واعلم أنه ليس المراد من هذه المداولة أن الله - تعالى - ينصر المؤمنين وأخرى ينصر الكافرين، وذلك لأن نصرة الله منصب شريف، وإعزاز عظيم فلا يليق بالكافر، بل المراد من هذه المداولة أنه تارة يشدد المحنة على الكفار وأخرى على المؤمنين والفائدة فيه من وجوه:
الأول: إنه - سبحانه - لو شدد المحنة على الكفار فى جميع الأوقات وأزالها عن المؤمنين فى جميع الأوقات. لحصل العلم الاضطرارى بأن الإِيمان حق وما سواه باطل، ولو كان كذلك لبطل التكليف والثواب والعقاب، فلهذا المعنى تارة يسلط الله المحنة على أهل الإِيمان وأخرى على أهل الكفر لتكون الشبهات باقية، والمكلف يدفعها بواسطة النظر فى الدلائل الدالة على صحة الإِسلام فيعظم ثوابه عند الله.
والثانى: أن المؤمن قد يقدم على بعض المعاصى، فيكون تشديد المحنة عليه فى الدنيا أدباً، وأما تشديد المحنة على الكافر فإنه يكون غضباً من الله عليه".
ووجه آخر وهو شحذ عزائم المؤمنين فى اتخاذ وسائل النصر فلا يركنوا إلى إيمانهم ويتركوا العمل بالأسباب.
ثم كشفت السورة الكريمة عن جوانب من حكمة الله فيما وقع من أحداث فى غزوة أحد، وفيما وراء مداولة الأيام بين الناس فقال - تعالى - {وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ}.
أى فعلنا ما فعلنا فى أحد، واقتضت حكمتنا أن نداول الأيام بينكم وبين عدوكم، ليظهر أمركم - أيها المؤمنون -، وليتميز قوى الإِيمان من ضعيفه.
فمعنى علم الله هو تحقق ما قدره فى الأزل فيعلمه الناس، ويعلمه الله - تعالى - واقعا حاضرا، وذلك لأن العلم الغيبى لا يترتب عليه ثواب ولا عقاب، وإنما يترتبان على المعلوم إذا صار مشاهداً واقعاً فى الحس.
قال صاحب الكشاف: وقوله {وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} فيه وجهان:
أحدهما: أن يكون المعلل محذوفا والمعنى: وليتميز الثابتون على الإِيمان منكم من الذين على حرف فعلنا ذلك. وهو من باب التمثيل. بمعنى: فعلنا ذلك فعل من يريد أن يعلم من الثابت على الإِيمان منكم من غير الثابت، وإلا فالله - عز وجل - لم يزل عالما بالأشياء قبل كونها.
والثانى: أنه تكون العلة محذوفة، وهذا عطف عليه والمعنى: وفعلنا ذلك ليكون كيت وليعلم الله. وإنما حذف للإِيذان بأن المصلحة فيما فعل ليست بواحدة، ليسليهم عما جرى عليهم، وليبصرهم بأن العبد يسوؤه ما يجرى عليه من المصائب، ولا يشعر أن لله فى ذلك من المصالح ما هو غافل عنه".
وقوله {وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ} بيان لحكمة أخرى لما أصاب المسلمين يوم أحد.
أى: وليكرم ناسا منكم بالشهادة ليكونوا مثالا لغيرهم فى التضحية بالنفس من أجل إعلاء كلمة الله، والدفاع عن الحق. وهو - سبحانه - يحب الشهداء من عباده، ويرفعهم إلى أعلا الدرجات، وأسمى المنازل.
قال القرطبى ما ملخصه: قوله - تعالى - {وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ} أي يكرمكم بالشهادة، أى ليقتل قوم منكم فيكونوا شهداء على الناس بأعمالهم. وقيل: لهذا قيل شهيد.
وقيل: سمى شهيداً لأنه مشهود له بالجنة. وقيل: سمى شهيدا، لأن أرواحهم احتضرت دار السلام لأنهم أحياء عند ربهم، فالشهيد بمعنى الشاهد أى الحاضر للجنة. والشهادة فضلها عظيم ويكفيك فى فضلها قوله - تعالى -
{ إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ ٱلّجَنَّةَ } )... الآية. وفى الحديث الشريف "أن رجلا قال: يا رسول الله، ما بال المؤمنين يفتنون فى قبورهم إلا الشهيد؟ فقال صلى الله عليه وسلم كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة" .
وقوله - تعالى - {وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلظَّالِمِينَ} جملة معترضة لتقدير مضمون ما قبلها.
