التفاسير

< >
عرض

يسۤ
١
وَٱلْقُرْآنِ ٱلْحَكِيمِ
٢
إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ
٣
عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ
٤
تَنزِيلَ ٱلْعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ
٥
لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أُنذِرَ آبَآؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ
٦
لَقَدْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ عَلَىٰ أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ
٧
إِنَّا جَعَلْنَا فِيۤ أَعْناقِهِمْ أَغْلاَلاً فَهِىَ إِلَى ٱلأَذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ
٨
وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً ومِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ
٩
وَسَوَآءُ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ
١٠
إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ وَخشِيَ ٱلرَّحْمـٰنَ بِٱلْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ
١١
إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي ٱلْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُواْ وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِيۤ إِمَامٍ مُّبِينٍ
١٢
-يس

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

قوله - تعالى - يس من الألفاظ التى اختلف المفسرون فى معناها، فمنهم من يرى أن هذه الكلمة اسم للسورة، أو للقرآن، أو للرسول صلى الله عليه وسلم.
ومنهم من يرى أن معناها: يا رجل، أو يا إنسان.
ولعل أرجح الأقوال أن هذه الكلمة من الألفاظ المقطعة التى افتتحت بها بعض السور القرآنية، للإِشارة إلى إعجاز القرآن الكريم، وللتنبيه إلى أن هذا القرآن المؤلف من جنس الألفاظ التى ينطقون بها، هو من عند الله - تعالى -، وأنهم ليس فى إمكانهم أو إمكان غيرهم أن يأتوا بمثله، أو بعشر سور من مثله، أو بسورة من مثله...
قال الآلوسى: قوله - تعالى {يس} الكلام فيه كالكلام فى "ألم" ونحوه من الحروف المقطعة فى أوائل بعض السور، إعرابا ومعنى عند الكثيرين.
وظاهر كلام بعضهم أن "يس" بمجموعة، اسم من أسمائه صلى الله عليه وسلم.
وقرأ جمع بسكون النون مدغمة فى الواو، وقرأ آخرون بسكونها مظهرة، والقراءتان سبعيتان..
قوله - تعالى -: {وَٱلْقُرْآنِ ٱلْحَكِيمِ} قسم منه - تعالى - بكتابه ذى الحكمة العالية. والهدايات السامية، والتوجيهات السديدة، والتشريعات القويمة، والآداب الحميدة...
وقوله - سبحانه -: {إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ} جواب لهذا القسم.
أى: وحق هذا القرآن الحكيم، إنك أيها الرسول الكريم - لمن عبادنا الذين اصطفيناهم لحمل رسالتنا، وتبليغ دعوتنا إلى الناس، لكى يخلصوا العبادة لنا، ولا يشركوا معنا فى ذلك غيرنا.
وجاء هذا الجواب مشتملا على أكثر من مؤكد، للرد على أولئك المشركين الذين استنكروا رسالة النبى صلى الله عليه وسلم وقالوا فى شأنه: "لست مرسلا".
قال بعض العلماء: واعلم أن الأقسام الواقعة فى القرآن. وإن وردت فى صورة تأكيد المحلوف عليه، إلا أن المقصود الأصلى بها تعظيم المقسم به؛ لما فيه من الدلالة على اتصافه - تعالى - بصفات الكمال، أو على أفعاله العجيبة، أو على قدرته الباهرة فيكون المقصود من الحلف: الاستدلال به على عظم المحلوف عليه، وهو هنا عظم شأن الرسالة. كأنه قال: إن من أنزل القرآن - وهو من هو فى عظم شأنه - هو الذى أرسل رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم - ومثل ذلك يقال له فى الأقسام التى فى السور الآتية...
وقوله - تعالى - {عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} خبر ثان لحرف "إن" فى قوله - تعالى - قبل ذلك: {إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ}.
أى: إنك - يا محمد - لمن أنبيائنا المرسلين، على طريق واضح قويم، لا اعوجاج فيه ولا اضطراب، ولا ارتفاع فيه ولا انخفاض، بل هو فى نهاية الاعتدال والاستقامة.
قال صاحب الكشاف: قوله: {عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} خبر بعد خبر، أوصلة للمرسلين.
فإن قلت: أى حاجة إليه خبرا كان أو صلة، وقد علم أن المرسلين لا يكونون إلا على صراط مستقيم؟
قلت: ليس الغرض بذكره ما ذهبت إليه من تمييز من أرسل على صراط مستقيم عن غيره ممن ليس على صفته. وإنما الغرض وصفه، ووصف ما جاء به من الشريعة، فجمع بين الوصفين فى نظام واحد، كأنه قال: إنك لمن المرسلين الثابتين على طريق ثابت، وأيضا فإن التنكير فيه دل على أنه أرسل من بين الصراط المستقيمة، على صراط مستقيم لا يكتنه وصفه - أى: فى التضخيم والتعظيم -.
