التفاسير

< >
عرض

وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ أَفإِنْ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ٱنْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي ٱللَّهُ ٱلشَّاكِرِينَ
١٤٤
وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللهِ كِتَٰباً مُّؤَجَّلاً وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي ٱلشَّٰكِرِينَ
١٤٥
وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا ٱسْتَكَانُواْ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّابِرِينَ
١٤٦
وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِيۤ أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وٱنْصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ
١٤٧
فَآتَاهُمُ ٱللَّهُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ ٱلآخِرَةِ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ
١٤٨
-آل عمران

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

قال ابن كثير: لما انهزم من انهزم من المسلمين يوم أحد، وقتل من قتل منهم، نادى الشيطان: ألا إن محمداً قد قتل، ورجع ابن قميئة إلى المشركين فقال لهم: قتلت محمداً. وإنما قد ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم فشجه فى رأسه. فوقع ذلك فى قلوب كثير من الناس، واعتقدوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قتل، فحصل ضعف ووهن وتأخر - بين المسلمين - عن القتال. ففى ذلك أنزل الله تعالى - {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ} الآية.
وقوله - تعالى - {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ} تقرير لحقيقة ثابتة، ولأمر مؤكد، وهو أن محمداً صلى الله عليه وسلم واحد من البشر، وأنه سيموت كما يموت جميع البشر، وأنه ليس له صفة تميزه عن سائر البشر سوى الرسالة التى وهبها الله - تعالى - له، ومنحه إياها، وأن هذه الرسالة لا تقتضى بقاءه أو خلوده، إذ الرسل الذين سبقوه قد أدوا رسالتهم فى الحياة كما أمرهم خالقهم ثم ماتوا أو قتلوا.
وما دام الأمر كذلك فمحمد صلى الله عليه وسلم سيموت وينتقل إلى الرفيق الأعلى كما مات الذين سبقوه من الأنبياء، وكما سيموت جميع البشر.
والقصر فى قوله - تعالى -: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ} من باب قصر الموصوف على الصفة، أى قصر محمد صلى الله عليه وسلم على وصف الرسالة قصراً إضافياً.
وفى هذا القصر رد على ما صدر من بعض المسلمين من اضطراب وضعف حين أرجف المنافقون فى غزوة أحد بأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد قتل.
فكأنه - تعالى - يقول لهم: إن محمداً صلى الله عليه وسلم رسول من الرسل الذين أرسلهم الله لإِخراج الناس من الظلمات إلى النور، وسيكون مصيره إلى الموت إن عاجلا أو آجلا كما هو شأن سائر البشر الذين اصطفى الله - تعالى - منهم رسله، إلا أن رسالته التى جاء بها من عند الله لن تموت من بعده، بل ستستمر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ولا يصح أن يضعف أتباعه فى عقيدتهم أو فى تبليغ رسالته من بعده، بل عليهم أن يستمسكوا بما جاءهم به، وأن يدافعوا عنه بأنفسهم وأموالهم.
ولذا فقد وبخ الله - تعالى - بعض المسلمين الذين صدر منهم اضطراب أو ضعف عندما أشاع ضعاف النفوس بأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد قتل فى غزوة أحد فقال - تعالى -: {أَفإِنْ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ٱنْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ}؟
أى: إذا مات محمد صلى الله عليه وسلم - أيها المؤمنون - وقد علمتم أن موته حق لا ريب فيه، أو قتل وهو يدافع عن دينه وعقيدته، {ٱنْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ} أى: رجعتم إلى ما كنتم عليه من الكفر والضلال. والانقلاب: الرجوع إلى المكان. وهو هنا مجاز فى الرجوع إلى الحال التى كانوا عليها قبل الإِسلام.
يقال لكل من رجع إلى حاله السىء الأول: نكص على عقبيه، وارتد على عقبيه. والعقب مؤخر الرجل. وجمع أعقاب.
