التفاسير

< >
عرض

وَلاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيْئاً يُرِيدُ ٱللَّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظّاً فِي ٱلآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ
١٧٦
إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلْكُفْرَ بِٱلإِيمَانِ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيْئاً وَلهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
١٧٧
وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوۤاْ إِثْمَاً وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ
١٧٨
مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى ٱلْغَيْبِ وَلَكِنَّ ٱللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَآءُ فَآمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ
١٧٩
وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَّهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَللَّهِ مِيرَاثُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ
١٨٠
-آل عمران

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

الخطاب فى قوله - تعالى - {وَلاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْكُفْرِ} للنبى صلى الله عليه وسلم والمقصود منه تسليته وإدخال الطمأنينة على قلبه، حتى لا يتأثر بما يراه من كفر الكافرين، ونفاق المنافقين، وفسق الفاسقين.
أى: لا يحزنك ولا يُثِر فى نفسك الحسرات يا محمد، حال أولئك القوم الذين {يُسَارِعُونَ فِي ٱلْكُفْرِ} أى يتوغلون فيه، ويتعجلون فى إظهاره وتأييده والعمل به عند سنوح الفرص، ويقعون فيه سريعا من تريث أو تدبر أو تفكير والمقصود بالنهى عن الحزن، النهى عن الاسترسال فيه وفى الأسباب التى تؤدى إليه، كأن يظن صلى الله عليه وسلم أن كثرة الضالين ستؤدى إلى انتصارهم على المؤمنين.
وقد أشار إلى ذلك صاحب الكشاف فقال: {يُسَارِعُونَ فِي ٱلْكُفْرِ} يقعون فيه سريعا، ويرغبون فيه أشد رغبة. وهم الذين نافقوا من المتخلفين. وقيل: هم قوم ارتدوا عن الإِسلام. فإن قلت: فما معنى قوله {وَلاَ يَحْزُنكَ} ومن حق الرسول أن يحزن لنفاق من نافق وارتداد من ارتد؟ قلت: معناه: لا يحزنوك لخوف أن يضروك ويعينوا عليك".
ولتضمن المسارعة معنى الوقوع تعدت بحرف "فى" دون حرف "إلى" الشائع تعديتها بها كما فى قوله - تعالى -
{ وَسَارِعُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ } وقوله {إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيْئاً} تعليل للنهى عن أن يحزنه تسارعهم فى الكفر أى: لا يحزنك يا محمد حال هؤلاء المارقين الذين يسارعون فى الكفر وينتقلون فيه من دركة إلى دركة أقبح من سابقتها، فإنهم مهما تمادوا فى كفرهم وضلالهم ومحاولتهم إضلال غيرهم، فإنهم لن يضروا دين الله أو أولياءه بشىء من الضرر حتى ولو كان ضرراً يسيراً.
ففى الكلام حذف مضاف والتقدير إنهم لن يضروا أولياء الله شيئا.
وفى هذا الحذف تشريف للمؤمنين الصادقين، وإشعار بأن مضارتهم بمنزلة مضارته - سبحانه - وفى الحديث القدسى:
"من عادى لى وليا فقد آذنته بحرب" .
ولقد كان النبى صلى الله عليه وسلم بمقتضى طبيعته البشرية، وغيرته على دين الله - تعالى - يحزن لإِعراض المعرضين عن الحق الذى جاء به، ولقد حكى القرآن ذلك فى كثير من آياته، ومنه قوله - تعالى - { فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ } وقوله - تعالى - { فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفاً } فأراد - سبحانه - فى هذه الآية الكريمة وأمثالها أن يزيل من نفس رسوله صلى الله عليه وسلم هذا الحزن الذى نتج عن كفر الكافرين، وأن يطمئنه إلى أن العاقبة ستكون له ولأتباعه المؤمنين الصادقين.
وقوله {يُرِيدُ ٱللَّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظّاً فِي ٱلآخِرَةِ} استئناف لبيان جزائهم على كفرهم فى الآخرة، بعد أن بين - سبحانه - عدم إضرارهم لأوليائه فى الدنيا.
