التفاسير

< >
عرض

يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِنَّآ أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ ٱللاَّتِيۤ آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاَتِكَ ٱللاَّتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَٱمْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ ٱلنَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِيۤ أَزْوَاجِهِـمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلاَ يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً
٥٠
تُرْجِي مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِيۤ إِلَيْكَ مَن تَشَآءُ وَمَنِ ٱبْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَىٰ أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلاَ يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَآ آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قلُوبِكُمْ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَلِيماً
٥١
لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِن بَعْدُ وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ رَّقِيباً
٥٢
-الأحزاب

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

والمراد بالأجور فى قوله - سبحانه -: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِنَّآ أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ ٱللاَّتِيۤ آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ...} المهور التى دفعها صلى الله عليه وسلم لأزاوجه.
قال ابن كثير: يقول - تعالى - مخاطبا - نبيه - صلوات الله وسلامه عليه - بأن قد أحل له من النساء أزواجه اللائى أعطاهن مهورهن، وهى الأجور ها هنا، كما قاله مجاهد وغير واحد.
وقد كان مهره صلى الله عليه وسلم لنسائه: اثنتى عشرة أوقية ونصف أوقية. فالجميع خمسمائة درهم إلا أم حبيبة بنت أبى سفيان فإنه أمهرها عنه النجاشى -رحمه الله - بأربعمائة دينار، وإلا صفية بنت حيى فإنه اصطفاها من سبى خيبر، ثم أعتقها وجعل عتقها صداقها. وكذلك جويرية بنت الحارث المصطلقية، أدى عنها كتابتها إلى ثبات بن قيس وتزوجها.
وفى قوله: {آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ} إشارة إلى أن إعطاء المهر كاملا للمراة دون إبقاء شئ منه، هو الأكمل والأفضل، وأن تأخير شئ منه إنما هو مستحدث، لم يكن معروفا عند السلف الصالح.
وأُطْلِق على المهر أجْرٌ لمقابلته الاستمتاع الدائم بما يحل الاستمتاع به من الزوجة، كما يقابل الأجر بالمنفعة.
وقوله: {وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَيْكَ} بيان لنوع آخر مما أحله الله - تعالى - لنبيه صلى الله عليه وسلم.
والمعنى: يأيها النبى إنا أحللنا لك - بفضلنا - على سبيل التكريم والتشريف لك، الاستمتاع بأزواجك الكائنات عندك، واللاتى أعطيتهن مهورهن - كعائشة وحفصة وغيرهما -، لأنهن قد اخترنك على الحياة الدنيا وزينتها.
كما أحللنا لك التمتع بما ملكت يمينك من النساء اللائى دخلن فى ملكك عن طريق الغنيمة فى الحرب، كصفية بنت حيى بن أخطب، وجويرية بنت الحارث.
ثم بين - سبحانه - نوعا ثالثا أحله - سبحانه - له فقال: {وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاَتِكَ ٱللاَّتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ}.
أى: وأحللنا لك - أيضا - الزواج بالنساء اللائى تربطك بهن قرابة من جهة الأب، أو قرابة من جهة الأم.
وقوله {ٱللاَّتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ} إشارة إلى ما هو أفضل، وللإِيذان بشرف الهجرة وشرف من هاجر.
والمراد بالمعية هنا. الاشتراك فى الهجرة. لا المصاحبة فيها، لما فى قوله - تعالى - حكاية عن ملكة سبأ: {قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ}.
قال بعض العلماء: وقد جاء فى الآية الكريمة عدة قيود، ما أريد بواحد منها إلا التنبيه على الحالة الكريمة الفاضلة.
منها: وصف النبى صلى الله عليه وسلم باللاتى آتى أجورهن، فإنه تنبيه على الحالة الكاملة، فإن الأكمل إيتاء المهر كاملا دون أن يتأخر منه شئ.
