التفاسير

< >
عرض

وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
١٨٩
إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ
١٩٠
ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ
١٩١
رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ
١٩٢
رَّبَّنَآ إِنَّنَآ سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلأَبْرَارِ
١٩٣
رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ
١٩٤
فَٱسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنْكُمْ مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَـٰرِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَـٰتَلُواْ وَقُتِلُواْ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ ثَوَاباً مِّن عِندِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ ٱلثَّوَابِ
١٩٥
لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي ٱلْبِلاَدِ
١٩٦
مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ
١٩٧
لَكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلاً مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ لِّلأَبْرَارِ
١٩٨
وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَٰشِعِينَ للَّهِ لاَ يَشْتَرُونَ بِآيَـٰتِ ٱللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُوْلـٰئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ
١٩٩
يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
٢٠٠
-آل عمران

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

قوله - تعالى - {وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} أى له وحده - سبحانه - ملك السماوات والأرض بما فيهما، فهو وحده صاحب السلطان القاهر فى هذا العالم يتصرف فيه كيفما يشاء ويختار: إيجادا وإعداما، وإحياء وإماتة، وتعذيبا وإثابة، وهو - سبحانه - على كل شى قدير، لا يعجزه أمر، ولا يدفع عقابه دافع، ولا يمنع عقابه مانع، فعليكم أيها الناس أن تطيعوه وأن تحذروا غضبه ونقمته.
وبعد أن بين - سبحانه - أن ملك السماوات والأرض بقبضته، أشار - سبحانه - إلى ما فيهما من عبر وعظات فقال: {إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ}.
أى: إن فى إيجاد السماوات والأرض على هذا النحو البديع، وما فيهما من الآيات المشاهدة العظيمة من كواكب وبحار وزروع وأشجار... وفى إيجاد الليل والنهار على تلك الحالة المتعاقبة، وفى اختلافهما طولا وقصرا.. فى كل ذلك لأمارات واضحة، وأدلة ساطعة، لأصحاب العقول السليمة على وحدانية الله - تعالى - وعظيم قدرته، وباهر حكمته.
وصدرت الجملة الكريمة بحرف "إن" للاهتمام بالخبر، وللاعتناء بتحقيق مضمون الجملة.
أى إن فى إيجاد السماوات والأرض وإنشائهما على ما هما عليه من العجائب، وما اشتملتا عليه من البدائع، وفى اختلاف الليل والنهار... إن فى كل ذلك من العبر والعظات ما يحمل كل عاقل على الاعتراف بوحدانية الله، وكمال قدرته وحكمته.
والمراد بأولى الألباب: أصحاب العقول السليمة، والأفكار المستقيمة، لأن لب الشىء هو خلاصته وصفوته.
ولقد قال الزمخشرى فى صفة أولى الألباب: "هم الذين يفتحون بصائرهم للنظر والاستدلال والاعتبار، ولا ينظرون إليها نظر البهائم غافلين عما فيها من عجائب الفطرة. وفى الحكم: املأ عينيك من زينة هذه الكواكب، وأجلهما فى جملة هذه العجائب متفكرا فى قدرة مقدرها، متدبرا فى حكمة مدبرها قبل أن يسافر بك القدر، ويحال بينك وبين النظر".
هذا، وقد أورد المفسرون كثيرا من الآثار فى فضل هذه الآيات العشر التى اختتمت بها سورة آل عمران، ومن ذلك قول ابن كثير -رحمه الله -:
وقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ هذه الآيات العشر من آخر آل عمران إذا قام من الليل لتهجده فقد روى البخارى -رحمه الله - عن ابن عباس - رضى الله عنهما - قال: بت عند خالتى ميمونة، فتحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أهله ساعة ثم رقد: فلما كان ثلث الليل الآخر قعد فنظر إلى السماء فقال: {إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ}... الآيات. ثم قام فتوضأ واستن، ثم صلى إحدى عشرة ركعة، ثم أذن بلال فصلى ركعتين ثم خرج فصلى بالناس الصبح.
وروى مسلم وأبو داود والنسائى عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج ذات ليلة بعد ما مضى شطر من الليل فنظر إلى السماء وتلا هذه الآية {إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} إلى آخر السورة.
ثم قال:
"اللهم اجعل فى قلبى نوراً، وفى سمعى نوراً، وفى بصرى نوراً، وعن يمينى نوراً، وعن شمالى نوراً، ومن بين يدى نوراً، ومن خلفى نوراً، ومن فوقى نوراً، ومن تحتى نوراً. وأعظم لى نوراً يوم القيامة" .
وروى ابن مردويه عن عطاء قال: "انطلقت أنا وابن عمر وعبيد بن عمير إلى عائشة - رضى الله عنها - فدخلنا عليها وبيننا وبينها حجاب فقال لها ابن عمر: أخبرينا بأعجب ما رأيتيه من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فبكت وقالت: كل أمره كان عجبا!! أتانى فى ليلتى حتى مسَّ جلده جلدى ثم قال: يا عائشة: ذرينى أتعبد لربى - عز وجل - قالت: فقلت والله أنى لأحب قربك وإنى أحب أن تعبد ربك.
