التفاسير

< >
عرض

يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَآءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً
٩
إِذْ جَآءُوكُمْ مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ ٱلأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ ٱلْقُلُوبُ ٱلْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَاْ
١٠
هُنَالِكَ ٱبْتُلِيَ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالاً شَدِيداً
١١
وَإِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً
١٢
وَإِذْ قَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ يٰأَهْلَ يَثْرِبَ لاَ مُقَامَ لَكُمْ فَٱرْجِعُواْ وَيَسْتَئْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ ٱلنَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَاراً
١٣
وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُواْ ٱلْفِتْنَةَ لآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَآ إِلاَّ يَسِيراً
١٤
وَلَقَدْ كَانُواْ عَاهَدُواْ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ لاَ يُوَلُّونَ ٱلأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ ٱللَّهِ مَسْئُولاً
١٥
-الأحزاب

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

وغزوة الأحزاب، من الغزوات الشهيرة فى تاريخ الدعوة الإِسلامية، وكانت - على الراجح - فى شهر شوال من السنة الخامسة بعد الهجرة.
وملخصها - كما ذكر الإِمام ابن كثير - أن نفرا من اليهود - على رأسهم حيى بن أخطب - خرجوا إلى مكة، واجتمعوا بأشراف قريش وألبوهم على حرب المسلمين، فأجابوهم إلى ذلك.
ثم خرجوا إلى قبيلة غطفان فدعوهم لحرب المسلمين، فاستجابوا لهم - ايضا -.
وخرجت قريش فى أحابيشها ومن تابعها، والجميع فى جيش قريب من عشرة آلاف رجل.
وعندما علم الرسول صلى الله عليه وسلم بمقدمهم، أمر بحفر خندق حول المدينة.
ووصلت جيوش الأحزاب إلى مشارف المدينة، فوجدوا الخندق قد حفر، وأنه يحول بينهم وبين اقتحامها. كما أن المسلمين كانوا لهم بالمرصاد.
وخلال هذه الفترة العصبية، نقض يهود بنى قريظة عهودهم مع المسلمين، وانضموا إلى جيوش الأحزاب، فزاد الخطب على المسلمين.
ومكث الأعداء محاصرين للمدينة قريبا من شهر. ثم جاء نصر الله - تعالى -، بأن أرسل على جيوش الأحزاب ريحا شديدة، وجنودا من عنده، فتصدعت جبهات الأحزاب، وانكفأت خيامهم، وملأ الرعب قلوبهم،
{ وَرَدَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُواْ خَيْراً وَكَفَى ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلْقِتَالَ } }. وقد ابتدأ الله - تعالى - الحديث عن هذه الغزوة، بنداء وجهه إلى المؤمنين، ذكرهم فيه بفضله عليهم، وبرحمته بهم فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَآءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا}.
والمعنى: يا من آمنتم بالله حق الإِيمان، {ٱذْكُرُواْ} على سبيل الشكر والاعتبار {نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} ورحمته بكم.
{إِذْ جَآءَتْكُمْ جُنُودٌ} كثيرة، هى جنود جيوش الأحزاب {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً} شديدة زلزلتهم، وجعلتهم يرحلون عنكم بخوف وفزع.
كما أرسلنا عليهم {وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا} وهم الملائكة، الذين ألقوا الرعب فى قلوب أعدائكم.
قالوا: روى أن الله - تعالى - بعث عليهم ريحا باردة فى ليلة باردة، فألقت التراب فى وجوههم، وأمر الملائكة فقلعت أوتاد خيامهم، وأطفأت نيرانهم وقذفت فى قلوبهم الرعب.. فقال كل سيد قوم لقومه: يا بنى فلان: النجاء النجاء.
وقوله - سبحانه -: {وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً} تذييل قصد به بيان مظهر آخر من مظاهر فضله - تعالى - عليهم.
أى: جاءتكم تلك الجنود الكثيرة. فأرسلنا عليهم ريحا شديدة، وأرسلنا عليهم من عندنا جنودا لم تروها، وكنا فوق كل ذلك مطلعين على أعمالكم من حفر الخندق وغيره وسامعين لدعائكم، وقد أجبناه لكم، حيث رددنا أعداءكم عنكم دون أن ينالوا خيرا.