ومنها: أن تخصيص المملوكات بأن يكن من الفئ، فإن المملوكة إذا كانت غنيمة من أهل الحرب كانت أحل وأطيب مما يشترى من الجلب، لأن المملوكة عن طريق الغنيمة تكون معروفة الحالة والنشأة.
ومنها: قيد الهجرة فى قوله: {ٱللاَّتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ}، ولا شك أن من هاجرت مع النبى صلى الله عليه وسلم أولى بشرف زوجية النبى صلى الله عليه وسلم ممن عداها.
ثم بين - سبحانه - نوعا رابعا من النساء، أحله لنبيه صلى الله عليه وسلم فقال: {وَٱمْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ ٱلنَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ}. والجملة الكريمة معطوفة على مفعول {أَحْلَلْنَا}.
وقد اشتملت هذه الجملة على شرطين، الثانى منهما قيد للأول، لأن هبتها نفسها له صلى الله عليه وسلم لا توجب حلها له إلا بقبوله الزواج منها.
وقوله {يَسْتَنكِحَهَا} بمعنى ينكحها. يقال: نكح واستنكح، بمعنى عجل واستعجل: ويجوز أن يكون بمعنى طلب النكاح.
وقوله: {خَالِصَةً} منصوب على الحال من فاعل {وَهَبَتْ} أى: حال كونها خالصة لك دون غيرك. أو نعت لمصدر مقدر. أى: هبة خالصة..
والمعنى وأحللنا لك كذلك امرأة مؤمنة، إن ملكتك نفسها بدون نفسها بدون مهر وإن أنت قبلت ذلك عن طيب خاطر منك، وهذا الإِحلال إنما هو خاص بك دون غيرك من المؤمنين، لأن غيرك من المؤمنين لا تحل لهم من وهبت نفسها لواحد منهم إلا بولى ومهر.
وقد ذكروا ممن وهبن أنفسهن له صلى الله عليه وسلم خولة بنت حكيم، وأم شريك بنت جابر، وليلى بنت الحطيم..
وقد اختلف العلماء فى كونه صلى الله عليه وسلم قد تزوج بواحدة من هؤلاء الواهبات أنفسهن له أم لا.
والأرجح أنه صلى الله عليه وسلم لم يتزوج بواحدة منهن، وإنما زوجهن لغيره. ويشهد لذلك ما رواه الشيخان عن سهل بن سعد الساعدى،
"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءته امرأة فقالت: يا رسول الله، إنى قد وهبت نفسى لك. فقامت قياما طويلا، فقام رجل فقال: يا رسول الله، زوجنيها إن لم يكن لك بها حاجة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل عندك من شئ تصدقها إياه؟ فقال: ما عندى إلا إزارى هذا. فقال صلى الله عليه وسلم: إن أعطيتها إزارك جلست لا إزار لك، فالتمس شيئا. فقال: لا أجد شيئا: فقال: التمس ولو خاتما من حديد، فقام الرجل فلم يجد شيئا. فقال له النبى صلى الله عليه وسلم: هل معك من القرآن شئ؟ قال نعم. سورة كذا وسورة كذا - لسور يسميها - فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: زوجتكها بما معك من القرآن" .
وإلى هنا يتضح لنا أن المقصود بالإِحلال فى الآية الكريمة: الإِذن العام والتوسعة عليه صلى الله عليه وسلم فى الزواج من هذه الأصناف، والإِباحة له فى ان يختار منهن من تقتضى الحكمة الزاوج منها، واختصاصه صلى الله عليه وسلم بأمور تتعلق بالنكاح، لا تحل لأحد سواه.
ولهذا قال - سبحانه - بعد ذلك: {قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِيۤ أَزْوَاجِهِـمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ..} فإن هذه الجملة الكريمة معترضة ومقررة لمضمون ما قبلها، من اختصاصه صلى الله عليه وسلم بأمور فى النكاح لا تحل لغيره، كحل زواجه ممن تهبه نفسها بدون مهر، إن قبل ذلك العرض منها.