فقام إلى القربة فتوضأ ولم يكثر صب الماء، ثم قام يصلى فبكى حتى بل لحيته، ثم سجد فبكى حتى بل الأرض، ثم اضطجع على جنبه فبكى. حتى إذا أتى بلال يؤذنه بصلاة الصبح قالت: فقال: يا رسول الله ما يبكيك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: ويحك يا بلال!! وما يمنعنى أن أبكى وقد أنزل الله على هذه الليلة: {إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} إلخ الآيات.
ثم قال: ويل لمن يقرأها ولم يتفكر فيها"
.
ثم وصف - سبحانه - أولى الألباب بصفات كريمة فقال: {ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ}.
فقوله {ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ} إلخ. فى موضع جر على أنه نعت لأولى الألباب. ويجوز أن يكون فى موضع رفع أو نصب على المدح.
أى: {إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ} لآيات واضحات على وحدانية الله وقدرته، لأصحاب العقول السليمة، الذين من صفاتهم أنهم {يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ} أى يستحضرون عظمته فى قلوبهم، ويكثرون من تسبيحه وتمجيده بألسنتهم، ويداومون على ذلك فى جميع أحوالهم. فهم يذكرونه قائمين، ويذكرونه قاعدين. ويذكرونه وهم على جنوبهم فالمراد بقوله {قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ} أن ذكرهم لله - تعالى - بقلوبهم وألسنتهم يستغرق عامة أحوالهم".
وقوله {قِيَاماً وَقُعُوداً} منصوبان على الحالية من ضمير الفاعل فى قوله: {يَذْكُرُونَ}.
وقوله {وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ} متعلق بمحذوف معطوف على الحال أى: وكائنين على جنوبهم أى مضطجعين.
ثم وصفهم سبحانه وتعالى بوصف آخر فقال: {وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} أى أن من صفات هؤلاء العباد أصحاب العقول السليمة أنهم يكثرون من ذكر الله - تعالى -، ولا يكتفون بذلك، بل يضيفون إلى هذا الذكر والتدبر والتفكر فى هذا الكون وما فيه من جمال الصنعة، وبديع المخلوقات، ليصلوا من رواء ذلك إلى الإِيمان العميق، والإِذعان التام، والاعتراف الكامل بواحدانية الله. وعظيم قدرته...
فإن من شأن الأخيار من الناس أنهم يتفكرون فى مخلوقات الله وما فيها من عجائب المصنوعات، وغرائب المبتدعات، ليدلهم ذلك على كمال قدرة الصانع - سبحانه -، فيعلموا أن لهذا الكون قادراً مدبراً حكيما، لأن عظم آثاره وأفعاله، تدل على عظم خالقها.
ولقد ذكر العلماء كثيرا من الأقوال التى تحض على التفكير السليم، وعلى التدبر فى عجائب صنع الله، ومن ذلك قول سليمان الدارانى: "إنى أخرج من بيتى فما يقع بصرى على شىء إلا رأيت لله على فيه نعمة، ولى فيه عبرة"، وقال الحسن البصرى: "تفكر ساعة خير من قيام ليلة".
وقال الفخر الرازى: دلائل التوحيد محصورة فى قسمين: دلائل الآفاق، ودلائل الأنفس. ولا شك أن دلائل الآفاق أجل وأعظم، كما قال - تعالى:
{ لَخَلْقُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ } ولما كان الأمر كذلك لا جرم أنه فى هذه الآية بالفكر فى خلق السماوات والأرض، لأن دلالتها أعجب. وشواهدها أعظم".
وقد وبخ - سبحانه - الذين يرون العبر فلا يعتبرون، وتمر أمامهم العظات فلا يتعظون ولا يتفكرون فقال - تعالى -:
{ وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِٱللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ } ثم حكى - سبحانه - ثمرات ذكرهم لله وتفكرهم فى خلقه فقال: {رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}.
أى أنهم بعد أن أذعنت قلوبهم للحق، ونطقت ألسنتهم بالقول الحسن، وتفكرت عقولهم فى بدائع صنع الله تفكيرا سليما، استشعروا عظمة الله استشعاراً ملك عليهم جوارحهم، فرفعوا أكف الضراعة إلى الله بقولهم:
يا ربنا إنك ما خلقت هذا الخلق البديع العظيم الشأن عبثاً، أو عاريا من الحكمة. أو خالياً من المصلحة، {سُبْحَانَكَ} أى ننزهك تنزيها تاما عن كل ما لا يليق بك {فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} أى فوفقنا للعمل بما يرضيك، وأبعدنا عن عذاب النار.