قال صاحب الكشاف: قوله {أَفإِنْ مَّاتَ} الفاء معلقة للجملة الشرطية بالجملة قبلها على معنى التسبب. والهمزة لإِنكار أن يجعلوا خلو الرسل قبله سبباً لانقلابهم على أعقابهم بعد هلاكه بموت أو قتل، مع علمهم أن خلو الرسل قبله وبقاء دينهم متمسكاً به يجب أن يجعل سبباً للتمسك بدين محمد صلى الله عليه وسلم لا للانقلاب عنه.
قإن: قلت: لم ذكر القتل وقد علم أنه لا يقتل؟ قلت: لكونه مجوزا عند المخاطبين.
فإن قلت: أما علموه من ناحية قوله:
{ وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ } قلت: هذا مما يختص بالعلماء منهم وذوى البصيرة".
وفى قوله {ٱنْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ} تنفير شديد من الرجوع إلى الضلال بعد الهدى، وتصوير بليغ لمن ارتد عن الحق بعد أن هداه الله إليه.
فقد صور - سبحانه - حالة من ترك الهداية إلى الضلال، بحالة من رجع إلى الوراء وبصره إلى الأمام، وأعقابه هى التى تقوده إلى الخلف، وهو فى حالة انتكاس، بأن جعل رأسه إلى أسفل وعقبه إلى أعلا. ولا شك أن هذا أقبح منظر يكون عليه الإِنسان.
وقوله {وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيْئاً} الغرض منه تأكيد الوعيد، لأن كل عاقل يعلم أن الله - تعالى - لا يضره كفر الكافرين.
أى: ومن ينقلب على عقبيه بعد وفاة النبى صلى الله عليه وسلم بأن يرجع إلى ما كان عليه من الكفر والضلال، فلن يضر الله شيئاً من الضرر وإن قل، إنما يضر نفسه بتعريضها للسخط والعذاب، وبحرمانها من الأجر والثواب.
ثم أتبع - سبحانه - هذا الوعيد بالوعد فقال: {وَسَيَجْزِي ٱللَّهُ ٱلشَّاكِرِينَ} أى: وسيثيب الله - تعالى - الثابتين على الحق والصابرين على الشدائد الشاكرين له نعمه فى السراء والضراء، سيثيبهم على ذلك بالنصر فى الدنيا وبرضوانه فى الآخرة.
وعبر هنا بالشاكرين ولم يعبر بالصابرين مع أن الصبر فى هذا الموطن أظهر، وذلك لأن الشكر فى هذا المقام هو أسمى درجات الصبر، لأن هؤلاء المؤمنين الصادقين الذين وقفوا إلى جانب النبى - صلى الله عليه وسلم - فى ساعة العسرة، لم يكتفوا بتحمل البلاء معه فقط، بل تجاوزوا حدود الصبر إلى حدود الشكر على هذه الشدائد التى ميزت الخبيث من الطيب، فالشكر هنا صبر وزيادة، وقليل من الناس هو الذى يكون على هذه الشاكلة، ولذا قال - تعالى -
{ وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ } فالآية الكريمة قد تضمنت عتابا وتوبيخا لأولئك المسلمين الذين ضعف يقينهم، وفترت همتهم، عندما أرجف المرجفون فى غزوة أحد بأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد قتل.
كما تضمنت الثناء الجزيل على أولئك الثابتين الصابرين الذين لم تؤثر فى قوة إيمانهم تلك الأراجيف الكاذبة، بل مضوا فى جهادهم وثباتهم بدون تردد أو تزعزع ولقد كان الثابتون حول رسول الله صلى الله عليه وسلم فى غزوة أحد كثيرين ومن بينهم أنس بن النضر - رضى الله عنه -، فقد روى البخارى عن أنس - رضى الله عنه - قال: غاب عمى أنس بن النضر عن قتال بدر، فقال: يا رسول الله. غبت عن أول قتال قاتلت فيه المشركين، لئن أشهدنى الله قتال المشركين ليرين الله ما أصنع.