ثم مدح - سبحانه - كتابه بمدائح أخرى فقال: {تَنزِيلَ ٱلْعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ} وقد قرأ بعض القراء السبعة: {تنزيل} بالنصب على المدح، أو على المصدرية لفعل محذوف. أى: نزل الله - تعالى - القرآن تنزيل العزيز الرحيم.
وقرأ البعض الآخر: {تنزيل} بالرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف. أى: هذا القرآن هو تنزيل العزيز - الذى لا يغلبه غالب -، الرحيم أى الواسع الرحمة بعباده.
ثم بين - سبحانه - الحكمة من إرساله لنبيه صلى الله عليه وسلم - فقال: {لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أُنذِرَ آبَآؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ}.
واللام فى قوله: {لِتُنذِرَ} متعلقة بفعل مضمر يدل عليه قوله: {إِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ}.
والإنذار: إخبار معه تخويف فى مدة تتسع للتحفظ من الخوف، فإن لم تتسع له فهو إعلام وإشعار لا إنذار. وأكثر ما يستعمل فى القرآن فى التخويف من عذاب الله - تعالى -.
والمراد بالقوم: كفار مكة الذين بعث النبى صلى الله عليه وسلم لإنذارهم، وهذا لا يمنع أن رسالته عامة إلى الناس جميعا، كما قال - تعالى -:
{ قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً... } و {ما} نافية، والمراد بآبائهم: آباؤهم الأقربون، لأن آباءهم الأبعدون قد أرسل الله - تعالى - إليهم إسماعيل - عليه السلام -.
أى: أرسلناك - يا محمد - بهذه الرسالة من لدنا، لتنذر قوما، وهم قريش المعاصرون لك، لم يسبق لهم أو لآبائهم أن جاءهم نذير منا يحذرهم من سوء عاقبة الإِشراك بالله - تعالى - فهم لذلك غافلون عما يجب عليهم نحو خالقهم من إخلاص العبادة له، وطاعته فى السر والعلن.
قال ابن كثير: قوله {لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أُنذِرَ آبَآؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ} يعنى بهم العرب، فإنه ما أتاهم من نذير من قبله. وذكرهم وحدهم لا ينفى من عداهم، كما أن ذكر بعض الأفراد لا ينفى العموم، الذى وردت به الآيات والأحاديث المتواترة...
وقال الجمل ما ملخصه: قوله {لِتُنذِرَ قَوْماً...} أى العرب وغيرهم وقوله {مَّآ أُنذِرَ آبَآؤُهُمْ} أى الأقربون، إلا فآباؤهم الأبعدون قد أنذروا فآباء العرب الأقدمون أنذروا بإسماعيل، وآباء غيرهم أنذروا بعيسى.. و "ما" نافية، لأن قريشا لم يبعث إليهم نبى قبل نبينا صلى الله عليه وسلم فالجملة صفة لقوله {قوماً} أى: قوما لم تنذروا. وقوله {فَهُمْ غَافِلُونَ} مرتب على الإِنذار...
ثم بين - سبحانه - مصير هؤلاء الغافلين، الذين استمروا فى غفلتهم وكفرهم بعد أن جاءهم النذير، فقال: {لَقَدْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ عَلَىٰ أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ}.
والجملة جواب لقسم محذوف. ومعنى {حق} ثبت ووجب.
والمراد بالقول: العذاب الذى أعده الله - تعالى - لهم بسبب إصرارهم على كفرهم.
أى: والله لقد ثبت وتحقق الحكم أزلا بالعذاب على أكثر هؤلاء المنذرين بسبب عدم إيمانهم برسالتك، وجحودهم الحق الذى جئتهم به، وإيثارهم باختيارهم الغى على الرشد، والضلال على الهدى...
وقال - سبحانه - {عَلَىٰ أَكْثَرِهِمْ} لأن قلة منهم اتبعت الحق، وآمنت به، وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -:
{ إِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ. وَلَوْ جَآءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ } ثم صور - سبحانه - انكبابهم على الكفر، وإصرارهم عليه، تصويرا بليغا فقال: {إِنَّا جَعَلْنَا فِيۤ أَعْناقِهِمْ أَغْلاَلاً فَهِىَ إِلَى ٱلأَذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ}.