وقوله {رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً} إلخ جملة واقعة موقع الحال على تقدير قوله أى يتفكرون قائلين ربنا. لأن هذا الكلام أريد به حكاية قولهم بدليل ما بعده من الدعاء.
وقوله: باطلا صفة لمصدر محذوف أى خلقاً باطلاً، أو حال من المفعول والمعنى يا ربنا ما خلقت هذا المخلوق العظيم الشأن عاريا عن الحكمة، خالياً من المصلحة، بل خلقته مشتملا على حكم جليلة، منتظما لمصالح عظيمة.
وكان نداؤهم لخالقهم - عز وجل - بلفظ {رَبَّنَآ} اعترافا منهم بأنه هو مربيهم وخالقهم فمن حقه عليهم أن يفردوه بالعبادة والخضوع.
وسبحان اسم مصدر بمعنى التسبيح أى التنزيه، وهو مفعول بفعل مضمر لا يكاد يستعمل معه أى، تنزهت ذاتك وتقدست عن كل ما لا يليق، وجىء بفاء التعقيب فى حكاية قولهم {فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} لأنه ترتب على اعتقادهم بأنه سبحانه - لم يخلق هذا عبثاً - أن هناك ثواباً وعقاباً، فسألوا الله - تعالى - أن يجعلهم من أهل الجنة لا من أهل النار.
وقوله - تعالى - حكاية عنهم {رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ} فى مقام التعليل لضراعتهم بأن يبعدهم عن النار.
أى: أبعدنا يا ربنا عن عذاب النار، فإنك من تدخله النار تكون قد أخزيته أى أهنته وفضحته على رءوس الأشهاد.
والخزى: مصدر خزى يخزى بمعنى ذل وهان بمرأى من الناس. وفى هذا التعليل مبالغة فى تعظيم أمر العقاب بالنار، وإلحاح فى طلب النجاة منها، لأن من سأل ربه حاجة، إذا شرح عظمها وقوتها، كان رجاؤه فى القبول أشد، وإخلاصه أتم، وشعوره بالعطاء أقوى.
وقوله {وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} أى ليس لهم ناصر ينصرهم من عقاب الله - تعالى - أو يخلصهم مما وقعوا فيه من بلاء.
و "من" للدلالة على استغراق النفى، أى لا ناصر لهم أيا كان هذا الناصر، وفى ذلك إشارة إلى انفراد الله - تعالى - بالسلطان ونفاذ الإِرادة.
ثم حكى - سبحانه - لوناً آخر من ألوان ضراعتهم يدل على قوة إيمانهم فقال - تعالى - {رَّبَّنَآ إِنَّنَآ سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا}.
أى أنهم يقولون على سبيل الضراعة والخضوع لله رب العالمين: يا ربنا إننا سمعنا مناديا ينادى أى داعياً يدعو إلى الإِيمان وهو محمد صلى الله عليه وسلم، فاستجبنا لدعوته، وآمنا بما دعانا إليه بدون تردد أو تسويف.
وفى وصفه صلى الله عليه وسلم بالمنادى، دلالة على كمال اعتنائه بشأن دعوته التى يدعو إليها، وأنه حريص على تبليغها للناس تبليغا تاما.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: فأى فائدة فى الجمع بين "المنادى" و {يُنَادِي}؟ قلت: ذكر النداء مطلقا، ثم مقيداً بالإِيمان، تفخيما لشأن المنادى؛ لأنه لا منادى أعظم من مناد ينادى للإِيمان. ونحوه قولك: مررت بهاد يهدى للإِسلام. وذلك أن المنادى إذا أطلق ذهب الوهم إلى مناد للحرب، أو لإِغاثة المكروب، أو لكفاية بعض النوازل، أو لبعض المنافع. وكذلك الهادى قد يطلق على من يهدى للطريق ويهدى لسداد الرأى وغير ذلك.
فإذا قلت: ينادى للإِيمان. ويهدى للإِسلام، فقد رفعت من شأن المنادى والهادى وفخمته.
و "أن" فى قوله {أَنْ آمِنُواْ} تفسيرية لما فى فعل {يُنَادِي} من معنى القول دون حروفه، وجىء بفاء التعقيب فى قوله - تعالى - حكاية عنهم {فَآمَنَّا}؛ للدلالة على المبادرة والسبق، إلى الإِيمان، وأنهم قد أقبلوا على الداعى إلى الله بسرعة وامتثال، وفى ذلك دلالة على سلامة فطرتهم، وبعدهم عن المكابرة والعناد.
ثم حكى - سبحانه - مطلبهم فقال: {رَبَّنَا فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلأَبْرَارِ}.
أى نسألك يا ربنا بعد أن آمنا بنبيك، واستجبنا للحق الذى جاء به، أن تغفر لنا ذنوبنا بأن تسترها وتعفو عنها، وأن تكفر عنا سيئاتنا بأن تزيلها وتمحوها وتحولها إلى حسنات أو بأن تحشرنا مع الأبرار أى مع عبادك الصالحين المستقيمين الأخيار. إذ الأبرار جمع بار وهو الشخص الكثير الطاعة لخالقه - تعالى -.