فلما كان يوم أحد وانكشف المسلمون. قال: اللهم إنى أعتذر إليك مما صنع هؤلاء - يعنى المسلمين -. وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء - يعنى المشركين -.
ثم تقدم فاستقبله سعد بن معاذ. فقال: يا سعد بن معاذ!! الجنة ورب النضر إنى لأجد ريحها من دون أحد.
قال سعد: فما استطعت يا رسول الله ما صنع.
قال أنس: فوجدنا به بضعا وثمانين ضربة بالسيف، أو طعنة برمح، أو رمية بسهم، ووجدناه قد قتل، وقد مثل به المشركون، فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه.
قال أنس كنا نرى أو نظن أن هذه الآية نزلت فيه وفى أشباهه:
{ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ } كما تضمنت الآية الكريمة التحذير عن الارتداد عن دين الله بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم وبيان أنه بشر من البشر، وأنه يموت كما يموت سائر البشر، وأن رسالته هى الخالده الباقية، فمن تمسك بها فقد سعد وفاز. ومن أعرض عنها فلن يضر الله شيئاً.
ثم بين - سبحانه - أن الآجال بيد الله وحده. وأنه - سبحانه - قد جعل لكل أجل وقتا محددا لا يعدوه فقال - تعالى - {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَاباً مُّؤَجَّلاً}.
أى: ما كان الموت حاصلا لنفس من النفوس مطلقا، لأى سبب من الأسباب، إلا بمشيئة الله وأمره وإذنه، فهو - سبحانه - الذى كتب لكل نفس عمرها كتابا مؤقتا بوقت معلوم لا يتقدم ولا يتأخر.
المراد بالنفس هنا. جنسها. أى كل نفس لا تموت إلا بإذن الله.
والمراد بإذنه -: أمره ومشيئته، فكل نفس لا تحيا إلا بأمره، ولا تموت إلا بإذنه.
و {كَانَ} ناقصة وقوله {أَنْ تَمُوتَ} فى محل رفع اسمها وقوله {لِنَفْسٍ} متعلق بمحذوف وقع خبرا لها. والاستثناء مفرغ من أعم الأحوال والأسباب. أى ما كان لها أن تموت فى حالة من الأحوال أو لسبب من الأسباب إلا مأذونا لها منه - سبحانه -.
والباء فى قوله {إِلاَّ بِإِذْنِ الله} للمصاحبة.
وقوله {كِتَاباً} مفعول مطلق مؤكد لمضمون الجملة التى قبله، وعامله مضمر والتقدير: كتب الله ذلك كتابا مؤجلا. أى له أجل معلوم لا يتقدم عنه ولا يتأخر، وهو آت لا ريب فيه.
وقوله {مُّؤَجَّلاً} صفة لقوله {كِتَاباً}.
ثم ذم - سبحانه - الذين يؤثرون متاع الدنيا على الآخرة، فقال: {وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا} أى من يرد بعمله ثواب الدنيا أى جزاءها وثمارها كالأموال والغنائم نؤته منها ما نشاء أن نؤتيه، ولا يكون له فى الآخرة من نصيب.
وهذا تعريض بمن شغلوا بجمع الغنائم عن الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أو بمن تركوا أماكنهم التى وضعهم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وسارعوا إلى جمع حطام الدنيا، فنتج عن ذلك هزيمة المسلمين فى غزوة أحد.
ثم مدح - سبحانه - الذين يبتغون بأعمالهم ثواب الآخرة فقال: {وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ ٱلآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا}.
أى ومن يرد بعمله وجهاده ثواب الآخرة وما ادخره الله فيها لعباده المتقين من أجر جزيل نؤته منها ما نشاء من عطائنا الذين تشتهيه النفوس، وتقر له العيون.
وقوله {وَسَنَجْزِي ٱلشَّاكِرِينَ} تذييل مقرر لمضمون ما قبله، ووعد من عطاء الله لمن شكره على نعمه ويثبت على شرعه.
