التفاسير

< >
عرض

إِنَّ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ ٱليَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ
٥٥
هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلاَلٍ عَلَى ٱلأَرَآئِكِ مُتَّكِئُونَ
٥٦
لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ
٥٧
سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ
٥٨
وَٱمْتَازُواْ ٱلْيَوْمَ أَيُّهَا ٱلْمُجْرِمُونَ
٥٩
أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يٰبَنِيۤ ءَادَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ ٱلشَّيطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ
٦٠
وَأَنِ ٱعْبُدُونِي هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ
٦١
وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُواْ تَعْقِلُونَ
٦٢
هَـٰذِهِ جَهَنَّمُ ٱلَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ
٦٣
ٱصْلَوْهَا ٱلْيَوْمَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ
٦٤
-يس

الوسيط في تفسير القرآن الكريم

فقوله - تعالى -: {إِنَّ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ ٱليَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ} بيان لأحوالهم الطيبة، بعد بيان أحوال الكافرين السيئة.
والشغل: الشأن الذى يشغل الإِنسان عما سواه من الشئون، لكونه أهم عنده من غيره، وما فيه من التنكير للتفخيم، كأنه قيل: فى شغل أى شغل.
وفاكهون: أى: متنعمون متلذذون فى النعمة التى تحيط بهم، مأخوذ من الفكاهة - بفتح الفاء - وهي طيب العيش مع النشاط. يقال: فكه الرجل فكها وفاكه فهو فكه وفاكه، إذا طاب عيشه، وزاد سروره، وعظم نشاطه وسميت الفاكهة بذلك لتلذذ الإنسان بها.
أى: يقال للكافرين فى يوم الحساب والجزاء زيادة فى حسرتهم - إن أصحاب الجنة اليوم فى شغل عظيم، يتلذذون فيه بما يشرح صدورهم، ويرضي نفوسهم، ويقر عيونهم، ويجعلهم فى أعلى درجات التنعم والغبطة.
وعبر عن حالهم هذه بالجملة الاسمية المؤكدة، للإِشعار بأن هذه الحال ثابتة لهم ثبوتا تاما، بفضل الله - تعالى - وكرمه.
ثم بين - سبحانه - جانبا من كيفية هذا التمتع بالجنة ونعيمها فقال: {هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلاَلٍ عَلَى ٱلأَرَآئِكِ مُتَّكِئُونَ}.
و "هم" مبتدأ، و "أزواجهم" معطوف عليه. و "متكئون" خبر المبتدأ.
قال الإمام الرازى: ولفظ الأزواج هنا يحتمل وجهين:
أحدهما: أشكالهم فى الإحسان. وأمثالهم فى الإيمان، كما قال - تعالى -:
{ وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ } وثانيهما: الأزواج هم المفهومون من زوج المرأة وزوجة الرجل، كما فى قوله - تعالى -: { إِلاَّ عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ... } ويبدو أن المراد بالأزواج هنا: حلائلهم اللاتى أحلهن الله لهم، زيادة فى مسرتهم ويهجتهم، وعلى هذا سار عامة المفسرين.
والظلال: جمع ظل أو ظلة، وهى ما يظل الإِنسان ويقيه من الحر.
والأرائك: جمع أريكة وهى ما يجلس عليه الإِنسان من سرير ونحوه للراحة والمتعة.
أى: أن أصحاب الجنة هم وحلائلهم يجلسون على الأرائك متكئين فى متعة ولذة.
{لَهُمْ فِيهَا} أى فى الجنة {فَاكِهَةٌ} كثيرة متنوعة {وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ} أى: ولهم فوق ذلك جميع ما يطلبونه من مطالب وما يتمنونه من أمنيات.
فقوله: {يَدَّعُونَ} يصح أن يكون من الدعاء بمعنى الطلب، كما يصح أن يكون من الادعاء بمعنى التمنى.