فأنت تراهم قد طلبوا من خالقهم ثلاثة أمور، غفران الذنوب، وتكفير السيئات، والوفاة مع الأبرار الأخيار، وهى مطالب تدل على قوة إيمانهم، وصفاء نفوسهم، وزهدهم فى متع الحياة الدنيا.
وقد جمعوا فى طلبهم بين غفران الذنوب وتكفير السيئات، لأن السيئة عصيان فيه إساءة، والذنب عصيان فيه تقصير وتباطؤ عن فعل الخير، والغفران والتكفير كلاهما فيه معنى الستر والتغطية، إلا أن الغفران يضتمن معنى عدم العقاب، والتكفير يتضمن ذهاب أثر السيئة.
ومعنى وفاتهم مع الأبرار: أن يموتوا على حالة البر والطاعة وأن تلازمهم تلك الحالة إلى الممات، وألا يحصل منهم ارتداد على أدبارهم، بل يستمروا على الطاعة استمرارا تاما.
وبذلك يكونون فى صحبة الأبرار وفى جملتهم.
ثم حكى القرآن أنهم ترقوا فانتقلوا من طلب الغفران إلى طلب الثواب الجزيل، والعطاء الحسن فقال - تعالى - حكاية عنهم {رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ}.
أى نسألك يا ربنا أن تعطينا وتمنحنا بعد وفاتنا، وحين قيامنا من قبورنا يوم القيامة، ما وعدتنا به من ثواب فى مقابل تصديقنا لرسلك، وطاعتنا لهم، واستجابتنا لأوامرهم ونواهيهم {وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} أى ولا تذلنا ولا تفضحنا يوم المحشر على رءوس الأشهاد {إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ} أى إنك - سبحانك - لا تخلف وعدك الذى وعدته لعبادك الصالحين.
فهم قد جعلوا هذا الدعاء وهو طلب الثواب الجزيل يوم القيامة، ختاما لدعواتهم، لشعورهم بهفواتهم وبتقصيرهم أمام فضل الله ونعمه.
والمراد بقولهم {مَا وَعَدتَّنَا} الثواب والعطاء الكائن منه - سبحانه - و "ما" موصولة أى آتنا الذى وعدتنا به أو وعدتنا إياه.
وقوله {عَلَىٰ رُسُلِكَ} فيه مضاف محذوف أى آتنا ما وعدتنا على ألسنة رسلك من ثواب. أو آتنا ما وعدتنا على تصديق رسلك والإِيمان بهم من جزاء حسن.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: كيف دعوا الله بإنجاز ما وعد والله لا يخلف الميعاد؟.
قلت: معناه طلب التوفيق فيما يحفظ عليهم أسباب إنجاز الميعاد، أو هو من باب الملجأ إلى الله والخضوع له، كما كان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، "يستغفرون مع علمهم بأنهم مغفور لهم، يقصدون بذلك التذلل لربهم، والتضرع إليه، والملجأ الذى هو سيما العبودية".
تلك هى الدعوات الخاشعات التى حكاها - سبحانه - عن أصحاب العقول السليمة، وهم يتضرعون بها إلى خالقهم - عز وجل - فماذا كانت نتيجتها؟
لقد كانت نتيجة دعواتهم، أن أجاب الله لهم سؤالهم وحقق لهم مطلوبهم فقال - تعالى - {فَٱسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنْكُمْ مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ}!!.
قال الحسن البصرى: "ما زالوا يقولون ربنا حتى استجاب لهم".
وقال جعفر الصادق: "من حزبه أمر فقال خمس مرات {رَبَّنَآ} أنجاه الله مما يخاف، وأعطاه ما أراد، قيل: وكيف ذلك؟ قال: اقرءوا أن شئتم قوله - تعالى - {ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَاماً}... إلخ فإن هؤلاء الأخيار قد نادوا ربهم خمس مرات فأجاب الله لهم دعاءهم.
ودلت الفاء فى قوله {فَٱسْتَجَابَ} على سرعة الإِجابة، لأن الفاء للتعقيب، فهم لأنهم دعوا الله بقلب سليم، أجاب الله لهم دعاءهم بدون إبطاء.
واستجاب هنا بمعنى أجاب عند جمهور العلماء، إذ السين والتاء للتأكيد، مثل استوقد واستخلص.
وقال بعضهم: إن استجاب أخص من أجاب، لأن استجاب يقال لمن قبل ما دعى إليه، وأجاب أعم فيقال لمن أجاب بالقبول وبالرد.
والمعنى: أن الله - تعالى - قد بشر هؤلاء الأخيار برضاه عنهم، بأن أخبرهم بأنه قد أجاب لهم دعاءهم، وأنه - سبحانه - لا يضيع عمل عامل منهم، بل سيجازيهم بالجزاء الأوفى، وسيمنحهم من الثواب. فوق ما عملوا لأنه هو الكريم الوهاب، ولن يفرق فى عطائه بين ذكر وأنثى، لأن الذكر من الأنثى والأنثى من الذكر وقد خلقهم جميعا من نفس واحدة.