أى: لا ينبغى لك يا محمد أن تحزن لمسارعة هؤلاء الضالين فى الكفر، فإنهم لن يضروا أوليائى بشىء من الضرر، ولأن كفرهم ليس مراغمة لله حتى تحزن، وإنما هو بإرادته، لأنه أراد ألا يكون لهم حظ أو نصيب من الخير فى الآخرة بسبب استحبابهم العمى على الهدى، ولهم مع هذا الحرمان من الخير فى الآخرة {عَذَابٌ عَظِيمٌ} لا يعلم مقدار آلامه وشدته إلا الله تعالى.
قال صاحب الكشاف: "فإن قلت: هلا قيل: لا يجعل الله لهم حظا فى الآخرة، وأى فائدة فى ذكر الإِرادة؟ قلت: فائدته الإِشعار بأن الداعى إلى حرمانهم وتعذيبهم قد خلص خلوصا لم يبق معه صارف قط حين سارعوا فى الكفر، تنبيها على تماديهم فى الطغيان وبلوغهم الغاية فيه، حتى إن أرحم الراحمين يريد أن لا يرحمهم".
ثم أكد - سبحانه - هذا الحكم وقرره فقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلْكُفْرَ بِٱلإِيمَانِ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيْئاً وَلهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}.
والاشتراء فى الآية الكريمة بمعنى الاستبدال على سبيل الاستعارة التمثيلية فقد شبه - سبحانه - الكافر الذى يترك الحق الواضح الذى قامت الأدلة على صحته ويختار بدله الضلال الذى قامت الأدلة على بطلانه، بمن يكون فى يده سلعة ثمينة جيدة فيتركها ويأخذ فى مقابلها سلعة رديئة فاسدة.
والمعنى أن الذين استبدلوا الكفر بالإِيمان، لن يضروا دين الله ولا رسوله ولا أولياءه بشىء من الضرر، وإنما يضرون بفعلهم هذا أنفسهم ضررا بليغا ولهم فى الآخرة عذاب مؤلم شديد الإِيلام، بسبب إيثارهم الغى على الرشد، والكفر على الإِيمان، والشر على الخير.
ثم بين - سبحانه - أن ما يتمتع به الأشرار فى الدنيا من متع إنما هو استدراج لهم، فقال - تعالى -: {وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ}.
وقوله {نُمْلِي لَهُمْ} من الإِملاء وهو الإِمهال والتخلية بين العامل والعمل ليبلغ مداه.
يقال: أملى فلان لفرسه إذا أرخى له الطول ليرعى كيف شاء.
ويطلق الإِملاء على طول المدة ورغد العيش.
والمعنى: {وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ}، بتطويل أعمارهم، وبإعطائهم الكثير من وسائل العيش الرغيد هو، {خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ} كلا. بل هو سبب للمزيد من عذابهم، لأننا {إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوۤاْ إِثْمَاً} بكثرة ارتكابهم للمعاصى {وَلَهْمُ} فى الآخرة {عَذَابٌ مُّهِينٌ} أى عذاب ينالهم بسببه الذل الذى ليس بعده ذل والهوان الذى يتصاغر معه كل هوان.
وقوله {وَلاَ يَحْسَبَنَّ} إلخ.. عطف على قوله - تعالى - {وَلاَ يَحْزُنكَ} ويكون للنهى عن الظن متجها للذين كفروا ليعلموا سوء عاقبتهم.
ويكون مفعولا يحسب قد سد مسدهما أن المصدرية وما بعدها و "ما" فى قوله "أنما نملى لهم" يجوز أن تكون مصدرية، وأن تكون موصولة حذف عائدها. وقد كتبت متصلة بأن مع أن من حقها أن تكتب منفصلة عنها اتباعا للمصحف الإِمام أى لا يحسبن الكافرين أن إملاءنا لهم أو أن الذى نمليه لهم من تأخير حياتهم وانتصارهم فى الحروب فى بعض الأحيان، هو خير لهم.
وقرأ حمزة "ولا تحسبن الذين كفروا". فيكون الخطاب بالنهى متجها إلى النبى صلى الله عليه وسلم ويكون المفعول الأول لحسب هو {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} وقوله: {أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ} بدل من الذين كفروا ساداً مسد المفعول الثانى، أو يكون هو المفعول الثانى.