أى: والله - تعالى - لا يحب الذين ظلموا أنفسهم بسبب كفرهم ونفاقهم وتخاذلهم عن نصرة الحق، وإنما يحب المؤمنين الثابتين على الحق، المجاهدين بأنفسهم وأموالهم فى سبيل إعلاء دين الله، ونصرة شريعته.
ثم ذكر - سبحانه - حكمتين أخريين لما جرى للمؤمنين فى غزوة أحد فقال: {وَلِيُمَحِّصَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَيَمْحَقَ ٱلْكَافِرِينَ}.
وقوله {وَلِيُمَحِّصَ} من المحص بمعنى التنقية والتخليص. يقال: محصت الذهب بالنار ومحصته إذا أزلت عنه ما يشوبه من خبث. أو من التمحيص بمعنى الابتلاء والاختبار.
وقوله {وَيَمْحَقَ} من المحق وهو محو الشىء والذهاب به، وأصله نقص الشىء قليلا قليلا حتى يفنى. يقال: محق فلان هذا الطعام إذا نقصه حتى أفناه ومنه المحاق، لأخر الشهر، لأن الهلال يبلغ أقصى مدى النقصان فيختفى.
والمعنى: ولقد فعل - سبحانه - ما فعل فى غزوة أحد، لكى يطهر المؤمنين ويصفيهم من الذنوب، ويخلصهم من المنافقين المندسين بينهم، ولكى يهلك الكافرين ويمحقهم بسبب بغيهم وبطرهم.
فأنت ترى أن الله - تعالى - قد ذكر اربع حكم لما حدث للمؤمنين فى غزوة أحد وهى: تحقق علم الله - تعالى - وإظهاره للمؤمنين، وإكرام بعضهم بالشهادة التى توصل صاحبها إلى أعلى الدرجات، وتطهير المؤمنين وتخليصهم من ذنوبهم ومن المنافقين، ومحق الكافرين واستئصالهم رويدا رويدا.
ثم بين - سبحانه - أن طريق الجنة محفوف بالمكاره، وأن الوصول إلى رضا الله - تعالى - يحتاج إلى جهاد عظيم، وصبر طويل فقال - تعالى -: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ ٱلصَّابِرِينَ} و{أَمْ} هنا يرى كثير من العلماء أنها منقطعة، بمعنى بل الانتقالية، لأن الكلام انتقال من تسليتهم إلى معاتبتهم على ما حدث منهم فى غزوة أحد من مخالفة بعضهم لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وفرارهم عنه فى ساعة الشدة.
والهمزة المقدرة معها للإِنكار والاستبعاد.
وقوله {أَمْ حَسِبْتُمْ} معطوف على جملة {وَلاَ تَهِنُوا} وذلك أنهم لما مسهم القرح فحزنوا واعتراهم شىء من الضعف، بين الله لهم أنه لا وجه لهذا الضعف أو الحزن لأنهم هم الأعلون، والأيام دول، وما أصابهم فقد سبق أن أصيب بمثله أعداؤهم، ثم بين لهم هنا: أن دخول الجنة لا يحصل لهم إذا لم يبذلوا مهجهم وأرواحهم فى سبيل الله، فإذا ظنوا غير ذلك فقد أخطأوا.
والمعنى: بل أحسبتم أن تدخلوا الجنة، وتنالوا كرامة ربكم، وشرف المنازل عنده مع أنكم لم تجاهدوا فى سبيل الله جهاد الصابرين على شدائده ومتاعبه ومطالبه، إن كنتم تحسبون هذا الحسبان فهو ظن باطل يجب عليكم الإِقلاع عنه.
ويحتمل أن تكون {أَمْ } هنا للمعادلة بمعنى أنها متصلة لا منقطعة "ويكون المعنى عليه: أعلمتم أن لله - تعالى - سننا فى النصر والهزيمة، وأن الأيام دول. وأن الوصول إلى السنة يحتاج إلى إيمان وجهاد وصبر، أم حسبتم وظننتم أنكم تدخلون الجنة من غير مجاهدة واستشهاد؟.
وقوله {وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ} معناه: ولم تجاهدوا جهاد الصابرين فيعلم الله ذلك منكم.
قال صاحب الكشاف: وقوله {وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ} بمعنى ولما تجاهدوا. لأن العلم متعلق بالمعلوم، فنزل نفى العلم منزلة نفى متعلقه، لأنه منتف بانتفائه. يقول الرجل: ما علم الله من فلان خيرا، يريد ما فيه خير حتى يعلمه، و"لما" بمعنى و {لَم} إلا أن فيها ضرباً من التوقع، فدل على نفى الجهاد فيما مضى، وعلى توقعه فيما يستقبل. وتقول: وعدنى أن يفعل كذا ولما يفعل، تريد: وأنا أتوقع فعله".