وفى التعبير باللفظ السامى {رَبُّهُمْ} إشارة إلى أن الذى سيجزيهم هو خالقهم ومربيهم والمنعم عليهم، والرحيم بهم.
ومعنى {لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنْكُمْ} لا أزيل ثواب عمل أى عامل منكم، بل أكافئه عليه بما يستحقه، وأعطيه من ثوابى ورحمتى ما يشرح صدره، ويدخل البهجة والسرور على نفسه.
وقوله {مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ} بيان لعامل، وتأكيد عمومه، أى لا أضيع عمل أى شخص عامل سواء أكان هذا العامل ذكراً أم أنثى.
ومعنى {بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ} أن الذكر من الأنثى والأنثى من الذكر، كلكم بنو آدم وهذه جملة معترضة مبينة لسبب شركة النساء مع الرجال فيما وعد الله به عباده من أجر جزاء أعمالهم الصالحة.
روى الترمذى عن أم سلمة قالت: يا رسول الله، لا أسمع الله - تعالى - ذكر النساء فى الهجرة، فأنزل الله - تعالى - {فَٱسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنْكُمْ مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ}.
ثم بين - سبحانه - الأعمال الصالحة التى استحق بها هؤلاء الأبرار حسن الثواب منه - سبحانه - فقال: {فَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ}.
أى: فالذين هاجروا بأن تركوا أوطانهم التى أحبوها إلى أماكن أخرى من أجل إعلاء كلمة الله، وأخرجوا من ديارهم، فرارا بدينهم من ظلم الظالمين، واعتداء المعتدين، {وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي} أى تحملوا الأذى والاضطهاد فى سبيل الحق الذى آمنوا به {وَقَاتَلُواْ} أعداء الله {وَقُتِلُواْ} وهم يجاهدون من أجل إحقاق الحق وإبطال الباطل.
هؤلاء الذين فعلوا كل ذلك، وعدهم الله - تعالى - بالأجر العظيم فقال: {لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ} أى لأمحون عنهم ما ارتكبوه من سيئات، ولأسترنها عليهم حتى تعتبر نسيا منسيا {وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} أى تجرى من تحت قصورها الأنهار التى فيها العسل المصفى، وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين.
وقوله {ثَوَاباً مِّن عِندِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ ٱلثَّوَابِ} أى لأثيبنهم ثوابا عظيما من عندى، والله - تعالى - عنده حسن الجزاء لمن آمن وعمل صالحا.
فأنت ترى أن الله - تعالى - قد منح هؤلاء الأخيار ذلك الأجر الجزيل لأنهم قد هاجروا من الأرض التى أحبوها إلى غيرها من أجل إعلاء كلمة الله، وأخرجوا منها مضطرين لا مختارين فرارا بدينهم، ولقد ذكر المؤرخون أن الرسول صلى الله عليه وسلم عندما خرج من مكة مهاجرا التفت إليها وقال:
"يا مكة والله لأنت أحب بلاد الله إلى ولولا أن قومك أخرجونى ما خرجت" .
ولأنهم قد تحملوا ما تحملوا من الأذى فى سبيل الله، ولأنهم قد جاهدوا أعداء الله وأعداءهم حتى استشهدوا وهم يقاتلون من أجل إعلاء كلمة الله.
وقوله {ٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ} مبتدأ، وهو تفصيل لعمل العامل منهم على سبيل التعظيم له، والتفخيم لشأنه. وخبره قوله {لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ}.
وقوله {وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ} معطوف على {هَاجَرُواْ}. وجمع بينهما للإِشعار بأنهم قد تركوا أوطانهم تارة باختيارهم ليبحثوا عن مكان أصلح لنماء دعوتهم، وانتشار الحق الذى اعتنقوه، وتارة بغير اختيارهم بل تركوها مجبرين ومضطرين بعد أن ألجأهم أعداؤهم إلى الخروج منها بسبب ما نالهم منهم من ظلم واعتداء.
وقوله {وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي} معطوف على ما قبله. والمراد من الإِيذاء ما هو أعم من أن يكون بالإِخراج من الديار، أو غير ذلك مما كان يصيب المؤمنين من جهة المشركين.
وجمع - سبحانه - بين قوله {وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ} للإِشارة إلى أن للقسمين ثوابا وأنهم لن يصيبهم إلا إحدى الحسنيين: النصر أو الشهادة، وقوله: {لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ} جواب قسم محذوف، أى والله لأكفرن عنهم سيئاتهم.