أى وسنجزى الشاكرين فى دنياهم بما يسعدهم ويرضيهم، وسنجزيهم فى الآخرة بما يشرح صدورهم، ويدخل البهجة على نفوسهم.
فأنت ترى أن الآية الكريمة قد تضمنت تحريض المؤمنين على القتال. وتحذيرهم من الجبن والفرار، لأن الجبن لا يؤخر الحياة، كما أن الإِقدام لا يؤدى إلى الموت قبل حلول وقته، فإن أحدا لا يموت قبل أجله، وإن خاض المهالك واقتحم المعارك.
كما تضمنت دعوة المؤمنين إلى الزهد فى متع الحياة الدنيا، وإلى أن يجعلوا مقصدهم الأكبر فى تحصيل ما ينفعهم فى آخرتهم، فإن هذا هو المقصد الأسمى، والمطلب الأعلى: قال - تعالى -
{ مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ } وإن الذين خالفوا وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم وتركوا أماكنهم التى أمرهم بالثبات فيها جريا وراء الغنائم، لم يحصلوا منها شيئا، بل فقدوها وفقدوا أرواحهم وعزتهم وكرامتهم، وكان فعلهم هذا من أسباب هزيمة المسلمين فى غزوة أحد.
كما تضمنت وعداً من الله - تعالى - بأن يزيد الشاكرين من فضله وإحسانه، وأن يكافئهم على شكرهم إياه بما هم أهل له من نصر وخير وفير.
ثم بين - سبحانه - ما كان عليه أتباع الأنبياء السابقين من إيمان عميق، وعزم وثيق، حتى يتأسى بهم كل ذى عقل سليم، فقال - تعالى -: {وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا ٱسْتَكَانُواْ}.
وكلمة {وَكَأَيِّن} مركبة من كاف التشبيه وأى الاستفهامية المنونة، ثم هجر معنى جزأيها وصارت كلمة واحدة بمعنى كم الخبرية الدالة على الكثير.
ويكنى بها عن عدد مبهم فتفتقر إلى تمييز بعدها وهى مبتدأ: وجملة {قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ} خبرها.
والربيون جمع ربى، وهو العالم بربه، الصادق فى إيمانه به، الملخص له فى عبادته نسبة إلى الرب كالربانى.
قال القرطبى ما ملخصه: والربيون - بكسر الراء - قراءة الجمهور. وقرأها بعضهم بضم الراء وقرأها بعضهم بفتحها والربيون: الجماعة الكثيرة نسبة إلى الربة - بكسر الراء وضمها - وهى الجماعة.. ومنه يقال للخرقة التى تجمع فيها القداح: ربة. وربة والرباب: قبائل تجمعت.
وقال ابن عباس: ربيون - بفتح الراء - منسوب إلى الرب.
وقال الخليل: الربى - بكسر الراء - الواحد من العباد الذين صبروا مع الأنبياء، وهم الربانيون نسبوا إلى التأله والعبادة ومعرفة الربوبية لله - تعالى -. وقوله {فَمَا وَهَنُواْ} من الوهن وهو اضطراب نفسى، وانزعاج قلبى، يبتدىء من داخل الإِنسان، فإذا وصل إلى الخارج كان ضعفاً وتخاذلا.
والمعنى: وكثير من الأنبياء قاتل معهم مؤمنون صادقو الإِيمان من أجل إعلاء كلمة الله وإعزاز دينه وأصيبوا وهم يقاتلون بما أصيبوا من جراح وآلام، {فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} أى فما عجزوا أو جبنوا بسبب ما أصابهم من جراح، أو ما أصاب أنبياءهم وإخوانهم من قتل واستشهاد. لأن الذى أصابهم إنما هو فى سبيل الله وطاعته وإقامة دينه، ونصرة رسله.