ثم فصل - سبحانه - ما حدث للمؤمنين فى هذه الغزوة، بعد هذا الإِجمال، فقال: {إِذْ جَآءُوكُمْ مِّن فَوْقِكُمْ} أى: من أعلى الوادى من جهة المشرق. والجملة بدل من قوله {إِذْ جَآءَتْكُمْ جُنُودٌ}. والمراد بالذين جاءوا من تلك الجهة: قبائل غطفان وهوزان.. وانضم إليهم بنو قريظة بعد أن نقضوا عهودهم.
{وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ} أى: ومن أسفل الوادى من جهة المغرب، وهم قريش ومعهم أحابيشهم وحلفاؤهم.
وقوله: {وَإِذْ زَاغَتِ ٱلأَبْصَارُ} معطوف على ما قبله، داخل معه فى حيز التذكير.
أى: واذكروا وقت أن زاغت أبصاركم، ومالت عن كل شئ حولها، وصارت لا تنظر إلا إلى أولئك الأعداء. يقال زاغ البصر يزيغ زيغا وزيغانا إذا مال وانحرف. ويقال - أيضا: زاغ البصر، إذا مل وتعب بسبب استدامة شخوصه من شدة الهول.
وقوله {وَبَلَغَتِ ٱلْقُلُوبُ ٱلْحَنَاجِرَ} بيان آخر لما أصاب المسلمين من بلاء بسبب إحاطة جيوش الأحزاب بهم.
والحناجر: جمع حنجرة، وهى جوف الحلقوم، والمراد أن قلوبكم فزعت فزعا شديدا، حتى لكأنها قد انتقلت من أماكنها إلى أعلى، حتى قاربت أن تخرج من أفواهكم.
فالآية تصور ما أصاب المسلمين من فزع وكرب فى غزوة الأحزاب، وتصيرا بديعا مؤثرا، يرسم حركات القلوب، وملامح الوجوه، وخلجات النفوس.
وقوله - سبحانه - {وَتَظُنُّونَ بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَاْ} بيان لما دار فى عقولهم من أفكار، حين رأوا الأحزاب وقد أحاطوا بالمدينة.
والظنون جمع الظن. وهو مصدر يطلق على القليل والكثير منه. وجاء بصيغة الجمع لتعدد أنواعه، واختلافه باختلاف قوة الإِيمان وضعفه.
أى: وتظنون - أيها المؤمنون - بالله - تعالى - الظنون المختلفة، فمنكم من ازداد يقينا على يقينه، وازداد ثقة بوعد الله - تعالى - وبنصره، ومنكم من كان أقل من ذلك فى ثباته ويقينه، ومنكم من كان يظهر أمامكم الإِيمان والاسلام، ويخفى الكفر والعصيان، وهم المنافقون وهؤلاء ظنوا الظنون السيئة، بأن اعتقدوا بأن الدائرة ستدور عليكم.
قال ابن كثير: قوله {وَتَظُنُّونَ بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَاْ} قال الحسن: ظنون مختلفة، ظن المنافقون أن محمدا وأصحابه يستأصلون، وأيقن المؤمنون أن ما وعد الله ورسوله حق، وأنه - سبحانه - سيظهر دينه على الدين كله ولو كره المشركون.
"عن أبى سعيد قال: قلنا يوم الخندق: يا رسول الله، هل من شئ نقول، فقد بلغت القلوب الحناجر؟ فقال صلى الله عليه وسلم: نعم: قولوا: اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا" .
قال: فضرب الله - تعالى - وجوه أعدائه بالريح فهزمهم.
ولفظ {هُنَالِكَ} فى قوله - تعالى -: {هُنَالِكَ ٱبْتُلِيَ ٱلْمُؤْمِنُونَ}: ظرف مكان للبعيد، وهو منصوب بقوله {ٱبْتُلِيَ} والابتلاء: الاختبار والامتحان بالشدائد والمصائب.
أى: فى ذلك المكان الذى أحاط به الأحزاب من كل جانب، امتحن الله - تعالى - المؤمنين واختبرهم، ليتميز قوى الإِيمان من ضعيفه.
{وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالاً شَدِيداً} اى: واضطربوا اضطرابا شديدا، من شدة الفزع، لأن الأعداء حاصروهم، ولأن بنى قريظة نقضوا عهودهم.