وقدّم - سبحانه - تكفير سيئاتهم على إدخالهم الجنة، لأن التخلية - كما يقولون - مقدمة على التحلية، فهو أولا طهرهم من الذنوب والآثام ونقاهم منها، ثم أدخلهم بعد ذلك جنته وأعطاهم فيها ما لا عين رأت، ولا أُذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
وقوله {ثَوَاباً} مصدر مؤكد لما قبله، لأن المعنى لأثيبنهم على ما عملوه ثوابا عظيما.
وقوله {مِّن عِندِ ٱللَّهِ} صفة لقوله {ثَوَاباً} وهو وصف مؤكد؛ لأن الثواب لا يكون إلا من عنده - تعالى -، لكنه صرح به - سبحانه - تعظيما للثواب وتفخيما لشأنه.
وقوله {وَٱللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ ٱلثَّوَابِ} تذييل مقرر لمضمون ما قبله.
وقد ختم - سبحانه - الآية بهذه الجملة الكريمة لبيان اختصاصه بالثواب الحسن كأن كل جزاء للأعمال فى الدنيا لا يعد حسنا بجوار ما أعده - سبحانه - فى الآخرة لعباده المتقين.
وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد دعت المؤمنين إلى الإِكثار من ذكر الله وإلى التفكر السليم فى عجائب صنعه، وساقت لنا ألوانا من الدعوات الطيبات الخاشعات التى تضرع بها الأخيار إلى خالقهم، وبينت لنا الثواب الجزيل والعطاء العظيم الذى منحه الله لهم فى مقابل إيمانهم الصادق، وعملهم الصالح، فقد جرت سنته - سبحانه - أنه لا يضيع أجر من أحسن عملا، وأنه لا يرد دعاء الأبرار من عباده.
وبعد أن بشر - سبحانه - عباده المؤمنين الصادقين بهذا الثواب الحسن، نهاهم عن الاغترار بما عليه الكافرون من قوة وسطوة ومتاع دنيوى فقال - تعالى - {لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي ٱلْبِلاَدِ مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ}.
يغرنك: من الغرور وهو الاطماع فى أمر محبوب على نية عدم وقوعه، أو إظهار الأمر المضر فى صورة الأمر النافع، وهو مشتق من الغرة بكسر الغين - وهى الغفلة - ويقال: رجل غر إذا كان ينخدع لمن خادعه.
والتقلب فى البلاد: التصرف فيها على جهة السيطرة والغلبة ونفوذ الإِرادة.
والمتاع: الشىء الذى يتمتع الإِنسان به لمدة معينة، والمعنى: لا يصح أن يخدع أحد بما عليه الكافرون من تقلب فى البلاد ومن تصرفهم فيها تصرف الحاكم المسيطر عليها، المستغل لثرواتها وخيراتها، فإن تصرفهم هذا لن يستمر طويلا، بل سيبقى مدة قليلة يتمتعون فيها بما بين أيديهم ثم يزول عنهم كل شىء وسوف يعودون إلى خالقهم فيعذبهم العذاب الأكبر على ظلمهم وبغيهم وكفرهم.
والخطاب فى قوله {لاَ يَغُرَّنَّكَ} للرسول صلى الله عليه وسلم أو لكل من يتأتى له الخطاب، وهو نهى للمؤمنين عن أن يغتروا بما عليه الكافرون من جاه ونفوذ وسلطان وغنى.
وليس من مقتضى النهى أن يكون قد وقع المنهى عنه فإن الإِنسان قد ينهى عن شىء لم يقع منه لتحذيره من الوقوع فيه فى الحال أو المآل.
ولذا روى عن قتادة أنه قال: "والله ما غروا نبى الله حتى قبضه الله إليه".
ولقد قال صاحب الكشاف فى الجواب على أن النهى موجه إلى النبى صلى الله عليه وسلم فإن قلت: كيف جاز أن يغتر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك حتى ينهى عن الاغترار به؟ قلت: فيه وجهان:
أحدهما: أن عظيم القوم ومتقدمهم يخاطب بشىء فيقوم خطابه مقام خطابهم جميعا فكأنه قيل: لا يغرنكم.
والثانى: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان غير مغرور بحالهم فأكد ما كان عليه وثبت ما كان على التزامه كقوله
{ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكَينَ } وقوله {مَتَاعٌ} خبر لمبتدأ محذوف أى هو متاع وقوله {قَلِيلٌ} صفة لمتاع. ووصف بأنه قليل لقصر مدته، ولكونه متعة فانية زائلة بخلاف ما أعده الله للمتقين من نعيم فى الآخرة فإنه دائم لا يزول.
وجاء العطف {بثُمَّ} فى قوله {ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ} للإِشعار بالتفاوت الكبير بين حالهم فى الدنيا وما هم فيه من متاع زائل وبين ما سينالهم فى الآخرة من عذاب دائم لا ينقطع.
أى أنهم يتمتعون بهذه المتع العاجلة لفترة قليلة {ثُمَّ مَأْوَاهُمْ} أى مكانهم الذى يأوون إليه ويستقرون فيه {جَهَنَّمُ} التى لا يحيط الوصف بشدة عذابها {وَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ} أى بئس ما مهدوا لأنفسهم وفرشوا جهنم.