وقوله {وَمَا ضَعُفُواْ} أى: عن قتال أعدائهم وعن الدفاع عن الذى آمنوا به وقوله {وَمَا ٱسْتَكَانُواْ} أى ما خضعوا وذلوا لأعدائهم.
فأنت ترى أن الله - تعالى - قد نفى عن هؤلاء المؤمنين الصادقين ثلاثة أوصاف لا تتفق مع الإِيمان.
نفى عنهم - أولا - الوهن وهو اضطراب نفسى، وهلع قلبى، يستولى على الإِنسان فيفقده ثباته وعزيمته.
ونفى عنهم - ثانيا - الضعف الذى هو ضد القوة، وهو ينتج عن الوهن.
ونفى عنهم - ثالثاً - الاستكانة وهى الرضا بالذل والخضوع للاعداء ليفعلوا بهم ما يريدون.
وقد نفى - سبحانه - هذه الأوصاف الثلاثة عن هؤلاء المؤمنين الصادقين مع أن واحداً منها يكفى نفيه لنفيها لأنها متلازمة - وذلك لبيان قبح ما يقعون فيه من أضرار فيما لو تمكن واحد من هذه الأوصاف من نفوسهم.
وجاء ترتيب هذه الأوصاف فى نهاية الدقة بحسب حصولها فى الخارج، فإن الوهن الذى هو خور فى العزيمة إذا تمكن من النفس أنتج الضعف الذى هو لون من الاستسلام والفشل. ثم تكون بعدهما الاستكانة التى يكون معها الخضوع لكل مطالب الأعداء وإذا وصل الإِنسان إلى هذه المرحلة فى حياته كان الموت أكرم له من هذه الحياة.
وقوله {وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّابِرِينَ} تذييل قصد به حض المؤمنين على تحمل المكاره وعلى مقاساة الشدائد ومعاناة المكاره من أجل إعلاء دينهم حتى يفوزوا برضا الله ورعايته كما فاز أولئك الأنقياء الأوفياء.
أى والله - تعالى - يحب الصابرين على آلام القتال، ومصاعب الجهاد، ومشاق الطاعات، وتبعات التكاليف التى كلف الله - تعالى - بها عباده.
ثم أتبع - سبحانه - محاسنهم الفعلية، ببيان محاسنهم القولية فقال - تعالى - {وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِيۤ أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وٱنْصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ}.
أى أن هؤلاء الأنقياء الأوفياء الصابرين ما كان لهم من قول فى مواطن القتال وفى عموم الأحوال إلا الضراعة إلى الله - بثلاث أمور:
أولها: حكاه القرآن عنهم فى قوله: {ربَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِيۤ أَمْرِنَا}.
أى: إنهم يدعون الله - تعالى - بأن يغفر لهم ذنوبهم ما كان صغيرا منها وما كان كبيرا: وأن يغفر لهم (إسرافهم فى أمرهم) أى ما تجاوزوه من الحدود التى حدها لهم وأمرهم بعدم تجاوزها.
وثانيها: حكاه القرآن عنهم فى قوله {وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا} اى أجعلنا يا ربنا ممن يثبت لحرب أعدائك وقتالهم ولا تجعلنا ممن يوليهم الأدبار.
وثالثها: حكاه القرآن عنهم فى قوله {وٱنْصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ} أى اجعل النصر لنا يا ربنا على أعدائك وأعدائنا الذين جحدوا وحدانيتك، وكذبوا نبيك وضلوا ضلالا بعيدا.
وتأمل معى - أخى القارىء- هذه الدعوات الكريمة تراها قد جمعت من صدق اليقين، وحسن الترتيب.
فهم قد التمسوا - أولا - من خالقهم مغفرة ذنوبهم والتجاوز عما وقعوا فيه من أخطاء وهذا يدل على سلامة قلوبهم وتواضعهم واستصغار أعمالهم مهما عظمت أمام فضل الله ونعمه.
ثم التمسوا منه - ثانيا - تثبيت أقدامهم عند لقاء الأعداء حتى لا يفروا من امامهم.