ولقد بلغ انشغال المسلمين بعدوهم انشغالا عظيما، حتى أنهم لم يستطيعوا أن يؤدوا بعض الصلوات فى أوقاتها،
"وقال بعض الصحابة: يا رسول الله، ما صلينا، فقال لهم صلى الله عليه وسلم: ولا أنا، والله ما صليت ثم قال: شغلنا المشركون عن الصلاة الوسطى، صلاة العصر، ملأ الله أجوافهم وقلوبهم نارا.
وخرجت طليعتان للمسلمين ليلا، فالتقتا - دون أن تعرف إحداهما الأخرة - فتقاتلا. وحدث بينهم ما حدث من جراح وقتل، ولم يشعروا أنهم من المسلمين، حتى تنادوا بشعار الإِسلام: حم. لا ينصرون. فكف بعضهم عن بعض.
فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم: جراحكم فى سبيل الله ومن قتل منكم فإنه شهيد"
.
ومما زاد فى بلاء المسلمين وحزنهم. ما ظهر من أقوال قبيحة من المنافقين. حكاها - سبحانه - فى قوله: {وَإِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً} أى: واذكروا - أيضا - أيها المؤمنون - وقت أن كشف المنافقون وأشباههم عن نفوسهم الخبيثة وطباعهم الذميمة، وقلوبهم المريضة، فقالوا لكم وأنتم فى أشد ساعات الحرج والضيق: {مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ} بالنصر والظفر {إِلاَّ غُرُوراً} أى: إلا وعدا باطلا، لا يطابق الواقع الذى نعيش فيه.
وقال أحدهم: إن محمدا كان يعدنا أن نأخذ كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا اليوم لا يستطيع أن يذهب إلى الغائط.
{وَإِذْ قَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ يٰأَهْلَ يَثْرِبَ لاَ مُقَامَ لَكُمْ فَٱرْجِعُواْ..}.
أى: واذكروا - كذلك - أيها المؤمنون - وقت أن قالت لكم طائفة من هؤلاء المنافقين: {يٰأَهْلَ يَثْرِبَ} أى: يا أهل المدينة، لا مقام لكم فى هذا المكان الذى تقيمون فيه بجوار الخندق لحماية بيوتكم ومدينتكم، فارجعوا إلى مساكنكم، واستسلموا لأعدائكم.
قال الشوكانى: وذلك أن المسلمين خرجوا فى غزوة الخندق، فجعلوا ظهورهم إلى جبل سلع، وجعلوا وجوههم إلى العدو، وجعلوا الخندق بينهم وبين القوم. فقال هؤلاء المنافقون: ليس ها هنا موضع إقامة وأمروا الناس بالرجوع إلى منازلهم بالمدينة.
ثم بين - سبحانه - أن هؤلاء المنافقين لم يكتفوا بهذا القول الذميم، بل كانوا يهربون من الوقوف إلى جانب المؤمنين، فقال - تعالى -: {وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ ٱلنَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَاراً}.
أى: أنهم كانوا يحرضون غيرهم على ترك مكانه فى الجهاد، ولا يكتفون بذلك، بل كان كل فريق منهم يذهب إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - فيستأذنه فى الرجوع إلى بيوتهم، قائلين له: يا رسول الله: {إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ} أى: خالية ممن يحرسها. يقال: دار ذات عورة إذا سهل دخولها لقلة حصانتها.
وهنا يكشف القرآن عن حقيقتهم ويكذبهم فى دعواهم فيقول {وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ} أى: والحال أن بيوتهم ليست كما يزعمون، وإنما الحق أنهم يريدون الفرار من ميدان القتال، لضعف إيمانهم، وجب نفوسهم.
روى
"أن بنى حارثة بعثوا أحدهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقول له: إن بيوتنا عورة، وليست دار من دور الأنصار مثل دورنا، ليس بيننا وبين غطفان أحد يردهم عنا، فأذن لنا كى نرجع إلى دورنا، فمنع ذرارينا ونساءنا. فأذن لهم صلى الله عليه وسلم.
فبلغ سعد بن معاذ ذلك فقال: يا رسول الله، لا تأذن لهم، إنا والله ما أصابنا وإياهم شدة إلا فعلوا ذلك.. فردهم"
.
