التفاسير

< >
عرض

يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن تُطِيعُواْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُواْ خَاسِرِينَ
١٤٩
بَلِ ٱللَّهُ مَوْلاَكُمْ وَهُوَ خَيْرُ ٱلنَّاصِرِينَ
١٥٠
سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ بِمَآ أَشْرَكُواْ بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَمَأْوَاهُمُ ٱلنَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَىٰ ٱلظَّالِمِينَ
١٥١
-آل عمران

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

قال الآلوسى: ما ملخصه: قوله {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن تُطِيعُواْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} شروع فى زجر المؤمنين عن متابعة الكفار ببيان مضارها، إثر ترغيبهم فى الاقتداء بأنصار الأنبياء ببيان فضائله وتصدير الخطاب بالنداء والتنبية لإِظهار الاعتناء بما فى حيزه ووصفهم بالايمان لتذكيرهم بحال ينافى تلك الطاعة فيكون الزجر على أكمل وجه. والمراد من الذين كفروا إما المنافقون لأنهم هم الذين قالوا للمؤمنين عند هزيمتهم فى أحد: ارجعوا إلى إخوانكم وادخلوا فى دينهم.. وإما أبو سفيان وأصحابه وحينئذ فالمراد بإطاعتهم الاستكانة لهم وطلب الأمان منهم.. وإما اليهود والنصارى لأنهم هم الذين كانوا يلقون الشبه فى الدين ويقولون: لو كان محمد نبيا حقا لما غلبه أعداؤه.. وإما سائر الكفار".
فالآية الكريمة تنهى المؤمنين عن طاعة الكفار؛ لأن الكفر والإِيمان نقيضان لا يجتمعان.
وجاء التعبير "بإن" الشرطية دون "إذا"؛ لأن إذا لتحقق الشرط والجزاء أما إن فإنها لا تفيد التحقق بل تفيد الشك، وهذا هو المناسب لحال المؤمنين لأن إيمانهم يحجزهم عن طاعة الذين كفروا ويمنعهم من الوقوع فى ذلك والنداء متوجه ابتداء للمؤمنين المجاهدين الذين حضروا غزوة أحد، وسمعوا ما سمعوا من أراجيف أعدائهم وأكاذيبهم، إلا أنه يندرج تحت مضمونه كل مؤمن فى كل زمان أو مكان لأن الكافرين فى كل العصور لا يريدون بالمؤمنين إلا خبالا، ولا يتمنون لهم إلا الشرور والمصائب.
ثم بين - سبحانه - النتيجة - السيئة التى تترتب على طاعة المؤمنين للكافرين فقال: {يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُواْ خَاسِرِينَ}.
أى: إن تطيعوهم يرجعوكم إلى ما كنتم عليه قبل الإِسلام من ضلال وكفران أو يردوكم إلى الحالة التى كنتم عليها قبل مشروعية الجهاد وهى حالة الضعف والهوان التى رفعها الله عنكم بأن أذن لكم فى مقاتلة أعدائكم الذين أخرجوكم من دياركم بغير حق.