وجملة {وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ} حالية من ضمير {تَدْخُلُواْ} مؤكدة للإِنكار، فإن رجاء الأجر من غير علم مستبعد عند ذوى العقول السليمة، ولذا قال بعضهم:

ترجو النجاة ولم تسلك مسالكهاإن السفينة لا تجرى على اليبس

وقال بعض الحكماء "طلب الجنة من غير عمل ذنب من الذنوب، وانتظار الشفاعة بلا سبب نوع من الغرور. وارتجاء الرحمة ممن لا يطاع حمق وجهالة".
وقوله {وَيَعْلَمَ ٱلصَّابِرِينَ} أى ويتميز الصابرون فى جهادهم عن غيرهم فالآية الكريمة تشير إلى أن الشدائد من شأنها أن تميز المجاهدين الصادقين فى جهادهم، الثابتين فى البأساء والضراء من غيرهم، وأن تميز الصابرين الذين يتحملون مشاق القتال وتبعاته بقلب راسخ، ونفس مطمئنة من الذين يجاهدون ولكنهم تطيش أحلامهم عند الشدائد والأهوال.
فالجهاد فى سبيل الله يستلزم الصبر، لأن الصبر هو عدة المجاهد وأساس نجاحه، ولقد سئل بعضهم عن الشجاعة فقال: الشجاعة صبر ساعة.
وقال بعض الشعراء يعتذر عن انتصار أعدائهم عليهم.

سقيناهم كأسا سقونا بمثلهاولكنهم كانوا على الموت أصبرا

ولقد كان عدم صبر الرماة فى غزوة أحد، ومسارعتهم إلى جمع الغنائم، من أهم الأسباب التى أدت إلى هزيمة المسلمين فى تلك المعركة.
والآية الكريمة كذلك تشير إلى أن الطريق إلى الجنة ليس سهلا يسلكه كل إنسان وإنما هو طريق محفوف بالمكاره والشدائد. ولا يصل إلى غايته إلا الذين جاهدوا وصبروا وصابروا، ولذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
"حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات" .
ثم ذكرهم - سبحانه - بما كان منهم من تمنى الشهادة فى سبيله فقال {وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ ٱلْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ}.
قال ابن جرير ما ملخصه: كان قوم من أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم ممن لم يشهد بدراً، يتمنون قبل يوم أحد يوما مثل يوم بدر، فيعطون الله من أنفسهم خيرا، وينالون من الأجر مثل ما نال أهل بدر، فلما كان يوم أحد، فر بعضهم وصبر بعضهم، حتى أوفى بما كان عاهد الله عليه قبل ذلك، فعاتب الله من فر منهم بقوله: {وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ ٱلْمَوْتَ}... الآية.
وعن الحسن قال: بلغنى أن رجالا من أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم كانوا يقولون: لئن لقينا مع النبى صلى الله عليه وسلم المشركين لنفعلن ولنفعلن، فابتلوا بذلك - فى أحد -، فلا والله ما كلهم صدق، فأنزل الله - تعالى - {وَلَقَدْ كُنْتُمْ}.... الآية.
والخطاب فى الآية الكريمة للمؤمنين الذين لم يفوزوا بالشهادة فى غزوة أحد، وهو خطاب يجمع بين الموعظة والملام.
والمراد بالموت هنا الشهادة فى سبيل الله، أو الحرب والقتال لأنهما يؤديان إلى الموت.
والمعنى: ولقد كنتم - يا معشر المؤمنين - {تَمَنَّوْنَ ٱلْمَوْتَ}، أى الحرب أو الشهادة فى سبيل الله {مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ} أى تشاهدوه وتعرفوا أهواله {فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ} أى فقد رأيتم ما تتمنونه من الموت بمشاهدة أسبابه وهى الحرب وما يترتب عليها من جراح وآلام وقتال {وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ} أى رأيتموه معاينين مشاهدين له حين قتل بين أيديكم من قتل من إخوانكم وأقاربكم وشارفتم أنتم أيها الأحياء أن تقتلوا.
{مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ} متعلق بقوله {تَمَنَّوْنَ} مبين لسبب إقدامهم على التمنى. أى من قبل أن تشاهدوه وتعرفوا مصاعبه.