وفيه إشارة إلى أن مصيرهم إلى جهنم هم الذين كانوا سببا فيه بكفرهم واستحبابهم العمى على الهدى.
وفى هذا تعزية للمؤمنين وتسلية لهم عما يرونه من غنى وجاه وسلطان للمشركين وتحريض للأخيار على أن يجعلوا همهم الأكبر فى العمل الصالح الذى يوصلهم إلى رضوان الله الباقى، ففى الحديث الشريف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
"والله ما الدنيا فى الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه فى اليم. فلينظر بم يرجع" .
ثم بين - سبحانه - حسن عاقبة المؤمنين إثر بيانه لسوء عاقبة الكافرين فقال: {لَكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا}.
وافتتحت الآية الكريمة بحرف "لكن" الذى معناه الاستدراك، لأن مضمونها ضد الكلام الذى قبلها. ولكى تكون هناك مقابلة بين عاقبة المشركين الفجار وبين عاقبة المؤمنين الأخيار.
والمعنى: هذا هو شأن الكافرين يتقلبون فى البلاد لفترة قصيرة من الزمان هى مدة حياتهم فى هذه الدنيا الفانية ثم يتركون كل شىء عند موتهم ليلاقوا مصيرهم المحتوم وهو عذاب جهنم الذى لا ينقطع... لكن الذين اتقوا ربهم وخافوا مقامه ونهوا أنفسهم عن الهوى ليسوا كذلك فقد أعد الله لهم جنات تجرى من تحت قصورها وأشجارها الأنهار المليئة بأنواع المشارب الطيبة اللذيذة، وهم خالدون فى تلك الجنات خلودا أبديا لا انقطاع له ولا زوال... فأين مصير أولئك الأشرار من مصير هؤلاء الأخيار؟
فالآية الكريمة بيان لكمال حسن حال المؤمنين، إثر بيان سوء عاقبة الكافرين.
ثم قال - تعالى - {نُزُلاً مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ لِّلأَبْرَارِ}.
والنزل: ما يعد للنزيل والضيف لإِكرامه والحفاوة به من طعام وشراب وغيرهما. وهو منصوب على أنه حال من "جنات" لتخصيصها بالوصف، والعامل فيه ما فى الظرف من معنى الاستقرار.
أى لهم جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها حالة كون هذه الجنات منزلا مهيئاً لهم من عند الله - تعالى - على سبيل الإِكرام لهم، والتشريف لمنزلتهم.
وقوله {وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ لِّلأَبْرَارِ} أى ما عند الله من نعيم مقيم لعباده المتقين خير مما يتقلب فيه الكافرون من المتاع القليل الزائل.
ثم بين - سبحانه - أن أهل الكتاب ليسوا سواء. بل منهم الأشرار ومنهم الأخيار، وقد بين - سبحانه - هنا صفات الأخيار منهم فقال: {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ للَّهِ لاَ يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً}.
أى: {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ} وهم اليهود والنصارى لفريقاً {يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ} إيمانا حقا منزها عن الإِشراك بكل مظاهره ويؤمن بما {أُنزِلَ إِلَيْكُمْ} من القرآن الكريم على لسان نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم ويؤمن بحقيقة "ما أنزل إليهم" من التوراة والإِنجيل ولا يزالون مع هذا الإِيمان العميق {خَاشِعِينَ للَّهِ} أى خاضعين له - سبحانه - خائفين من عقابه، طالبين لرضاه {لاَ يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً} أى لا يبيعون آيات الله أو حقيقة من حقائق دينهم فى نظير ثمن هو عرض من أعراض الدنيا الفانية، لأن هذا الثمن المأخوذ قليل حتى ولو بلغ القناطير المقنطرة من الذهب والفضة.
فأنت ترى أنه - سبحانه - قد وصفهم بخمس صفات كريمة تدل على صفاء نفوسهم وطهارة قلوبهم، وفى هذا إنصاف من القرآن الكريم للمهتدين من أهل الكتاب.
وقد ذكر القرآن ما يشبه هذه الآية فى كثير من سوره ومن ذلك قوله - تعالى -
{ لَيْسُواْ سَوَآءً مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ ٱللَّهِ آنَآءَ ٱللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ } وقوله - تعالى - { مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَآءَ مَا يَعْمَلُونَ } وقدم - سبحانه - إيمانهم بالقرآن على إيمانهم بما أنزل عليهم لأن القرآن هو المهيمن على الكتب السماوية والأمين عليها، فما وافقه منها فهو حق وما خالفه فهو باطل وقوله {خَاشِعِينَ للَّهِ} حال من فاعل {يُؤْمِنُ} وجمع حملا على المعنى:
ثم بين - سبحانه - جزاءهم الطيب بعد بيان صفاتهم الكريمة فقال: {أُوْلۤـٰئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ}.