ثم بين - سبحانه - أن هؤلاء المنافقين جمعوا لأنفسهم كل نقيض، فهم يسرعون إلى ما يؤذى المؤمنين، ويبطئون عما ينفعهم، فقال - تعالى -: {وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُواْ ٱلْفِتْنَةَ لآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَآ إِلاَّ يَسِيراً}.
والضمير فى قوله - تعالى - {دُخِلَتْ} للبيوت أو للمدينة. وفاعل الدخول من يدخل هذه البيوت أو المدينة من أهل الكفر والفساد. وأسند - سبحانه - الدخول إلى بيوتهم، للإِشعار بأن الأعداء يدخلونها وهم قابعون فيها.
والأقطار: جمع قطر بمعنى الناحية والجانب والجهة.
والمراد بالفتنة هنا، الردة عن الإِسلام أو قتال الملسمين.
وقوله {لآتَوْهَا} قرأه الجمهور بالمد بمعنى لأعطوها. وقرأه نافع وابن كثير {لآتَوْهَا} بالقصر، بمعنى لجاءوها وفعلوها والتلبث: الإِبطاء والتأخر.
والمعنى إن هؤلاء المنافقين الذين يزعمون أن بيوتهم عورة، هم كاذبون فى زعمهم، وهم أصحاب نيات خبيثة، ونفوس عارية عن كل خير.
والدليل على ذلك، أن بيوتهم هذه التى يزعمون أنها عورة، لو اقتحمها عليهم مقتحم من المشركين وهم قابعون فيها، ثم طلب منهم أن ينضم إليهم فى مقاتلة المسلمين، لسارعوا إلى تلبية طلبه، ولكانوا مطيعين له كل الطاعة، وما تأخروا عن تلبية طلبه إلا لمدة قليلة، يعدون العدة خلالها لقتالكم - أيها المسلمون - وللانسلاخ عن كل رابطة تربطكم بهم. لأن عقيدتهم واهنة، ونفوسهم مريضة خائرة.
قال صاحب الكشاف: قوله: {وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ} أى: المدينة. وقيل: بيوتهم. من قولك: دخلت على فلان داره {مِّنْ أَقْطَارِهَا} أى. من جوانبها. يريد: ولو دخلت هذه العساكر المتحزبة - التى يفرون منها - مدينتهم من نواحيها كلها وانثالت على أهاليهم.
وألادهم ناهبين سابين، ثم سئلوا عند ذلك الفزع وتلك الرجفة، {ٱلْفِتْنَةَ} أى: الردة والرجعة إلى الكفر، ومقاتلة المسلمين، لأتوها، أى: لجاءوها ولفعلوها. وقرئ. لأتوها أى لأعطوها {وَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَآ إِلاَّ يَسِيراً} ريثما يكون السؤال والجواب من غير توقف. أو ما لبثوا بالمدينة بعد ارتدادهم إلا يسيرا، فإن الله يهلكهم.
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك، أن من الصفات اللازمة للمنافقين، نقضهم لعهودهم فقال - تعالى -: {وَلَقَدْ كَانُواْ عَاهَدُواْ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ لاَ يُوَلُّونَ ٱلأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ ٱللَّهِ مَسْئُولاً}.
أى: ولقد كان هؤلاء المنافقون قد حلقوا من قبل غزوة الأحزاب، أنهم سيكونون معكم فى الدفاع عن الحق وعن المدينة المنورة التى يساكنونكم فيها، ولكنهم لم يفوا بعهودهم.
{وَكَانَ عَهْدُ ٱللَّهِ مَسْئُولاً} أى: مسئولا عنه صاحبه الذى عاهد الله - تعالى - على الوفاء، وسيجازى - سبحانه - كل ناقض لعهده، بما يستحقه من عقاب.
ثم واصلت السورة الكريمة حديثها عن هؤلاء المنافقين، فوبختهم على سوء فهمهم، وعلى جبنهم وخورهم، وعلى سلاطة ألسنتهم.. فقال - تعالى -: {قُل لَّن يَنفَعَكُمُ ٱلْفِرَارُ....مَّا قَاتَلُوۤاْ إِلاَّ قَلِيلاً}.