والمعنى: لا تحسبن يا محمد ولا يحسبن أحد من أمتك أن إملاءنا للذين كفروا هو خير لأنفسهم، بل هو شر لهم، لأننا ما أعطيناهم الكثير من وسائل العيش الرغيد إلا على سبيل الاستدراج، وسنعاقبهم على ما ارتكبوه من آثام عقابا عسيرا.
وقوله {إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوۤاْ إِثْمَاً} استئناف واقع موقع التعليل للنهى عن حسبان الإِملاء خيراً للكافرين.
أى إنما نزيدهم من وسائل العيش الرغيد ليزدادوا آثاما بكثرة ارتكابهم للسيئات. فتكون نتيجة ذلك أن نزيدهم من العذاب المهين الذى لا يستطيعون دفعه أو التهرب منه.
و "إنما" فى قوله {إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ} أداة حصر مركبة من "إن" التى هى حرف توكيد ومن "ما" الزائدة الكافة.
واللام فى قوله {لِيَزْدَادُوۤاْ إِثْماً} هى التى تسمى بلام العاقبة كما فى قوله - تعالى -
{ فَٱلْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً } أى"إنما نملى لهم فيزدادون إثما، فلما كان ازدياد الإِثم ناشئا عن الإِملاء كان كالعلة له، وكانت نتيجة هذا الإِملاء أن وقعوا فى العذاب المهين.
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -
{ وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي ٱلدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ } وقوله - تعالى - { فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ } ثم بين - سبحانه - بعض الحكم التى اشتملت عليها غزوة أحد فقال - تعالى - {مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ}.
وقوله {لِيَذَرَ} أى ليترك. والمراد بالمؤمنين: المخلصون الذين صدقوا فى إيمانهم والمراد بقوله {عَلَىٰ مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ} أى اختلاط المؤمنين بالمنافقين واستواؤهم فى إجراء الأحكام.
ومعنى يميز يفصل. وقرىء يميز أن يحدد ويبين.
والمراد بالخبيث: المنافق ومن على شاكلته من ضعاف الإِيمان.
والمراد بالطيب: الصادق فى إيمانه.
والمعنى: ليس من شأن الله - تعالى - ولا من حكمته وسنته فى خلقه أن يترككم أيها المؤمنون على ما أنتم عليه من الالتباس واختلاط المنافقين بكم، بل الذى من شأنه وسنته أن يبتليكم ويمتحنكم بألوان من المصائب والشدائد حتى يتميز المؤمنون من المنافقين، وينفصل الأخيار عن الأشرار.
قال ابن كثير: أى لا بد أن يعقد سبباً من المحنة، يظهر فيه وليه ويفضح به عدوه، يعرف به المؤمن الصابر والمنافق الفاجر، يعنى بذلك يوم أحد الذى امتحن الله به المؤمنين فظهر به إيمانهم وصبرهم وجلدهم وثباتهم وطاعتهم لله لرسوله وهتك به ستار المنافقين، فظهرت مخالفتهم، ونكولهم عن الجهاد، وخيانتهم لله ولرسوله. قال مجاهد: ميز بينهم يوم أحد".
وعبر - سبحانه - عن المؤمن بالطيب، وعن المنافق بالخبيث، ليسجل على كل منهما ما يليق به من الأوصاف، وللإِشعار بعلة الحكم.
وقوله {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى ٱلْغَيْبِ وَلَكِنَّ ٱللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَآءُ} معطوف على قوله {مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ}.
والغيب: ضد المشاهد. وهو كل ما غاب عن الحواس ولا تمكن معرفته إلا عن طريق الوحى من الله - تعالى - على رسوله صلى الله عليه وسلم.
واجتبى: من الاجتباء بمعنى الاختيار والاصطفاء.
أى: وما كان الله - تعالى - ليعطى أحدا منكم - معشر المؤمنين - علم الغيوب الذى به تعرفون المؤمن من المنافق، إذ علم ذلك له وحده، ولكنه - سبحانه - يصطفى من رسله من يريد اصطفاءه فيطلعه على بعض الغيوب، وذلك كما حدث لنبيكم صلى الله عليه وسلم فقد أطلعه - سبحانه - على ما دبره له اليهود حين هموا باغتياله، وأطلعه على حال تلك المرأة التى أرسلها حاطب بن أبى بلتعة برسالة إلى قريش لتخبرهم باستعداد الرسول صلى الله عليه وسلم لحربهم. وأطلعه على بعض أحوال المنافقين.