والأغلال: جمع غل - بضم الغين، وهو القيد الذى تشد به اليد إلى العنق بقصد التعذيب والأذقان: جمع ذقن - بفتح الذال - وهو أسفل الفم.
ومقمحون: من الإِقماح، وهو رفع الرأس مع غض البصر. يقال: قمح البعير قموحا إذا رفع رأسه عن الحوض ولم يشرب. والفاء فى قوله {فهى} وفى قوله {فهم}: للتقريع.
أى: إنا جعلنا فى أعناق هؤلاء الجاحدين قيودا عظيمة، فهى - أى هذه القيود - واصلة إلى أذقانهم، فهم بسبب ذلك مرفوعة رءوسهم، مع غض أبصارهم، بحيث لا يستطيعون أن يخفضوها، لان القيود التى وصلت إلى أذقانهم منعتهم من خفض رءوسهم.
فقد شبه - سبحانه - فى هذه الآية، حال أولئك الكافرين، المصرين على جحودهم وعنادهم، بحال من وضعت الأغلال فى عنقه ووصلت إلى ذقنه، ووجه الشبه أن كليهما لا يستطيع الانفكاك عما هو فيه.
ثم أكد - سبحانه - هذا الإِصرار من الكافرين على كفرهم فقال: {وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً ومِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ} أى: إننا لم نكتف بجعل الأغلال فى أعناقهم، بل أضفنا إلى ذلك أننا جعلنا من أمامهم حاجزا عظيما ومن خلفهم كذلك حاجزا عظيما. {فأغشيناهم} أى: فجعلنا على أبصارهم غشاوة وأغطية تمنعهم من الرؤية {فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ} شيئا بسبب احتجاب الرؤية عنهم.
فالآية الكريمة تمثيل آخر لتصميمهم على كفرهم، حيث شبههم - سبحانه - بحال من أحاطت بهم الحواجز من كل جانب، فمنعتهم من الرؤية والإِبصار.
ولذا قال صاحب الكشاف عند تفسيره لهاتين الآيتين: ثم مثل تصميمهم على الكفر، وأنه لا سبيل على ارعوائهم، بأن جعلهم كالمغلولين المقمحين فى أنهم لا يلتفتون إلى الحق، ولا يعطفون أعناقهم نحوه، ولا يطأطئون رءوسهم له، وكالحاصلين بين سدين لا يبصرون ما قدامهم ولا ما خلفهم فى أن لا تأمل لهم ولا تبصر، وأنهم متعامون عن النظر فى آيات الله.
وقد ذكروا فى سبب نزول هاتين الآيتين روايات منها ما أخرجه ابن جرير عن عكرمة، أن أبا جهل قال: لئن رأيت محمدا لأفعلن ولأفعلن، فأنزل الله - تعالى - قوله: {إِنَّا جَعَلْنَا فِيۤ أَعْناقِهِمْ أَغْلاَلاً...} فكانوا يقولون لأبى جهل: هذا محمد صلى الله عليه وسلم فيقول: أين هو؟ ولا يبصره.
وقوله - تعالى - : {وَسَوَآءُ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ} بيان لما وصل إليه هؤلاء الجاحدون من عناد وانصراف عن الحق.
وقوله {سواء} اسم مصدر بمعنى الاستواء، والمراد به اسم الفاعل. أى: مستو.
أى: أن هؤلاء الذين جعلنا فى أعناقهم أغلالا.. وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا، مستو عندهم إنذارك إياهم وعدمه، فهم - لسوء استعدادهم وفساد فطرهم - لا يؤمنون بالحق الذى جئتهم به سواء دعوتهم إليه أم لم تدعهم إليه، وسواء خوفتهم بالعذاب أم لم تخوفهم به، لأنهم ماتت قلوبهم، وصارت لا تتأثر بشئ مما تدعوهم إليه...
ثم بين - سبحانه - من هم أهل للتذكير فقال: {إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ}.
أى: إنما تنذر - أيها الرسول الكريم - إنذارا نافعا، أولئك الذين اتبعوا إرشادات القرآن الكريم وأوامره ونواهيه...
وينفع إنذارك - أيضا - مع من {وَخشِيَ ٱلرَّحْمـٰنَ بِٱلْغَيْبِ} أى: مع من خاف عقاب الرحمن دون أن يرى هذا العقاب، ودون أن يرى الله - تعالى - الذى له الخلق والأمر.
هؤلاء هم الذين ينفع معهم الإِنذار والتذكير والإِرشاد، لأنهم فتحوا قلوبهم للحق، واستجابوا له.