أى: هذا الذى أحللناه لك - أيها الرسول الكريم - هو خاص بك، أما بالنسبة لغيرك من المؤمنين فقد علمنا ما فرضناه عليهم فى حق أزواجهم من شرائط العقد وحقوقه، فلا يجوز لهم الإِخلال بها، كما لا يجوز لهم الاقتداء بك فيما خصك الله - تعالى - به، على سبيل التوسعة عليك، والتكريم لك، فهم لا يجوز لهم التزوج إلا بعقد وشهود ومهر، كما لا يجوز لهم أن يجمعوا بين أكثر من أربع نسوة.
وعلمنا - أيضا - ما فرضناه عليهم بالنسبة لما ملكت أيمانهم، من كونهن ممن يجوز سبيه وحربه، لا ممن لا يجوز سبيه، أو كان له عهد مع المسلمين.
وقوله: {لِكَيْلاَ يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ} متعلق بقوله: {أَحْلَلْنَا} وهو راجع إلى جميع ما ذكر، فيكون المعنى:
أحللنا من آتيت أجورهن من النساء، والمملوكات، والأقارب، والواهبة نفسها لك، لندفع عنك الضيق والحرج، ولتتفرغ لتبليغ ما أمرناك بتبليغه.
وقيل: إنه متعلق بخالصة، أو بعاملها، فيكون المعنى: خصصناك بنكاح من وهبت نفسها لك بدون مهر، لكى لا يكون عليك حرج فى البحث عنه.
وترى بعضه أنه متعلق بمحذوف، أى: بينا لك ما بينا من أحكام خاصة بك، حتى تخرج من الحرج، وحتى يكون ما تفعله هو بوحى منا وليس من عند نفسك.
ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله: {وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} أى: وكان الله - تعالى - وما زال واسع المغفرة والرحمة لعباده المؤمنين.
وقوله - عز وجل - {تُرْجِي مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِيۤ إِلَيْكَ مَن تَشَآءُ} شروع فى بيان جانب آخر من التوسعة التى وسعها - سبحانه - لنبيه صلى الله عليه وسلم فى معاشرته لنسائه، بعد بيان ما أحله له من النساء.
وقوله: {تُرْجِي} من الإِرجاء بمعنى التأخير والتنحية، وقرئ مهموزا وغير مهموز. تقول: أرجيت الأمر وأرجأته، إذا أخرته، ونحيته جانبا حتى يحين موعده المناسب.
وقوله: {وَتُؤْوِيۤ} من الإِيواء بمعنى الضم والتقريب، ومنه قوله - تعالى -:
{ وَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَىٰ يُوسُفَ آوَىۤ إِلَيْهِ أَخَاهُ.. } أى: ضمة إليه وقربه منه.
والضمير فى قوله {مِنْهُنَّ} يعود إلى زوجاته صلى الله عليه وسلم اللائى كن فى عصمته.
قال القرطبى ما ملخصه: واختلف العلماء فى تأويل هذه الآية، وأصح ما قيل فيها: التوسعة على النبى صلى الله عليه وسلم فى ترك القَسْم، فكان لا يجب عليه القسم بين زوجاته.
وهذا القول هو الذى يناسب ما مضى، وهو الذى ثبت معناه فى الصحيح، عن عائشة - رضى الله عنها - قالت: كنت أغار على اللائى وهبن أنفسهن لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأقول: أو تهب المرأة نفسها لرجل؟ فلما أنزل الله - تعالى -: {تُرْجِي مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ...}.
قالت: قلت: والله ما أرى ربك إلا يسارع فى هواك.
قال ابن العربى: هذا الذى ثبت فى الصحيح هو الذى ينبغى أن يعول عليه. والمعنى المراد: هو أن النبى صلى الله عليه وسلم كان مخيرا فى أزواجه، إن شاء أن يقسم قسم، وإن شاء أن يترك القسم ترك. لكنه كان يقسم من جهة نفسه، تطييبا لنفوس أزواجه.
