التفاسير

< >
عرض

وَمِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِماً ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي ٱلأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ
٧٥
بَلَىٰ مَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ
٧٦
-آل عمران

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

قال الإِمام الرازى: اعلم أن تعلق هذه الآية - وهى قوله - ومن أهل الكتاب... بما قبلها من وجهين:
الأول: أنه - تعالى - حكى عنهم فى الآية المتقدمة أنهم ادعوا أنهم أوتوا من المناصب الدينية ما لم يؤت أحد غيرهم مثله، ثم إنه - تعالى - بين أن الخيانة مستقبحة عند جميع أرباب الأديان وهم مصرون عليها فدل هذا على كذبهم.
والثانى: أنه - تعالى - لما حكى عنهم فى الآية المتقدمة قبائح أحوالهم فيما يتعلق بالأديان وهو أنهم قالوا
{ وَلاَ تُؤْمِنُوۤاْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ } حكى فى هذه الآية بعض قبائح أحوالهم فيما يتعلق بمعاملة الناس، وهو إصرارهم على الخيانة والظلم وأخذ أموال الناس فى القليل والكثير.
قال ابن عباس: أودع رجل عند عبد الله بن سلام ألفا ومائتى أوقية من ذهب فأداها إليه. وأودع رجل آخر عند فنحاص بن عازوراء اليهودى دينارا فخانه فنزلت الآية.
والمعنى: إن من أهل الكتاب فريقاً أن تأتمنه على الكثير والنفيس من الأموال يؤده إليك عند طلبه كاملا غير منقوص، وإن منهم فريقاً آخر إن تأتمنه على القليل والحقير من حطام الدنيا يستحله ويجحده ولا يؤديه إليك إلا إذا داوم صاحب الحق على المطالبة بحقه واستعمل كل الوسائل فى الحصول عليه.
فالآية الكريمة قد مدحت من يستحق المدح من أهل الكتاب وهو الفريق الذى استجاب للحق وآمن بالنبى صلى الله عليه وسلم كعبد الله بن سلام وأمثاله من مؤمنى أهل الكتاب. وذمت من يستحق الذم منهم وهو الفريق الذى لا يؤدى الأمانة، ولم يستجب للحق، بل استمر على كفره وجحوده، وهذا القسم يمثل أكثرية أهل الكتاب.
والمراد من ذكر القنطار والدينار هنا العدد الكثير والعدد القليل. أى أن منهم من هو فى غاية الأمانة حتى أنه لو اؤتمن على الأموال الكثيرة لأداها، ومنهم من هو فى غاية الخيانة حتى أنه لو اؤتمن على الشىء القليل لجحده.
وقوله {إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِماً} استثناء من أعم الأحوال أو الأوقات. أى لا يؤده إليك فى حال من الأحوال أو فى وقت من الأوقات إلا فى حال أو فى وقت مداومتك على طلبه، والإِلحاح فى ذلك، واستعمال كل الوسائل للوصول إلى حقك.
قال الجمل: و "دمت" هذه هى الناقصة، ترفع وتنصب، وشرط أعمالها أن يتقدمها ما الظرفية كهذه الآية: إذ التقدير إلا مدة دوامك. وأصل هذه المادة للدلالة على الثبوت والسكون. يقال: دام الماء، أى سكن. وفى الحديث:
"لا يبولن أحدكم فى الماء الدائم" أى الذى لا يجرى... ومنه دام الشىء إذا امتد عليه زمان. ودامت الشمس إذا وقفت فى كبد السماء وقوله {عَلَيْهِ} متعلق بقوله {قَآئِماً} والمراد بالقيام الملازمة، لأن الأغلب أن المطالب يقوم على رأس المطالب، ثم جعل عبارة عن الملازمة وإن لم يكن ثمة قيام.
قال ابن جرير: فإن قال قائل: وما وجه إخبار الله بذلك نبيه صلى الله عليه وسلم وقد علمت أن الناس لم يزالوا كذلك، منهم المؤدى أمانته ومنهم الخائن لها؟ قيل: إنما أراد - عز وجل - بإخباره المؤمنين خبرهم على ما بينه فى كتابه بهذه الآية، تحذير المؤمنين من أن يأتمنوهم على أموالهم، وتخويفهم من الاغترار بهم، لاستحلال كثير منهم أموال المؤمنين.
ثم حكى - سبحانه - بعض الأسباب التى جعلتهم يبررون خيانتهم وجحودهم لحقوق غيرهم فقال - تعالى -: {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فى ٱلأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ}.
وقوله {ذٰلِكَ} إشارة إلى ترك الأداء المدلول عليه بقوله - سبحانه - {لاَّ يُؤَدِّهِ}.
