التفاسير

< >
عرض

إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ ٱلنَّعِيمِ
٨
خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ ٱللَّهِ حَقّاً وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ
٩
خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَىٰ فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ
١٠
هَـٰذَا خَلْقُ ٱللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ بَلِ ٱلظَّالِمُونَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ
١١
-لقمان

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

أى: إن الذين آمنوا بالله - تعالى - إيمانا حقا، وعملوا الأعمال الصالحات {لَهُمْ} فى مقابلة ذلك {جَنَّاتُ ٱلنَّعِيمِ} أى: لهم جنات عالية يتنعمون فيها بما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
{خَالِدِينَ فِيهَا} خلودا أبديا {وَعْدَ ٱللَّهِ حَقّاً} أى: هم خالدون فى تلك الجنات خلودا أبدا، فقد وعدهم - سبحانه - بذلك، ووعده حق وصدق، ولن يخلفه - سبحانه - تفضلا منه وكرما.
قال الجمل. وقوله {وَعْدَ} مصدر مؤكد لنفسه، لأن قوله: {لَهُمْ جَنَّاتُ ٱلنَّعِيمِ} فى معنى وعدهم الله ذلك. وقوله {حَقّاً} مصدر مؤكد لغيره. أى: لمضمون تلك الجملة الأولى وعاملهما مختلف، فتقدير الأولى: وعد الله ذلك وعدا. وتقدير الثانية، وحقه حقا.
وقوله - تعالى -: {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} أى: وهو - سبحانه - العزيز الذى لا يغلبه غالب. الحكيم فى كل أفعاله وتصرفاته.
ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر قدرته وعزته وحكمته فقال: {خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا..}.
والعمد: جمع عماد. وهو ما تقام عليه القبة أو البيت. وجملة "ترونها" فى محل نصب حال من السماوات.
أى هو: - سبحانه - وحده، الذى رفع هذه السماوات الهائلة فى صنعها وفى ضخامتها. بغير مستند يسندها. وبغير أعمدة تعتمد عليها. وأنتم ترون ذلك بأعينكم بدون لبس أو خفاء. ولا شك أن خلقها على هذه الصورة من أكبر الأدلة على أن لهذا الكون خالقا مدبرا قادرا حكيما، هو المستحق للعبادة والطاعة.
وقوله - تعالى -: {وَأَلْقَىٰ فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ} بيان لنعمة ثانية مما أنعم به - سبحانه - على عباده.
والرواسى: جمع راسية. والمراد بها الجبال الشوامخ الثابتة.
أى: ومن رحمته بكم، وفضله عليكم، أن ألقى - سبحانه - فى الأرض جبالا ثوابت كراهة أن تميد وتضطرب بكم، وأنتم عليها.
{وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ} أى: وأوجد ونشر فى الأرض التى تعيشون فوقها، من كل دابة من الدواب التى لا غنى لكم عنها والتى فيها منعفتكم ومصلحتكم.
والبث: معناه: النشر والتفريق. يقال: بث القائد خيله إذا نشرها وفرقها.
ثم بين - سبحانه - نعمة ثالثة فقال: {وَأَنزَلْنَا} أى: بقدرتنا {مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً} أى: ماء كثيرا هو المطر، {فَأَنْبَتْنَا فِيهَا} أى: فأنبتنا فى الأرض بسبب نزول المطر عليها. {مِن كُلِّ زَوْجٍ} أى: صنف {كَرِيمٍ} أى حسن جميل كثير المنافع.
والإِشارة فى قوله: {هَـٰذَا خَلْقُ ٱللَّهِ...} تعود إلى ما ذكره - سبحانه - من مخلوقات قبل ذلك. والخلق بمعنى المخلوق.
هذا الذى ذكرناه لكم من خلق السماوات والأرض والجبال... هو من مخلوقنا وحدنا، دون أن يشاركنا فيما خلقناه مشارك.
والفاء فى قوله - تعالى -: {فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ} واقعة فى جواب شرط مقدر، أى: إذا علمتم ذلك فأرونى وأخبرونى، ماذا خلق الذين اتخذتموهم آلهة من دونه - سبحانه - إنهم لم يخلقوا شيئا ما، بل هم مخلوقون لله - تعالى.
فالمقصود بهذه الجملة الكريمة تحدى المشركين، وإثبات أنهم فى عبادتهم لغير الله، قد تجاوزوا كل حد فى الجهالة والضلالة.
وقوله - سبحانه -: {بَلِ ٱلظَّالِمُونَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} إضراب عن تبكيتهم وتوبيخهم، إلى تسجيل الضلال الواضح عليهم.
أى: بل الظالمون فى ضلال بين واضح، لأنهم يعبدون آلهة لا تضر ولا تنفع، ويتركون عبادة الله - تعالى - الخلاق العليم.
ثم ساق - سبحانه - على لسان عبد صالح من عباده، جملة من الوصايا الحكيمة، لتكون عظة وعبر للناس، فقال - تعالى -: {وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ...ٱلأَصْوَاتِ لَصَوْتُ ٱلْحَمِيرِ}.