ثم التمسوا منه - ثالثا - النصر على الكافرين وهو غاية القتال، لأن الانتصار عليهم يؤدى إلى منع وقوع الفتنة فى الأرض، وإلى إعلاء كلمة الحق.
قال صاحب الكشاف: قوله {وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ} الخ هذا القول وهو إضافة الذنوب والإِسراف إلى أنفسهم مع كونهم ربانيين هضما لها واستقصارا. والدعاء بالاستغفار منها مقدما على طلب تثبيت الأقدام فى مواطن الحرب والنصرة على العدو، ليكون طلبهم إلى ربهم عن زكاة وطهارة وخضوع. وهو أقرب إلى الاستجابة".
وكان هنا ناقصة، وقوله {قَوْلَهُمْ} بالنصب خبرها واسمها المصدر المتحصل من "أن" وما بعدها فى قوله {إِلاَّ أَن قَالُواْ} والاستثناء مفرغ.
أى: ما كان قولهم فى ذلك المقام وفى غيره من المواطن إلا قولهم هذا الدعاء أى هو دأبهم وديدنهم.
ثم بين - سبحانه - الثمار التى ترتبت على هذا الدعاء الخاشع والإِيمان الصادق والعمل الخالص لوجهه - سبحانه - فقال: {فَآتَاهُمُ ٱللَّهُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ ٱلآخِرَةِ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ}.
والفاء فى قوله { فَآتَاهُم} لترتيب ما بعدها على ما قبلها.
أى أن هؤلاء الذين آمنوا بالله حق الإِيمان وجاهدوا فى سبيله حق الجهاد لم يخيب الله - تعالى - سعيهم ولم يقفل بابه عن إجابة دعائهم، وإنما أعطاهم الله - تعالى - ثواب الدنيا من النصر والغنيمة وقهر الأعداء، وصلاح الحال.
كما أعطاهم حسن ثواب الآخرة بأن منحهم رضوانه ورحمته ومثوبته وإنما خص ثواب الآخرة بالحسن للتنبيه على عظمته وفضله ومزيته، وأنه هو المعتد به عنده - تعالى - لأنه غير زائل، وغير مشوب بتنغيص أو قلق.
وقوله {وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ} تذييل مقرر لمضمون ما قبله، فإن محبة الله - تعالى - للعبد مبدأ كل خير وسعادة.
وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد قررت فى مطلعها حقيقة ثابتة. وهى أن محمدا صلى الله عليه وسلم بشر من البشر، وأنه يموت كما يموت سائر البشر وأن رسالته لا تموت من بعده بل على أتباعه أن يسيروا على طريقته وأن يحملوا من بعده عبء تبليغ تعاليم الإِسلام الذى جاء به ثم قررت بعد ذلك أن الآجال بيد الله وأن الحذر لا يمنع القدر وأن أحداً لن يموت قبل انتهاء أجله، ما دام الأمر كذلك فعلى المؤمنين أن يجاهدوا الكفار والمنافقين وأن يغلظوا عليهم.
ثم ذكرت الناس بعد ذلك بما كان من أتباع الرسل السابقين من إيمان عميق وجهاد صادق وثبات فى وجه الباطل ودعاء مخلص خاشع. حتى يتأسى بهم فى أقوالهم وأعمالهم كل ذى عقل سليم.
ثم ختمت هذه الآيات ببيان النتائج الطيبة التى منحها الله - تعالى - لعباده المؤمنين الصادقين فى دنياهم وآخرتهم حتى يسارع الناس فى كل زمان ومكان إلى الأعمال الصالحة التى تكون سببا فى سعادتهم وعزتهم ثم وجه القرآن نداء إلى المؤمنين، نهاهم فيه عن طاعة أعداء الله وأعدائهم، وأمرهم بالتمسك بتعاليم دينهم وبشرهم بسوء عاقبة أعدائهم فقال - تعالى -: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ...}.