والمراد بالأميين: العرب، خصوصا من آمن منهم، وسمى العرب بالأميين نسبة إلى الأم، وذلك لغلبة الأمية عليهم لكأن الواحد منهم قد بقى على الحالة التى ولدتهم عليها أمهاتهم من عدم القراءة والكتابة.
والسبيل: المراد به، الحجة الملزمة والحرج. وأصله الطريق، ثم أطلق على الحجة باعتبارها طريقا ووسيلة للإِلزام وتحمل التبعات.
أى: ذلك الامتناع عن الوفاء بالعهود، وجحود الأمانات والحقوق من الفريق الخائن. سببه زعمهم الباطل أنهم ليس عليهم حرج أو إثم أو تبعة فى استحلال أموال العرب الأميين واستلابها منهم بأية طريقة، لأن الأميين ليسوا على ملتهم.
واليهود يزعمون أن كتابهم يحل لهم قتل من خالفهم، كما يحل لهم أخذ ما له بأى وسيلة. وهذا الخلق الذميم معرق فى اليهود، لأن أنانيتهم جعلتهم يحرفون كتبهم على حسب ما تهوى نفوسهم، فقد كانت التوراة تحرم الربا تحريما مطلقا فتقول: "لا تأخذ ربا من أخيك إذا أقرضته" فحرف اليهود هذا النص: إذ زادوا فيه كلمة الإِسرائيلى فأصبح النص هكذا "لا تأخذ ربا من أخيك الإِسرائيلى إذا أقرضته" وبذلك أصبحوا يحرمون الربا عند تعاملهم مع أنفسهم ويحلونه عند تعاملهم مع غيرهم، لأنهم لا يشعرون بالأخوة الإِنسانية العامة.
قال الآلوسى: أخرج ابن جرير عن ابن جريج قال: بايع اليهود رجال من المسلمين فى الجاهلية فلما أسلموا تقاضوهم عن بيوعهم فقال اليهود: ليس علينا أمانة ولا قضاء لكم عندنا، لأنكم تركتم دينكم الذى كنتم عليه، وادعوا أنهم وجدوا ذلك فى كتابهم.
وقال الكلبى: قالت اليهود: "الأموال كلها كانت لنا، فما فى أيدى العرب منها فهو لنا، وأنهم ظلمونا وغصبونا فلا إثم علينا فى أخذ أموالنا منهم".
وقوله - تعالى - {وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} رد عليهم فيما قالوه من أنهم ليس عليهم فى الأميين سبيل، وتكذيب لهم فيما زعموه، لأن قولهم هذا ما أنزل الله به من سلطان، ولا يؤيده عقل سليم، إذ المبادئ الخلقية الفاضلة يجب أن تطبق على جميع الناس بدون تفرقة بينهم.
والمعنى: أن هؤلاء اليهود الذين يجحدون الأمانات متذرعين بقولهم {لَيْسَ عَلَيْنَا فى ٱلأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ}، يفترون على الله الكذب فى قولهم هذا، وهم يعلمون أنه كاذبون، لأنهم ليس عندهم فى كتبهم نص يبيح لهم استحلال أموال العرب وخيانتهم، وإنما الذى تأمرهم به كتبهم هو أداء الأمانة لمستحقيها بالمعروف.
وقوله {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} جملة حالية من الضمير فى {وَيَقُولُونَ} ومفعول العلم محذوف اقتصارا، أى وهم من ذوى العلم. أو اختصارا، أى يعلمون كذبهم وافتراءهم.
ولقد بين النبى صلى الله عليه وسلم فى أحاديث متعددة أن الأمانة يجب أن تؤدى إلى البار والفاجر، ومن ذلك ما أخرجه ابن جرير عن سعيد بن جبير أنه قال: لما نزلت: {وَمِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ} الآية. قال النبى صلى الله عليه وسلم:
"كذب أعداء الله!! ما من شىء كان فى الجاهلية إلا وهو تحت قدمى، إلا الأمانة فإنها مؤداة إلى البار والفاجر" .
ولقد سار أتباع النبى صلى الله عليه وسلم على مبدأ أداء الأمانة، وعدم أخذ شىء من أموال الغير إلا بوجه مشروع.
قال ابن كثير: "قال عبد الرازق: أنبأنا معمر عن أبى إسحاق الهمدانى عن أبى صعصعة بن يزيد. أن رجلا سأل ابن عباس: إنا نصيب فى الغزو من أموال أهل الذمة: الدجاجة والشاة. قال ابن عباس: فتقولون ماذا؟ قال نقول: ليس علينا بذلك بأس. قال ابن عباس: هذا كما قال أهل الكتاب {لَيْسَ عَلَيْنَا فى ٱلأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ} إنهم إذا أدوا الجزية لم تحل لكم أموالهم إلا بطيب أنفسهم".