وقيل كان القسم واجبا عليه ثم نسخ الوجوب بهذه الآية.
وقيل: الآية فى الطلاق. أى: تطلق من تشاء منهن وتؤوى إليك من تشاء.
وقيل: المراد بالآية: الواهبات أنفسهن له صلى الله عليه وسلم.
ثم قال القرطبى: وعلى كل معنى، فالآية معناها التوسعة على رسول الله صلى الله عليه وسلم والإِباحة، وما اخترناه أصح والله أعلم.
أى: لقد وسعنا عليك - أيها الرسول الكريم - فى معاشرة نسائك، فأبحنا لك أن تؤخر المبيت عند من شئت منهن، وأن تضم إليك من شئت منهن، بدون التقيد بوجوب القسم بينهن، كما هو الشأن بالنسبة لأتباعك حيث أوجبنا عليهم العدل بين الأزواج فى البيوتة وما يشبهها.
ومع هذا التكريم من الله - تعالى - لنبيه، إلا أنه صلى الله عليه وسلم كان يقسم بينهن إلى أن لحق بربه؟ عدا السيدة سودة، فإنها قد وهبت ليلتها لعائشة..
أخرج البخارى عن عائشة رضى الله عنها - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم كان يستأذن فى يوم المرأة منا بعد أن نزلت هذه الآية ترجى من تشاء منهن..
فقيل: لها ما كنت تقولين؟ فقالت: كنت أقول: إن كان ذاك إليَّ فإنى لا أريد يا رسول الله أن أوثر عليك أحدا.
وقوله - تعالى -: {وَمَنِ ٱبْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكَ}. زيادة فى التوسعة عليه صلى الله عليه وسلم وفى ترك الأمر لإرادته واختياره.
أى: أبحنا لك - أيها الرسول الكريم - أن تقسم بين نسائك، وأن تترك القسمة بينهن، وأبحنا لك - أيضا - أن تعود إلى طلب من اجتنبت مضاجعتها إذ لا حرج عليك فى كل ذلك. بعد أن فوضنا الأمر إلى مشيئتك واختيارك.
فالابتغاء بمعنى الطلب، وعزلت اجتنبت واعتزلت وابتعدت، و {مَّنْ} شرطية، وجوابها: {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكَ} أى: فلا حرج ولا إثم عليك فى عدم القسمة بين أزواجك، وفى طلب إيواء من سبق لك أن اجتنبتها.
قال الشوكانى: والحاصل أن الله - سبحانه - فوض الأمر إلى رسوله صلى الله عليه وسلم كى يصنع مع زوجاته ما شاء، من تقديم وتأخير، وعزل وإمساك، وضم من أرجأ، وإرجاء من ضم إليه، وما شاء فى أمرهن فعل توسعة عليه، ونفيا للحرج عنه.
وإسم الإشارة فى قوله: {ذَلِكَ أَدْنَىٰ أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلاَ يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَآ آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ...} يعود إلى ما تضمنه الكلام السابق من تفويض أمر الإِرجاء والإِيواء إلى النبى صلى الله عليه وسلم.
وأدنى بمعنى أقرب. {تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ} كناية عن تقبل ما يفعله معهن برضا وارتياح نفس. يقال قرت عين فلان، إذا رأت ما ترتاح لرؤيته، مأخوذ من ا لقرار بمعنى الاستقرار والسكون..
وقوله: {وَلاَ يَحْزَنَّ} معطوف على {أَن تَقَرَّ} وقوله {وَيَرْضَيْنَ} معطوف عليه - أيضا -.