والفاء فى قوله: {فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ} لترتيب البشارة أو الأمر بها، على ما قبلها من اتباع الذكر والخشية.
أى: فبشر - أيها الرسول الكريم - هذا النوع من الناس، بمغفرة عظيمة منا لذنوبهم، وبأجر كريم لا يعلم مقداره أحد سوانا.
ثم أكد - سبحانه - أن البعث حق، وأن الجزاء حق، لكى لا يغفل عنهما الناس، ولكى يستعدوا لهما بالإِيمان والعمل الصالح فقال: {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي ٱلْمَوْتَىٰ...}.
أى: إنا نحن بقدرتنا وحدها نحيى الموتى بعد موتهم، ونعيدهم إلى الحياة مرة أخرى لكى نحاسبهم على أعمالهم.
{وَنَكْتُبُ مَاَ قَدَّمُواْ وَآثَارَهُمْ} أى: وإنا نحن الذين نسجل عليهم أعمالهم التى عملوها فى الدنيا سواء أكانت هذه الأعمال صالحة أم غير صالحة.
ونسجل لهم - أيضا - آثارهم التى تركوها بعد موتهم سواء أكانت صالحة كعلم نافع، أو صدقة جارية... أم غير صالحة كدار للهو واللعب، وكرأى من الآراء الباطلة التى اتبعها من جاء بعدهم، وسنجازيهم على ذلك بما يستحقون من ثواب أو عقاب {وَكُلَّ شيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِيۤ إِمَامٍ مُّبِينٍ} أى: وكل شئ أثبتناه وبيناه فى أصل عظيم، وفى كتاب واضح عندنا. ألا وهو اللوح المحفوظ، أو علمنا الذى لا يعزب عنه شئ.
قال الإِمام ابن كثير ما ملخصه: وفى قوله: {آثارهم} قولان:
أحدهما: ونكتب أعمالهم التى باشروها بأنفسهم، وآثارهم التى أثروها - أى تركوها - من بعدهم، فنجزيهم على ذلك - أيضا -، إن خيرا فخيرا، وإن شرا فشر. كقوله صلى الله عليه وسلم
"من سن في الإِسلام سنة حسنة، فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شئ، ومن سن في الإِسلام سنة سيئة، كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شئ.." .
والثانى: أن المراد {وآثارهم} أى: آثار خطاهم إلى الطاعة أو المعصية. فقد روى مسلم والإمام أحمد عن جابر بن عبد الله قال: "خلت البقاع حول المسجد، فأراد بنو سلمة أن ينتقلوا قرب المسجد فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم: إنه بلغني أنكم تريدون أن تنتقلوا إلى المسجد؟ قالوا: نعم يا رسول الله، قد أردنا ذلك، فقال: يا بني سلمة، دياركم تكتب آثاركم، دياركم تكتب آثاركم" .
ثم قال ابن كثير: ولا تنافى هذا القول والذى قبله، بل فى القول الثانى تنبيه ودلالة، على ذلك بطريق الأولى والأحرى، فإنه إذا كانت هذه الآثار تكتب، فلأن تكتب التى فيها قدوة بهم من خير أو شر بطريق أولى.
هذا، وتلك الرواية الصحيحة تشير إلى أن هذه الآية ليست مدنية - كما قيل -، لأن هذه الرواية تصرح بأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد قال لبنى سلمة،
"دياركم تكتب آثاركم" أى: ألزموا دياركم تكتب آثاركم.. دون إشارة إلى سبب النزول.
قال الآلوسى ما ملخصه: والأحاديث التى فيها أن الله - تعالى - أنزل هذه الآية، حين أراد بنو سلمة أن ينتقلوا من ديارهم. معارضة بما فى الصحيحين من أن النبى صلى الله عليه وسلم قرأ لهم هذه الآية، ولم يذكر أنها نزلت فيهم، وقراءته صلى الله عليه وسلم لا تنافى تقدم النزول. أى: أن الآية مكية كبقية السورة.
وبذلك نرى الآيات الكريمة، قد أثبتت صدق الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يبلغه عن ربه، وبينت الحكمة من رسالته، كما بينت أن يوم القيامة آت لا ريب فيه.
ثم أمر الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقرأ على الناس - ليعتبروا ويتعظوا - قصة أصحاب القرية، وما جرى بينهم وبين الرسل الذين جاءوا لهدايتهم وإرشادهم إلى الطريق المستقيم فقال - تعالى -.
{وَٱضْرِبْ لَهُمْ مَّثَلاً أَصْحَابَ ٱلقَرْيَةِ...}