قال - تعالى -
{ عَالِمُ ٱلْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَداً إِلاَّ مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ } وفى قوله - تعالى - {وَلَكِنَّ ٱللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَآءُ} إيذان بأن الوقوف على أمثال تلك الأسرار الغيبية، لا يتأتى إلا ممن رشحه الله - تعالى - لمنصب جليل، تقاصرت عنه همم الأمم، واصطفاه على الناس لإِرشادهم.
ثم أمر الله - تعالى - عباده أن يثبتوا على الإِيمان، وبشرهم بالأجر العظيم إذ هم استمروا على ذلك فقال: {فَآمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ}.
أى: إذا علمتم أيها المؤمنون أن الله لا يطلع على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول، فإنه يجب عليكم أن تؤمنوا بالله وبرسله حق الإِيمان، وإن تؤمنوا بالله - تعالى - وبرسله حق الإِيمان، وتتقوا المخالفة فى الأمر والنهى، فلكم فى مقابلة ذلك من الله - تعالى - ما لا يقادر قدره من الثواب العظيم، والأجر الجزيل.
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك سوء مصير الذين يبخلون بنعم الله، فلا يؤدون حقها. ولا يقومون بشكرها فقال - تعالى -: {وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَّهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ}.
وقوله {يَبْخَلُونَ} من البخل وهو ضد الجود والسخاء، ومعناه: أن يقبض الإِنسان يده عن إعطاء الشىء لغيره، وأن يحرص حرصاً شديداً على ما يملكه من مال أو علم أو غير ذلك.
ويرى جمهور المفسرين أن المراد بالبخل هنا البخل بالمال، لأنه هو الذى يتفق مع السياق.
ويرى بعضهم أن المراد بالبخل هنا البخل بالعلم وكتمانه، وذلك لأن اليهود كتموا صفات النبى صلى الله عليه وسلم التى جاءت بها التوراة.
والذى تراه أن ما عليه الجمهور هو الأرجح، لأنه هو المتبادر من معنى الآية، وهو المتفق من سياق الكلام.
ولذا قال الآلوسى: قوله - تعالى - {وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ} بيان لحال البخل وسوء عاقبته، وتخطئة لأهله فى دعواهم خيريته عقب بيان حال الإِملاء...
وقيل: وجه الارتباط أنه - تعالى - لما بالغ فى التحريض على بذل الأرواح فى الجهاد وغيره، شرع هنا فى التحريض على بذل المال، وبين الوعيد الشديد لمن يبخل به".
والمعنى: ولا يظنن أولئك الذين يبخلون بما أعطاهم الله من نعم وأموال أن بخلهم فيه خير لهم، كلا، بل إن بخلهم هذا فيه شر عظيم لهم.
والنهى عن الحسبان بأن البخل فيه خير فى قوله {وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ} يدل على النفى المؤكد.
أى لا يصح لهم أن يظنوا بأية حال من الأحوال أن ذلك البخل فيه خير لهم. بل الحقيقة أن فيه شراً كبيراً لهم.
وفى قوله {بِمَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ} إشعار بسوء صنيعهم، وخبث نفوسهم، حيث بخلوا بشىء ليس وليد علمهم واجتهادهم، وإنما هذا الشىء منحه الله - تعالى - لهم بفضله وجوده، فكان الأولى لهم أن يشكروه على ما أعطى، وأن يبذلوا مما أعطاهم فى سبيله.
والضمير "هو" يعود على البخل المستفاد من قوله {يَبْخَلُونَ}.
ويرى الزمخشرى أنه ضمير فصل لتأكيد نفى الظن فى الخيرية.
وفى إعادة الضمير، وذكر الجملة الإِسمية فى قوله {بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ} تأكيد لمعنى الشر فى البخل، وأنه لا خير من ورائه قط، ففى الحديث الشريف الذى رواه الإِمام مسلم فى صحيحه عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم، واستحلوا محارمهم".
ثم بين - سبحانه - المصير المؤلم لأولئك البخلاء فقال - تعالى - {سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ}.