يقال: ادعُ علىَّ ما شئتَ أى: تمن علىَّ ما شئت. ويقال: فلان فى خير ما يدَّعِى، أى: فى خير ما يتمنى.
ثم ختم - سبحانه - هذا العطاء الجزيل للمؤمنين بقوله: {سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ}.
وللمفسرين فى إعراب قوله: {سَلاَمٌ} أقوال منها: أنه مبتدأ خبره الناصب للفظ {قَوْلاً} أى: سلام يقال لهم قولا...
وقد أشار صاحب الكشاف إلى بعض هذه الأقوال فقال: وقوله: {سَلاَمٌ} بدل من قوله {مَّا يَدَّعُونَ} كأنه قال لهم: سلام يقال لهم قولا من جهة رب رحيم.
والمعنى: أن الله - تعالى - يسلم عليهم بواسطة الملائكة، أو بغير واسطة، مبالغة فى تكريمهم، وذلك غاية متمناهم..
وقد ذكر الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية بعض الأحاديث، منها ما رواه ابن أبى حاتم - بسنده - عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"بينما أهل الجنة في نعيمهم، إذ سطع لهم نور، فرفعوا رءوسهم فإذ الرب - تعالى - قد أشرف عليهم من فوقهم، فقال: السلام عليكم يا أهل الجنة. فذلك قوله: {سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ} قال: فينظر إليهم وينظرون إليه، فلا يلتفتون إلى شئ من النعيم ما داموا ينظرون إليه. حتى يحتجب عنهم، ويبقى نوره وبركته عليهم وفي ديارهم" .
والمتأمل فى هذه الآيات الكريمة - كما يقال الإِمام الفخر الرازى - يراها تشير إلى أن أصحاب الجنة ليسوا فى تعب، كما تشير إلى وحدتهم, وإلى حسن المكان، وإلى إعطائهم كل ما يحتاجونه، وإلى تلذذهم بالنعيم وإلى تلقيهم لأجمل تحية..
هذا هو حال المؤمنين، وهذا بعض ما يقال لهم من ألفاظ التكريم، فماذا يقال للمجرمين.
لقد بين - سبحانه - بعد ذلك ما يقال للمجرمين فقال: {وَٱمْتَازُواْ ٱلْيَوْمَ أَيُّهَا ٱلْمُجْرِمُونَ} أى: ويقال للمجرمين فى هذا اليوم - على سبيل الزجر والتأنيب انفردوا - أيها المجرمون - عن المؤمنين، واتجهوا إلى ما أعد لكم من عذاب فى جهنم، بسبب كفركم وجحودكم للحق.
يقال: امتاز وتميز القوم بعضهم عن بعض، إذا انفصل كل فريق عن غيره.
قال تعالى:
{ وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ. فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ. وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَلِقَآءِ ٱلآخِرَةِ فَأُوْلَـٰئِكَ فِي ٱلْعَذَابِ مُحْضَرُونَ } وقوله - تعالى - بعد ذلك: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يٰبَنِيۤ ءَادَمَ أَنْ لاَّ تَعْبُدُواْ ٱلشَّيطَانَ} من جملة ما يقال لهم - أيضا - على سبيل التقريع والتوبيخ.
والعهد بالشئ: الوصية به، والمراد به هنا: وصية الله - تعالى - للناس على ألسنة رسله، أن يخلصوا له العبادة والطاعة، وأن يخالفوا، ما يوسوس لهم به الشيطان من شرك ومعصية.
قال الآلوسى: والمراد بالعهد هنا. ما كان منه - تعالى - على ألسنة الرسل - عليهم السلام - من الأوامر والنواهى التى من جملتها قوله - تعالى -
{ يَابَنِيۤ ءَادَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ ٱلشَّيْطَانُ كَمَآ أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِّنَ ٱلْجَنَّةِ.. } وقيل: هو الميثاق المأخوذ عليهم فى عالم الذر، إذ قال - سبحانه - { أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ... } وقيل: هو ما نصب لهم من الحجج العقلية والسمعية الآمرة بعبادة الله - تعالى - الزاجرة عن عبادة غيره...