والمعنى، ذلك شرعناه لك من تفويض الأمر اليك فى شأن أزواجك، أقرب إلى رضا نفوسهن لما تصنعه معهن، واقرب إلى عدم حزنهن وإلى قبولهن لما تفعله معهن، لأنهن يعلمن أن ما تفعله معهن إنما هو بوحى من الله - تعالى - وليس باجتهاد منك، ومتى علمن ذلك طابت نفوسهن سواء ويت بينهن فى القسم والبيتوتة والمجامعة... أم لم تسو.
قال القرطبى: قال قتادة وغيره: أى: ذلك التخيير ذلك خيرناك فى حصبتهن أدنى إلى رضاهن، إذ كان من عندنا - لا من عندك -، لأنهن إذا علمت أن الفعل من الله قرت أعينهن بذلك ورضين..
وكان - عليه الصلاة والسلام - مع هذا يشدد على نفسه فى رعاية التسوية بينهن، تطييبا لقلوبهن ويقول:
"اللهم هذه قدرتى فيما أملك، فلا تلمنى فيما تملك ولا أملك" .
وقوله - سبحانه - {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قلُوبِكُمْ} خطاب للنبى صلى الله عليه وسلم ولأزواجه، ويندرج فيه جميع المؤمنين والمؤمنات وجمع بجمع الذكور للتغليب.
أى: والله - تعالى - يعلم ما فى قلوبكم من حب وبغض، ومن ميل إلى شئ، ومن عدم الميل إلى شئ آخر.
قال صاحب الكشاف: وفى هذه الجملة وعيد لمن لم ترض منهن بما دبر الله - تعالى - من ذلك، وبعث على تواطؤ قلوبهن والتصافى بينهن، والتوافق على طلب رضا رسول لله صلى الله عليه وسلم وما فيه طيب نفسه.
{وَكَانَ ٱللَّهُ} - تعالى - {عَلِيماً} بكل ما تظهره القلوب وما تسره {حَلِيماً} حيث لم يعاجل عباده بالعقوبة قبل الإرشاد والتعليم.
ثم كرم - سبحانه - أمهات المؤمنين بعد تكريمه لنبيه صلى الله عليه وسلم فقال: {لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِن بَعْدُ...}.
أى: لا يحل لك، - أيها الرسول الكريم - أن تتزوج بنساء أخريات من بعد التسع اللائى فى عصمتك اليوم، لأنهم قد اخترنك وآثرنك على زينة الحياة الدنيا، ورضين عن طيب نفس أن يعشن معك وتحت رعايتك، مهما كان فى حياتك معهن من شظف العيش، والزهد فى متع الدنيا.
وقوله: {وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ} معطوف على ما قبله.
أى: لا يحل لك الزواج بعد اليوم بغير من هن فى عصمتك، كما لا يحل لك - أيضا - أن تطلق واحدة منهن وتتزوج بأخرى سواها، حتى ولو أعجبك جمال من تريد زواجها من غير نسائك اللائى فى عصمتك عند نزول هذه الآية.
فالآية الكريمة قدا شتملت على حكمين: أحدهما: حرمة الزواج بغير التسع اللائى كن فى عصمته عند نزولها. والثانى: حرمة تطليق واحدة منهن، للزواج بأخرى بدلها.
وقوله: {بَعْدُ} ظرف مبنى على الضم لحذف المضاف اليه. أى: من بعد اليوم. و {أَزْوَاجٍ} مفعول به، و {مِنْ} مزيدة لاستغراق الجنس. اى: ولا أن تبدل بهن أزواجا أخريات مهما كان شأن هؤلاء الأخريات.
وجملة: {وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ} فى موضع الحال من الفاعل وهو الضمير فى {تَبَدَّلَ}. أى: لا يحل لك الزيادة عليهن، ولا أن تتبدل بهن أزواجا غيرهن فى آية حالة من الأحوال، حتى ولو فى حال إعجابك بغيرهن ويصح أن تكون هذه الجملة شرطية، وقد حذف جوابها لفهمه من الكلام، ويكون المعنى: ولو أعجبك حسنهن لا يحل لك نكاحهن.