ثم أكد الله - تعالى - كذب هؤلاء اليهود الذين قالوا: {لَيْسَ عَلَيْنَا فى ٱلأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ} بجملة أخرى فيها الرد الذى يخرس ألسنتهم، ويدحض مزاعمهم فقال - تعالى -: {بَلَىٰ مَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ}.
و {بَلَىٰ} حرف يذكر فى الجواب لإِثبات المنفى فى كلام سابق، ولقد حكى القرآن قبل ذلك أن اليهود قد نفوا أن يكون عليهم فى الأميين سبيل. فجاء - سبحانه - بهذا الرد الذى يثبت ما نفوه. ويبطل ما زعموه.
والمعنى: ليس الأمر كما زعمتم أيها اليهود من أنه ليس عليكم فى الأميين سبيل، بل الحق أن عليكم فيهم سبيل. وأنكم معذبون بسبب كفركم واستحلالكم لأموالهم بدون حق ومثابون إن آمنتم بالله ورسوله ووفيتم بعهودكم، وصنتم أنفسكم من كل ما يغضب الله - تعالى -.
وقد علل - سبحانه - هذا الحكم العادل بجملة مستأنفة عامة فقال: {مَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ}.
أى كل من أوفى بعهد الله فآمن بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم واستقام على دينه، واتقى ما نهى الله عنه من ترك الخيانة والغدر وما إلى ذلك من المحرمات، فإن الله يحبه ويرضى عنه، ومن لم يفعل ذلك فإن الله يبغضه ولا يحبه ويعذبه العذاب الأليم.
وبذلك تكون الآية الكريمة قد بينت أن محبة الله لعبده تتوفر بأمرين:
أولهما: الوفاء بالعهد. فكل ما يلتزمه الإِنسان من عهود فالوفاء بها واجب. وفى مقدمة هذه العهود، العهد الذى أخذه الله على عباده بتوحيده والإِيمان برسله وعلى رأسهم محمد صلى الله عليه وسلم.
وثانيهما: تقوى الله بمعنى أن يجتنب ما نهى الله عنه وحرمه عليه، ولا يفعل إلا ما أحله الله وأذن له فيه.
وقد خلا اليهود من هذين الأمرين، لأنهم لم يفوا بعهودهم، ولم يتقوا الله، فسلبت عنهم محبته، واستحقوا غضبه - سبحانه - ونقمته.
قال صاحب الكشاف: قوله - تعالى - {بَلَىٰ} إثبات لما نفوه من السبيل عليهم فى الأميين، أى بلى عليهم سبيل فيهم. وقوله {مَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى} جملة مستأنفة مقررة للجملة التى سدّت {بَلَىٰ} مسدها. والضمير فى {بِعَهْدِهِ} راجع إلى {مَنْ أَوْفَىٰ} على أن كل من أوفى بما عاهد عليه واتقى الله بأن ترك الخيانة والغدر فإن الله يحبه.
فإن قلت: فهذا عام يخيل أنه لو وفى أهل الكتاب بعهودهم وتركوا الخيانة لكسبوا محبة الله. قلت: أجل، لأنهم إذا وفوا بالعهود، وفوا أول شىء بالعهد الأعظم وهو ما أخذ عليهم فى كتابهم من الإِيمان برسول مصدق لما معهم.
ولو اتقوا الله فى ترك الخيانة لاتقوه فى ترك الكذب على الله وتحريف كلمه، ويجوز أن يرجع الضمير فى "بعهده" إلى الله، على أن كل من وفى بعهد الله واتقاه فإن الله يحبه ويدخل فى ذلك الإِيمان وغيره من الصالحات، وما وجب اتقاؤه من الكفر وأعمال السوء.
فإن قلت: فأين الضمير الراجع من الجزاء إلى من؟ قلت: عموم المتقين قام مقام رجوع الضمير".
وبهذا يكون القرآن قد كشف عن مكر اليهود وخداعهم، ورد عليهم فيما افتروه من أقوال باطلة، وأثبت أنهم يكذبون فيما يدعون عن تعمد وإصرار، وبين أن أداء الأمانة واجب على كل إنسان، وأن كل من وفى بعهود الله واتقاه فهو أهل لمحبته ورضاه.
ثم توعد الله - تعالى - الذين يخونون العهود، ويحلفون كذبا بالعذاب الأليم، ونعى على فريق من اليهود تحريفهم للكلم عن مواضعه، وأنذرهم بسوء المصير فقال - تعالى -: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ....}.