والمراد بعبادة الشيطان: طاعته فيما يوسوس به إليهم، ويزينه لهم، عبر عنها بالعبادة لزيادة التحذير والتنفير عنها.
والمعنى: لقد عهدت إليكم - يا بنى آدم - عهدا مؤكدا على ألسنة رسلى، أن لا تعبدوا الشيطان وأن لا تستمعوا لوسوسته، وأن لا تتبعوا خطواته، لأنه لكم عدو ظاهر العداوة، بحيث لا تخفى عداوته على أحد من العقلاء.
فجملة {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} تعليل لوجوب الانتهاء عن طاعة الشيطان.
وقوله: {وَأَنِ ٱعْبُدُونِي هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ} بيان لما يجب عليهم أن يفعلوه بعد النهى عما يجب عليهم أن يجتنبوه.
و "أن" فى قوله {أَن لاَّ تَعْبُدُواْ} وفى قوله {وَأَنِ ٱعْبُدُونِي} مفسرة، والجملة الثانية معطوفة على الأولى.
أى: لقد عهدت إليكم بأن تتركوا عبادة الشيطان، وعهدت إليكم أن تعبدونى وحدى دون غيرى.
والإِشارة فى قوله: {هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ} تعود إلى إخلاص العبادة لله - تعالى -.
أى: هذا الذى أمرتكم به من إخلاص العبادة والطاعة لى هو الطريق الواضح المستقيم، الذى يوصلكم إلى عز الدنيا، وسعادة الآخرة.
وقوله - سبحانه - {وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُواْ تَعْقِلُونَ} استئناف مسوق لتأكيد النهى عن طاعة الشيطان، ولتشديد التوبيخ لمن اتبع خطواته.
"وجبلا كثيرا" بمعنى: خلقا كثيرا حتى إنهم لكثرتهم كالجبل العظيم.
ولفظ "جِبِلاًّ" قرأه نافع وعاصم - بكسر الجيم والباء، وقرأه ابن كثير وحمزة والكسائى {جِبِلاًّ} بضم الجيم وتسكين الباء مع تخفيف اللام وجيمع القراءات بمعنى واحد.
أى: ولقد أغوى الشيطان منكم يا بنى آدم خلقا كثيرا، فهل عقلتم ذلك، واتعظتم بما فعله مع كثير من أبناء جنسكم، وأخلصتم لنا العبادة والطاعة، واتخذتم الشيطان عدوا لكم كما صرح بعداوتكم. وبالعمل على إغوائكم.
قال - تعالى -:
{ إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُواْ حِزْبَهُ لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ } وقال - سبحانه - حكاية عنه: { قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ } وبعد هذا التوبيخ لمن أطاعوا الشيطان، يقال لهم فى النهاية: {هَـٰذِهِ جَهَنَّمُ ٱلَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ}.
أى: هذه جهنم ماثلة أمام أعينكم أيها الكافرون، وهى التى كنتم توعدون بها فى الدنيا، وكنتم تقابلون ذلك بالسخرية والتكذيب.
{ٱصْلَوْهَا ٱلْيَوْمَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ} أى: ذوقوا حرها ولهيبها وسعيرها، بسبب كفركم فى الدنيا، وموتكم على هذا الكفر.
والأمر فى قوله - تعالى -: {اصلوها} للتحقير والإِهانة، كما فى قوله - تعالى -:
{ ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ } والذين يأمرونهم بذلك هم خزنة النار، بأمر من الله - تعالى -.
ثم تنتقل السورة الكريمة فتحكى لنا جانبا آخر من أحوال الكافرين فى هذا اليوم العصيب، كما تحكى لنا جانبا من مظاهر قدرة الله - تعالى - فتقول:
{ٱلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَآ...}.