أى أولئك الموصفون بتلك الصفات الكريمة لهم أجرهم الجزيل فى مقابل أعمالهم الصالحة وأفعالهم الحميدة.
وقوله {إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} كناية عن كمال علمه بمقادير الأجور ومراتب الاستحقاق وأنه يوفيها لكل عامل على ما ينبغى وقدر ما ينبغى.
ويجوز أن يكون كناية عن قرب إنجاز ما وعد من الأجر؛ فإن سرعة الحساب تستدعى سرعة الجزاء فكأنه قيل: لهم أجرهم عند ربهم عن قريب، لأن الله - تعالى - سريع الحساب والجزاء.
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بنداء جامع للمؤمنين، دعاهم فيه إلى الصبر والمصابرة والمرابطة والتقوى فقال: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}.
والصبر معناه: حبس النفس عن أهوائها وشهواتها وترويضها على تحمل المكره وتعويدها على أداء الطاعات.
والمصابرة: هى المغالبة بالصبر: بأن يكون المؤمن أشد صبراً من عدوه.
ورابطوا: من المرابطة وهى القيام على الثغور الإِسلامية لحمايتها من الأعداء، فهى استعداد ودفاع وحماية لديار الإِسلام من مهاجمة الأعداء.
والمعنى: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱصْبِرُواْ} على طاعة الله وعلى تحمل المكاره والآلام برضا لا سخط معه؛ فإن الصبر جماع الفضائل وأساس النجاح والظفر.
{وَصَابِرُواْ} أى قابلوا صبر أعدائكم بصبر أشد منه وأقوى في كل موطن من المواطن التى تستلزم الصبر وتقتضيه.
قال صاحب الكشاف: {وَصَابِرُواْ} أعداء الله فى الجهاد، أى غالبوهم فى الصبر على شدائد الحرب، ولا تكونوا أقل منهم صبراً وثباتاً فالمصابرة باب من الصبر ذكر بعد الصبر على ما يجب الصبر عليه تخصيصاً لشدته وصعوبته".
{وَرَابِطُواْ} أى أقيموا على مرابطة الغزو فى نحر العدو بالترصد له، والاستعداد لمحاربته وكونوا دائما على حذر منه حتى لا يفاجئكم بما تكرهون.
ولقد كان كثير من السلف الصالح يرابطون فى سبيل الله نصف العام، ويطلبون قوتهم بالعمل فى النصف الآخر.
ولقد ساق الإِمام ابن كثير جملة من الأحاديث التى وردت فى فضل المرابطة من أجل حماية ديار الإِسلام، ومن ذلك ما رواه البخارى فى صحيحه عن سهل ابن سعد الساعدى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
"رباط يوم فى سبيل الله خير من الدنيا وما فيها" .
وروى مسلم فى صحيحه عن سلمان الفارسى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذى كان يعمله، وأجرى عليه رزقه، وأمن الفتان" .
وبعضهم جعل المراد بالمرابطة انتظار الصلاة بعد الصلاة مستدلا بالحديث الذى رواه مسلم والنسائى عن أبى هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة. فذلكم الرباط" .
قال القرطبى: بعد أن ساق هذا الحديث -: "والقول الصحيح هو أن الرباط هو الملازمة فى سبيل الله - وأصلها من ربط الخيل، ثم سمى كل ملازم لثغر من ثغور المسلمين مرابطا فارسا كان أو راجلا. واللفظ مأخوذ من الرب. وقول النبى صلى الله عليه وسلم "فذلكم الرباط" إنما هو تشبيه بالرباط فى سبيل الله".
ومما يدل على أن المرابطة فى سبيل الله من أجل الديار الإِسلامية من أفضل الأعمال وأن الصالحين الأخيار من المسلمين كانوا لا ينقطعون عنها، مما يدل على ذلك ما كتبه عبد الله بن المبارك - وهو يرابط بطرسوس - إلى صديقه الفضيل بن عياض - وكان الفضيل معتكفا بالمسجد الحرام - كتب إليه عبد الله يقول:

يا عابد الحرمين لو أبصرتنالعلمت أنك فى العبادة تلعب
من كان يخضب خده بدموعهفنحورنا بدمائنا تتخضب
أو كان يتعب خيله فى باطلفخيولنا يوم الصبيحة تتعب
ريح العبير لكم ونحن عبيرنارهج السنابك والغبار الأطيب
ولقد أتانا من مقال نبيناقول صحيح صادق لا يكذب
لا يستوى غبار خيل الله فىأنف امرىء ودخان نار تلهب
هذا كتاب الله ينطق بينناليس الشهيد بميت لا يكذب

فلما قرأ الفضيل هذه الأبيات بكى وقال: صدق عبد الله.
وقوله {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} أى اتقوا الله بأن تصونوا أنفسكم عن محارمه وعن مخالفة أمره، ورجاء أن يكتب لكم الفوز بالنصر فى الدنيا، والثواب الحسن فى الآخرة.