ففى الجملة الكريمة تعريض بأنهم تمنوا أمرا دون أن يقدروا شدته عليهم، ودون أن يوطنوا أنفسهم على تحمل مشقاته وتبعاته.
والفاء فى قوله {فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ} للإِفصاح عن شرط مقدر دل عليه صدر الكلام. والتقدير: إذا كنتم قد تمنيتم الموت فقد وقع ما تمنيتموه ورأيتموه رأى العين، فأين بلاؤكم وصبركم وثباتكم؟.
وقوله {وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ} جملة حالية من ضمير المخاطبين مؤكدة لمعنى رأيتموه. أى رأيتموه معاينين له، وهذا على حد قولك: رأيته وليس فى عينى علة، أى رأيته رؤية حقيقة لا خفاء ولا التباس.
والتعبير بالمضارع {تَنظُرُونَ} يفيد التصوير. وإحضار الصورة الواقعة فى الماضى كأنها واقعة فى الحاضر، فيستحضرها العقل كما وقعت، وكما ظهرت فى الوجود.
والنظر الذى قرره الله - تعالى - بقوله {وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ} يتضمن النظر إلى الموقعة كلها، وكيف كان النصر فى أول الأمر للمسلمين، ثم كيف كانت الهزيمة بعد ذلك بسبب تطلع بعضهم إلى أعراض الدنيا. ثم كيف تفرقت صفوفهم بعد اجتماعها وكيف تضعضعت بعض العزائم بعد مضائها وقوتها.
ولقد حكت الآية الكريمة أن المسلمين كانوا يتمنون الموت فى معركة، وليس فى ذلك من بأس، بل إن هذا هو شعار المؤمن الصادق، لأن المؤمن الصادق هو الذى يتمنى الشهادة فى سبيل الله ومن أجل نصرة دينه، ولقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
"لوددت أنى اقتل فى سبيل الله، ثم أحيا، ثم أقتل، ثم أحيا ثم أقتل" .
وقال عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - "اللهم إنى أسألك شهادة فى سبيلك". ولكن الذى يكرهه الإِسلام هو أن يتمنى المسلم الشهادة ثم لا يفى بما تمناه، بمعنى أن يفر من الميدان أو يفعل ما من شأنه أن يتنافى مع الجهاد الحق فى سبيل الله.
ولذا قال الآلوسى: "والمقصود من هذا الكلام عتاب المنهزمين على تمنيهم الشهادة، وهم لم يثبتوا حتى يستشهدوا، أو على تمنيهم الحرب وتسببهم لها ثم جبنهم وانهزامهم لا على تمنى الشهادة نفسها لأن ذلك مما لا عتاب عليه كما وهم".
فالآية الكريمة تعظ المؤمنين بأن لا يتمنوا أمرا حتى يفكروا فى عواقبه، ويعدوا أنفسهم له، ويلتزموا الوفاء بما تمنوه عند تحققه، ولقد رسم النبى صلى الله عليه وسلم الطريق القويم الذى يجب أن يسلكه المسلم فى حياته فقال فى حديثه الصحيح:
"أيها الناس، لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية. فإذا لقيتموهم فاصبروا. واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف" .
وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد أمرت المؤمنين بأن يعتبروا بأحوال من سبقهم، وأن يتجنبوا ما كان عليه المكذبون من ضلال وعصيان وأن يوطنوا أنفسهم على تحمل المصائب والآلام فإن العاقبة لهم، وأن يعلموا أن الحياة لا تخلو من نصر وهزيمة، وسراء وضراء حتى يتميز الخبيث من الطيب، وأن يعرفوا أن الطريق إلى الجنة يحتاج إلى إيمان عميق، وصبر طويل، وجهاد شديد، واستجابة كاملة لتعاليم الإِسلام وآدابه. ثم تمضى السورة الكريمة فى حديثها عن غزوة أحد، فتذكر المؤمنين بما كان منهم عندما أشيع بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قتل، وترشدهم إلى أن الآجال بيد الله، وأن المؤمنين الصادقين قاتلوا مع أنبيائهم فى سبيل إعلاء كلمة الله بدون ضعف أو ملل فعليهم أن يتأسوا بهم فى ذلك، وأن الله - تعالى - قد تكفل بان يمنح المؤمنين الصادقين المجاهدين فى سبيله أجرهم الجزيل فى الدنيا والآخرة.
استمع إلى القرآن الكريم وهو يسوق هذه المعانى بأسلوبه البليغ الحكيم فيقول: {وَمَا مُحَمَّدٌ...}.