وقوله: {إِلاَّ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ} استثناء من هذا الحكم. أى: لا يحل لك الزيادة عليهن، ولا استبدال غيرهن بهن، ولكن يحل لك ان تضيف اليهن ما شئت من النساء اللائى تملكهن عن طريق السبى.
وهذا الذى سرنا عليه من أن الآية الكريمة فى شأن أزواجه صلى الله عليه وسلم هو الذى سار عليه جمهور المفسرين.
قال ابن كثير: ذكر غير واحد من العلماء كابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وغيرهم - أن هذه الآية الكريمة نزلت مجازاة لأزواج النبى صلى الله عليه وسلم ورضا الله عنهن على حسن صنيعهن، فى اختيارهن الله ورسوله والدار الآخرة، لما خيرهن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تقدم، فلما اخترن رسول الله، كان جزاؤهن أن قصره عليهن، وحرم عليه أن يتزوج بغيرهن، أو يستبدل بهن أزواجا غيرهن، ولو أعجبه حسنهن، إلا الإِماء والسرائر، فلا حجر عليه فيهن.
ثم إنه - سبحانه - رفع عنه الحجر فى ذلك، ونسخ حكم هذه الآية، وأباح له التزوج، ولكنه لم يقع منه بعد ذلك زواج لغيرهن، لتكون المنة للرسول صلى الله عليه وسلم عليهن. روى الإِمام أحمد عن عائشة قالت: ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحل الله له النساء.
ومن العلماء من يرى أن قوله - تعالى - {مِن بَعْدُ} المراد به: من بعد من أحللنا لك الزواج بهن، وهن الأصناف الأربعة اللائى سبق الحديث عنهن فى قوله - تعالى -: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِنَّآ أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ ٱللاَّتِيۤ آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ..}.
وهذا الرأى الثانى وإن كان أشمل من سابقه، إلا أننا نرجح أن الآية الكريمة مسوقة لتكريم أمهات المؤمنين اللائى اخترن الله ورسوله والدار الآخرة على الحياة الدنيا وزينتها.
هذا، والنساء التسع اللائى حرم الله - تعالى - على نبيه صلى الله عليه وسلم الزيادة عليهن، والاستبدال بهن، هن: عائشة بنت أبى بكر، وحفصة بنت عمر، وأم حبيبة بنت أبى سفيان، وسودة بنت زمعة، وأم سلمة بنت أبى أمية، وصفية بنت حيى بن أخطب، وميمونة بنت الحارث، وزينب بنت جحش، وجويرية بنت الحارث.
ثم ختم - سبحانه - الاية الكريمة بقوله: {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ رَّقِيباً}.
أى: وكان الله - تعالى - وما زال، مطلعا على كل شئ من أحوالكم - أيها الناس - فاحذروا أن تتجاوزا ما حده الله - تعالى - لكم، لأن هذا التجاوز يؤدى إلى عدم رضا الله - سبحانه - عنكم.
وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة، قد ذكرت ألوانا متعددة من مظاهر تكريم الله - تعالى - لنبيه صلى الله عليه وسلم ومن توسعته عليه فى شأن أزواجه، وفى شأن ما أحله له من عدم التقيد فى القَسْم بينهن، وفى تقديم أو تأخير من شاء منهن..
كما أنها قد كرمت أمهات المؤمنين تكريما عظيما. لاختيارهن الله ورسوله والدار الآخرة على الحياة الدنيا وزينتها.
ثم ساقت السورة الكريمة بعد ذلك ألوانا من التشريعات الحكيمة، والأداب القويمة، التى تتعلق بدخول بيوت النبى صلى الله عليه وسلم، وبحقوق أزواجه صلى الله عليه وسلم فى حياته وبعد مماته، وبوجوب احترامه وتوقيره صلى الله عليه وسلم فقال - تعالى -: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ....بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً}.