وقوله {فَتَنقَلِبُواْ خَاسِرِينَ} أى فترجعوا خاسرين لخيرى الدنيا والآخرة، أما خسران الدنيا فبسبب انقيادكم لهم، واستسلامكم لمطالبهم.. وأما خسران الآخرة فبسبب ترككم لوصايا دينكم ومخالفتكم لأوامر خالقكم، وتوجيهات نبيكم صلى الله عليه وسلم وكفى بذلك خسارة شنيعة.
فأنت ترى أن الآية الكريمة قد نهت المؤمنين عن طاعة الكافرين، ثم بينت لهم نتيجتين سيئتين تترتبان على هذه الطاعة، وهما: الرجوع إلى الضلال بعد الهدى، والخسران فى الدنيا والآخرة.
والتعبير بقوله {فَتَنقَلِبُواْ} يفيد أن إطاعة الكافرين يؤدى بالمؤمنين إلى انقلاب حالهم وانتكاس أمرهم وجعل أعلاهم أسفلهم... وفى ذلك ما فيه من التنفير عن إطاعة الكافرين والاستماع إلى وساوسهم.
ثم أمرهم - سبحانه - بطاعته والاعتماد عليه والاستعانة به وحده فقال {بَلِ ٱللَّهُ مَوْلاَكُمْ وَهُوَ خَيْرُ ٱلنَّاصِرِينَ}.
وحرف "بل" هنا للإِضراب الانتقالى، لأنه - سبحانه - بعد أن حذر المؤمنين من إطاعة الكافرين وما يترتب عليها من مضار، انتقل إلى توجيههم إلى ما فيه عزتهم وكرامتهم وسعادتهم.
والمولى هنا بمعنى النصير والمعين، وهذا اللفظ لا يدل على النصرة والعون فقط، وإنما يدل على كمال المحبة والمودة والقرب، والنصرة تجىء ملازمة لهذه المعانى، لأنه من كان الله محبا له، كان - سبحانه - ناصرا له لا محالة.
والمعنى إنى أنهاكم - أيها المؤمنون - عن إطاعة الكافرين، لأنهم ليسوا أولياء لكم فتطيعوهم، بل الله - تعالى - هو وليكم ومعينكم وهو خير الناصرين، لأنه هو الذى لا يعجزه شىء فى الأرض ولا فى السماء فأخلصوا له العبادة والطاعة.
ثم بشرهم - سبحانه - بأنه سيلقى الرعب والفزع فى قلوب أعدائهم فقال - تعالى -: {سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ بِمَآ أَشْرَكُواْ بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً}.
والرعب: الخوف والفزع، يقال رعبه يرعبه أى خوفه أصله من الملء يقال: سيل راعب، إذا ملأ الأودية. ورعبت الحوض: ملأته.
والسلطان: الحجة والبرهان وسميت الحجة سلطانا لقوتها ونفوذها. أصل المادة يدل على الشدة والقوة ومنها السليط الشديد واللسان الطويل.
والمعنى: سنملأ قلوب المشركين خوفا وفزعا بسبب إشراكهم مع الله - تعالى - آلهة لم ينزل الله بها حجة والمراد: أنه لا حجة لهم حتى ينزلها.
قال الآلوسى: قوله {مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ} أى بإشراكه أو بعبادته، و "ما" نكره موصوفة أو موصولة اسمية وليست مصدرية و "سلطانا" أى حجة والإِتيان بها للإِشارة بأن المتبع فى باب التوحيد هو البرهان السماوى دون الآراء والأهواء الباطلة.. وذكر عدم إنزال الحجة مع استحالة تحققها من باب انتفاء المقيد لانتفاء قيده اللازم، أى: لا حجة حتى ينزلها، فهو على حد قوله فى وصف مفازة:

لا تفزع الأرنب أهوالهاولا ترى الضب بها ينجحر

إذ المراد: لا ضب بها حتى ينجحر. فالمراد نفيهما جميعا.
فالآية الكريمة قد بشرت المؤمنين بأن الله - تعالى - سيلقى الرعب والفزع فى قلوب أعدائهم حتى لا يتجاسروا عليهم.
ومن مظاهر الرعب التى ألقاها الله - تعالى - فى قلوب المشركين أنهم بعد أن انتصروا على المسلمين فى غزوة أحد. كان فى قدرتهم أن يوغلوا فى مهاجمتهم وقتالهم إلا أن الرعب صدهم عن ذلك.
ولقد حاولوا وهم فى طريقهم إلى مكة أن يعودوا للقضاء على المسلمين إلا أن الخوف داخل قلوبهم وجعل أحد زعمائهم وهو صفوان بن أمية يقول لهم: "يا أهل مكة لا ترجعوا لقتال القوم، فإنى أرى أنه سيكون للقوم قتال غير الذى كان".
قال الفخر الرازى ما ملخصه قوله {سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ} اختلفوا فى أن هذا الوعد هل هو مختص بيوم أحد، أو هو عام فى جميع الأوقات؟
قال كثير من المفسرين: إنه مختص بهذا اليوم، وذلك لأن جميع الآيات المتقدمة إنما وردت فى هذه الواقعة.
ثم القائلون بهذا القول ذكروا فى كيفية إلقاء الرعب فى قلوب المشركين فى هذا اليوم وجهين:
الأول: أن الكفار لما استولوا على المسلمين وهزموهم أوقع الله الرعب فى قلوبهم، فتركوهم وفروا منهم من غير سبب.
والثانى: أن الكفار لما ذهبوا إلى مكة فلما كانوا فى بعض الطريق قالوا ما صنعنا شيئاً قتلنا الأكثرين منهم ثم تركناهم ونحن قاهرون. ارجعوا حتى نستأصلهم بالكلية، فلما عزموا على ذلك ألقى الله الرعب فى قلوبهم.
والقول الثانى: أن هذا الوعد غير مختص بيوم أحد، بل هو عام، كأنه قيل: إنه وإن وقعة لكم هذه الواقعة فى يوم أحد، إلا أن الله - تعالى - سيلقى الرعب منكم بعد ذلك فى قلوب الكافرين حتى يقهر الكفار، ويظهر دينكم على سائر الأديان.
وقد فعل الله ذلك حتى صار دين الإِسلام قاهرا لجميع الأديان والملل. ونظير هذه الآية قوله صلى الله عليه وسلم
"نصرت بالرعب مسيرة شهر" .
ثم ختم - سبحانه - الآية ببيان سوء عاقبة هؤلاء الكافرين فقال: {وَمَأْوَاهُمُ ٱلنَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَىٰ ٱلظَّالِمِينَ}.
والمأوى: اسم مكان من أوى يأوى. وهو المكان الذى يرجع إليه الشخص ويعود إليه.
والمثوى: اسم مكان - أيضا - يقال: ثوى بالمكان وفيه يثوى ثواء وثويا وأثوى به، أى أطال الإِقامة والنزول فيه.
والمعنى: أن هؤلاء الكافرين سيلقى الله - تعالى - الرعب والفزع فى قلوبهم حتى لا يتجاسروا على المؤمنين، هذا فى الدنيا، أما فى الآخرة، فالمكان الذى يأوون إليه ويستقرون فيه هو النار، لا مأوى لهم غيرها، وبئس هذه النار موضع إقامة دائمة لهم.
وقد أظهر - سبحانه - الاسم فى موضع الإِضمار فلم يقل: وبئس النار مثواهم، بل قال: {وَبِئْسَ مَثْوَىٰ ٱلظَّالِمِينَ}: للإِشارة إلى أن هذا المآل الأليم إنما هو جزاء عادل لهم بسبب ظلمهم إذ هم الذين ظلموا أنفسهم فأضلوها وصدوها عن الحق فكانت نهايتهم تلك النهاية المهينة، "وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون".
وفى جعل هذه النار مثواهم بعد جعلها مأواهم إشارة إلى خلودهم فيها، فإن المثوى مكان الإِقامة المنبئة عن المكث، وأما المأوى فهو المكان الذى يأوى إليه الإِنسان.
وقدم المأوى على المثوى لأن هذا هو الترتيب الوجودى فى الخارج، لأن الإِنسان يأوى إلى المكان ثم يثوى فيه.
وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد نهت المؤمنين عن إطاعة الكافرين وبينت لهم النتائج الوخيمة التى تترتب على إطاعتهم ثم دعتهم إلى الاعتصام بدين الله وبشرتهم بسوء عاقبة أعدائهم فى الدنيا والآخرة.
ثم ذكر الله - تعالى - المؤمنين بما حدث لهم فى غزوة أحد، وكيف أنهم انتصروا على أعدائهم فى أول معركة ثم كيف أنهم أصيبوا بالهزيمة بعد ذلك بسبب فشلهم وتنازعهم ومعصيتهم لرسولهم صلى الله عليه وسلم ثم صور - سبحانه - أحوالهم فى هذه المعركة تصويرا بليغا مؤثرا وحكى أقوال ضعاف الإِيمان ورد عليها بما يدحضها. استمع إلى القرآن الكريم وهو يحكى كل ذلك فيقول: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ...}.