وقوله {سَيُطَوَّقُونَ} مشتق من الطوق، وهو ما يلبس من أسفل الرقبة. أى تجعل أموالهم أطواقا حول رقابهم، وأغلالا حول أجسادهم، فيعذبون عذابا أليما بحملها.
وجمهور المفسرين على أن الكلام على ظاهره، وأن عذاب هؤلاء البخلاء بنعم الله، سيكون نوعا من العذاب الأخروى المحسوس. وقد أيد القرطبى هذا الاتجاه فقال:
"وهذه الآية نزلت فى البخل بالمال والإِنفاق فى سبيل الله وأداء الزكاة المفروضة، ذهب إلى هذا جماعة من المتأولين، منهم: ابن مسعود وابن عباس وأبو وائل.
قالوا: ومعنى {سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} هو الذى ورد فى الحديث عن أبى هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: "من أتاه الله مالا فلم يؤد زكاته مثل له يوم القيامة شجاعا أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة ثم يأخذ بلهزمتيه - أى شدقيه - ثم يقول له. أنا مالك أنا كنزك. ثم تلا هذه الآية: {وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ}.
ويرى بعض العلماء أن هذا الوعيد على سبيل التمثيل، وأن الظاهر غير مراد ومعنى قوله {سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ} عند هذا البعض: سيكلفون أن يأتوا بمثل ما بخلوا به من أموالهم يوم القيامة عقوبة لهم، فلا يأتون لأنهم ليس فى قدرتهم ذلك.
أو المعنى: سيلزمون وبال ما بخلوا به لزوم الطوق، ويتحملون وزر ذلك يوم القيامة.
فالآية الكريمة تدعو المؤمنين إلى الجود والسخاء من أجل إعلاء كلمة الله، وتتوعد البخلاء بأقسى ألوان الوعيد وأفظعها. وتبين أن كل ما فى هذا الكون إنما هو ملك لله - تعالى - وحده، فهو المعطى وهو المانع، ولذا قال - تعالى -: {وَللَّهِ مِيرَاثُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}.
والميراث: مصدر كالميعاد. وأصله موراث فقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها. والمراد به ما يتوارث.
والمعنى: أن لله - تعالى - وحده لا لأحد غيره ما فى السماوات والأرض مما يتوارثه أهلهما من مال وغيره، فما بال هؤلاء القوم يبخلون عليه بما يملكه، ولا ينفقونه فى سبيله. وعلى هذا يكون الكلام جار على حقيقته ولا مجاز فيه.
ويصح أن يكون المعنى: أن الله - تعالى - يرث من هؤلاء ما فى أيديهم مما بخلوا به من مال وغيره وينتقل منهم إليه حين يميتهم ويفنيهم، وتبقى الحسرة والندامة عليهم. وعلى هذا يكون الكلام على سبيل المجاز.
قال الزجاج: أى أن الله - تعالى - يفنى أهلهما. فيفنيان بما فيهما، فليس لأحد فيهما ملك. فخوطبوا بما يعلمون، لأنهم يجعلون ما يرجع إلى الإِنسان ميراثا، ملكا له".
وقوله {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} تذييل قصد به حضهم على الإِنفاق، ونهيهم عن البخل، أى أن الله - تعالى - خبير ومطلع على ما يصدر عنكم من سخاء أو بخل أو غيرهما، وسيجازى الذين أساءوا بما عملوا، ويجازى الذين أحسنوا الحسنى.
وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد ساقت ألوانا من التسلية للنبى صلى الله عليه وسلم ولأتباعه، وبشرتهم بأن العاقبة ستكون لهم، وفضحت المنافقين وهتكت ما تستروا به من رياء وخداع، وبينت أن من سنن الله فى خلقه أن يبتلى عباده بشتى ألوان البلاء ليتميز الخبيث من الطيب، وأنه - سبحانه - يملى للكافرين ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر، وأن البخلاء بما آتاهم الله من فضله ستكون عاقبتهم شرا، ومصيرهم إلى العذاب الأليم.
ثم أخذت السورة الكريمة - بعد أن فضحت المنافقين - فى الحديث عن بعض رذائل أهل الكتاب، وفى التحذير من شرورهم، وفى بيان طبيعة هذه الحياة وما تحمله من بلاء واختبار فقال - تعالى -: {لَّقَدْ سَمِعَ....}.